الزايرة مستوردة لمواد التجميل – حسام الدين الانصاري

الزايرة مستوردة لمواد التجميل  – حسام الدين الانصاري

 

يخوض البلد مسيرة التخلف التي تشتد يوماً بعد يوم في ظل أجهزة رسمية تعمل وفقاً لمعادلة (بقدر ما يسير العالم الى الأمام نسير الى الخلف) وبقدر ما تسعى الدول وحكوماتها للتخفيف عن المواطن في تقليص الروتين واختصار المراجعات فإن عباقرة علماء الإدارة ومسؤولي دوائر العراق الجديد يجتهدون في كيفية إزهاق روح المواطنة عند من يلجأ لدوائر الدولة ، ويدفعونه لكي يمخر عباب البحر في الطوافات البلاستيكية ويلبس (النجّادات) تحاشياً للغرق من أجل الوصول الى سواحل اليونان ، إن لم يكن قاع البحر بانتظاره ، أو المصير المجهول في التشــــــــرد والإذلال والإهـــــــانة والأسلاك الشائكة والنوم في العراء أو خيم الدرجة الأولى (VIP) سعياً وراء تحقيق حلم مقولة الإمام علي (ع) الذي لا يتحقق (الفقر في الوطن غربة ، والغنى في الغربة وطن).

وهل إن ذل الهجرة ومآسيها أهون من ذل مراجعة دوائر الدولة للحصول على الحقوق المشروعة أو إنجاز إجراءات بديهية بسيطة لا تحتاج الكلام عنها والشكوى من تعقيداتها ..

ولكن ماذا يفعل المواطن عندما يدخل في دوّامة إثبات كونه لم يستورد ولم يدخل في صفقة شراء (نعالات) من الصين لأن اسم والده (خليل إبراهيم) المتوفي منذ ستين عاماً وهو مشابه للالاف من أسماء العراقيين لأجل إنجاز معاملة براءة ذمة في إحدى دوائر الضريبة التي أصبح إيراد موظفيها يزيد عن إيراد خزينة الدائرة نفسها..

وهل من المعقول أن تؤخذ الحجية (زكية محمد) المتوفاة عام 1945 بجريرة (تركية محمد) لأن موظف النفوس خريج محو الأمية لم يتقن كتابــة الحروف العربية في هوية الأحوال المدنية التي يراجع إبنها لإنجاز معاملة براءة ذمة في دوائر الضريبة ليدخل في متاهة ان اسم الأم (زكية) ولــــــيس (تركية) بســـــــبب سوء ورداءة كتابة حروف اللغة الأم، لغتنـــــــا العربية التي شرّفها الله سبحانه لتكون لغة القرآن الكريم الذي أُنزل للبشرية جمعاء، والتي يقام لها عشرات معارض الخط العربي التي تزهو بروائع اشكال الخط وأنواعه وزخارف حروفه المذهلة.

ولكن المؤسف إن البعض منّا لم يعد قادراً على إتقان كتابة الحرف بصورة صحيحة، بل وإن البعض من المعلمين والتدريسيين المسؤولين عن تعليم الأجيال القادمة لا يعرفون أصول كتابة الحروف بشكل صحيح ، فكيف سيكون مستوى تلك الأجيال ؟

وكيف بنا ونحن نعيش غرابة إجراءات سياقات العمل وروتين دوائر الدولة حـــــــين تعمُد دوائر الضريبة الى إشراك الأم والأب والجد كما هو حاصل حالياً في العبء الضريـــــبي الذي يفترض أن يقع على المكلف به حصراً ولا علاقة له بذويه الذين رحلوا عن الدنيا وهو في المهد.

ولكن كل شيء اصبح ممكناً في بلد الواق واق ، بلد العجائب والغرائب.. عندما يُطلب من المُراجع لدوائر الضريبة إثبات إن اسم والدته المتوفاة في ثلاثينيات القرن الماضي المولودة في (سوق الشيوخ) لم تكن مستوردة لمواد التجميل ما دام اسمها جاء متشابهاً مع أسماء أخرى ، أو إن اسم والد أحدهم المولود في (عنة) المتوفي مع بداية فترة الشروع باستخراج النفط بالبصرة ليس مقاولاً يعمل في مشاريع نفطية..

ومع الابتعاد عن الكلام في الفساد المالي والإداري وهدر المال العام ومافيات الضريبة ، ولكن لنتكلم عن الجهل والأمية واللامعقول في روتين الدوائر الحكومية التي تضم جيشاً من أصحاب الشهادات الأصليّة جدا ، وعن سوء حظ المواطن الذي يقع ضحية اجتهادات من لم يكن يوماً من المجتهدين .. وضياع الحقوق وتحمل أعباء واجبات لم يكن طرفاً في امتيازات حصل عليها ، حين يؤخذ زيدُ باسم زائدةٍ .