الرشوة‭ ‬خمسون‭ ‬ألف‭ ‬دينار

فاتح عبدالسلام

الرشوة‭ ‬هي‭ ‬الرشوة،‭ ‬مهما‭ ‬تنوّعت‭ ‬أساليبها‭ ‬وتلوّنت‭ ‬حججها‭ ‬وبلغت‭ ‬قيمتها،‭ ‬وفي‭ ‬العراق‭ ‬طرق‭ ‬وفنون‭ ‬و”براءات‭ ‬اختراع”‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬وسائل‭ ‬النهب‭ ‬والسرقة،‭ ‬وأغلبها‭ ‬تحت‭ ‬الاغطية‭ ‬الشرعية،‭ ‬ويقع‭ ‬في‭ ‬حبائلها‭ ‬وحيلها‭ ‬ضعاف‭ ‬النفوس‭ ‬الصغار‭ ‬الذين‭ ‬ربما‭ ‬أوقعهم‭ ‬حظهم‭ ‬العاثر‭ ‬بالسرقات‭ ‬والرشى‭ ‬الصغيرة‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬التفاهة‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬ينجو‭ ‬بسهولة‭ ‬الوزير‭ ‬والمدير‭ ‬والمسؤول‭ ‬والزعيم‭ ‬والمحافظ‭ ‬والنائب‭ ‬بمساندة‭ ‬عاجلة‭ ‬من‭ ‬حزبه‭ ‬او‭ ‬عرابه‭ ‬السياسي‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أو‭ ‬الخارج‭.‬

بعد‭ ‬الضجة‭ ‬الاستعراضية‭ ‬حول‭ ‬سرقة‭ ‬القرن‭ ‬واستعادة‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬المليارية،‭ ‬سكت‭ ‬الجميع‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬المبلغ‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬جرت‭ ‬سرقته‭.‬

قبل‭ ‬ساعات‭ ‬رأيت‭ ‬تسجيلا‭ ‬بثته‭ ‬هيئة‭ ‬النزاهة‭ ‬الاتحادية‭ ‬يصور‭ ‬عملية‭ ‬مداهمة‭ ‬والقاء‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬ضابط‭ ‬في‭  ‬احدى‭ ‬دوائر‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬بعيدة‭ ‬في‭ ‬احدى‭ ‬المحافظات،‭ ‬مع‭ ‬مقدمة‭ ‬توحي‭ ‬بأنّ‭ ‬حصيلة‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الصيدة‭ ‬الثمينة‮»‬‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭  ‬مصير‭ ‬ستين‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬تبخرت‭ ‬من‭ ‬خزائن‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬وهمية‭ ‬طوال‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬تعيسة،‭ ‬لكنّ‭ ‬الصدمة‭ ‬انّ‭ ‬الكاميرا‭ ‬كانت‭ ‬تصور‭ ‬بدقة‭ ‬ورقتين‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬الف‭ ‬دينار‭ ‬عراقي‭ ‬بين‭ ‬أوراق‭ ‬معاملة‭ ‬لبيان‭ ‬وفاة‭ ‬مواطن،‭ ‬وهذا‭ ‬المبلغ،‭ ‬خمسون‭ ‬الف‭ ‬دينار،‭ ‬لا‭ ‬يعادل‭ ‬أربعين‭ ‬دولاراً،‭ ‬وانّ‭ ‬صغر‭ ‬المبلغ‭ ‬لا‭ ‬يبرر‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬الرشوة‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬العراقيين‭ ‬ينتظرون‭ ‬دوماً‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬النزاهة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬حيتان‭ ‬الفساد‭ ‬وديناصوراته‭.‬

إذا‭ ‬عجزتم‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬أرصدة‭ ‬السياسيين‭ ‬وافراد‭ ‬عوائهم‭ ‬وزوجاتهم‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬فاطلبوا‭ ‬المساعدات‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬هيئات‭ ‬وحكومات‭ ‬لكي‭ ‬تصلوا‭ ‬الى‭ ‬مليارات‭ ‬منقولة‭ ‬وغير‭ ‬منقولة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬قبل‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

أقبلت‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬أيام‭ ‬انتخابية‭ ‬جديدة‭ ‬لمجالس‭ ‬المحافظات،‭ ‬وبدأ‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬يتحرك‭ ‬فوق‭ ‬طاولات‭ ‬المساومات‭ ‬وفي‭ ‬الغرف‭ ‬المغلقة،‭ ‬وصالات‭ ‬الفنادق‭ ‬ومطاعمها‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬المنهوب‭ ‬وعواصم‭ ‬الجوار،‭ ‬وسوف‭ ‬تتكرر‭ ‬الفضائح‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬ننته‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬المرات‭ ‬السابقة‭.‬

رئيس التحرير-الطبعة الدولية

[email protected]