الذكرى الحادية عشرة لرحيل عميد الأغنية العراقية عباس جميل

الذكرى الحادية عشرة لرحيل عميد الأغنية العراقية عباس جميل

من معلم للرياضة العنيفة إلى ملحن بارز

فائز جواد

قبل احد عشر عاما فقدت الاوساط الفنية  في مثل هذه الايام من العام 2005  احد اعمدة الفن العراقي فنان الشعب المطرب والملحن الكبير غباس جميل بعد رحلة مع المرض استمرت سنوات وبرحيل عميد الاغنية العراقية جميل وبعد اعلان عائلته نبا وفاته رسميا  خيم الحزن على الساحة الفنية والثقافية لفقدان ملحن وصوت  كان قد اثرى الساحة الغنائية بروائعة التي كانت وستبقى ترددها الاجيال تلو الاجيال ليس في العراق بل في عموم الوطن العربي خاصة ان الراحل لحن لكبار المطربات العربيات وغنى واعاد اغنياته والحانه عدد من المطربين العرب ،

 وفي صباح اليوم نفسه نعته الدوائر الفنية الموسيقية والثقافية في العراق والوطن العربي وعدت رحيل جميل يعني فقدان عمود مهم من اعمدة الغناء العراقي الاصيل عموما والبغدادي خصوصا  تاركا للاغنية العراقية واصولها الحاناً واغاني سترددها الاجيال من بعده، واليوم وبعد مرور اكثر من احد عشر عاما على رحيل الموسيقار عباس جميل تمنى عدد من الفنانين الموسيقيين والمطربين ان تستذكر الدوائر والمنظمات المعنية هذه الذكرى باقامة فعاليات موسيقية وحوارية وغنائية تستذكر فيها الروائع اللحنية والغنائية التي اثرت الساحة الفنية واتخمت الرفوف الموسيقية والمكتبات الصوتية والصورية تخليدا وتقديرا للراحل الذي سيبقى اسمه خالدا في المشهد الفني وستبقى اعماله الموسيقية تدرس في المعاهد الموسيقية والغنائية وستبقى تتردد على المسارح العراقية والعربية وسيبقى عنوانا للاغنية العراقية الاصيلة لما سطره خلال مسيرته الطويلة من الحان خالدة حفرت في قلوب عشاق الطرب الاصيل ذكريات جميلة، وعرف الراحل الذي كان لايستكين للمرض باخلاصه ووفائه لفنه الى جانب ثقافته الموسيقية وعزفه الرائع على آلة العود الرشيق الذي صاحبه طوال مسيرته الفنية وانجبت الحاناً عراقية رائعة غنتها حناجر المطربين العراقيين روادا وشبابا وغنتها حناجر عربية ومازالت الاصوات العراقية والعربية ترردها في المناسبات، وعرف الراحل بالنكته والروح الطيبة والابتسامة التي كانت لاتفارق محياه في اصعب الظروف. يقول الكاتب في الشان الفني قحطان جاسم عن الراحل عباس جميل انه ذلك الفنان الذي كان مخلصا ووفيا لفنه على نحو رافقه إلى أخر يوم في حياته … لم يترك يوما إلا وعوده الرشيق بيده ليصنع لحنا أو يؤدي إحدى أغنياته القديمة أو للحن نشيدا وطنيا. كان مليئا بالحيوية ولم تفت السنين في عضده،كان نشيطا ولا يستكين حتى للمرض.عباس جميل ظهر لأول مرة في الخمسينات مطربا باسم عباس قمري وأخفى اسم والده بسبب الظروف الاجتماعية التي كانت تعتبر الغناء من الأشياء غير المستحبة. لذا وحفاظا على اسم والده وعائلته قدم نفسه كعباس قمري. لكن بعد فترة من وجوده في الوسط الفني وبعد أن عرفه الجمهور على نحو واسع عاد إلى عباس جميل اسمه الصريح. فتقدم للإذاعة ونجح في الاختبار ودرس في معهد الفنون الجميلة. ونجح في التلحين لأهم الأصوات الغنائية النسائية مثل سليمة مراد وزهور حسين ووحيدة خليل ولميعة توفيق وكذلك الأصوات الرجالية. وحقق شهرة واسعة من خلال أغانية الجميلة التي أصبحت أغاني الموسم في حينها مثل أغنيات (مالي  صحت يمه حا) و(العيون). عباس جميل شكل علامة مضيئة في الأغنية العراقية لما قدمه لها من أغان والحان وكذلك من خلال الفرقة الموسيقية التي أسسها في دائرة الفنون الموسيقية انذاك، حيث  كان يواظب على الحضور يوميا معها يلحن ويقود ويشرف على كل تفاصيلها التي  تتعلق بأكثر من ثلاثين عازفا ومؤديا في الفرقة.ويضيف جاسم..عرفت هذا الفنان الجليل عن قرب، وجمعتني به الكثير من المواقف والحكايات.. منها انه كان عسكريا في الكلية العسكرية وذات يوم في اختبار الضباط تقدم احدهم للاختبار فسأله العريف المشرف ما هي عاصمة اسبانيا فرد ذلك المشارك بقوله (مدري) فصفق العريف معتقدا انه يقول مدريد وهو اسم عاصمة اسبانيا، في حين انه كان يقصد لا اعرف أو لا ادري! وفي يوم ما شاهدته في كافيتريا الإذاعة والتليفزيون فحدثني عن الفنان حاتم العراقي بعد أدائه لأغنيته (بسكوت أون) لكنه كتب أن لحنها من الفولكلور! فزعل عباس جميل وقال لي أنا في الحياة وتتحول الحاني إلى الفولكلور! فهل يجوز ذلك؟ فقلت له سأكتب في ذلك الموضوع. ولم أخيب ظنه فكتبت عمودا (نهاية التسعينات) شرحت فيه الجهل الذي يحيط بالعراقي وعدم معرفته بعائدية الأغنية بسبب ضعف ثقافته وعدم متابعته وقراءاته لتاريخ الأغنية. بعد العمود والرزالة الناشفة  للعراقي ذهب إلى الفنان الرائع فاروق هلال واصطحبه معه وذهبا إلى عباس  جميل في منزله واعتذر منه ودفع له حقوق الأغنية. وقبل عباس الاعتذار من دون أن اعلم. لذا كانت مفاجأة لي أن أشاهد عباس يتحدث بود واحترام عن حاتم العراقي في لقاء تليفزيوني فتعجبت لذلك! ودهشت عن هذا التحول من الزعل  والعتب على العراقي إلى كلمات الود والإعجاب! فعدت إلى عمودي الصحفي لأكتب عن ذلك. وكيف تحدث عباس عن موقفه من العراقي وزعله عليه! واتهمته بالتراجع عن مبدئيته والتزامه الفني! فغضب هذه المرة عباس وعاتبني بشدة وشرح لي كيف أن العراقي جاءه مع فاروق هلال واعتذر منه! فقلت له الا يفترض بك أن تشرح لي الأمر وتوضح لي القضية لأني أصبحت طرفا في القضية، فأعتذر مني عباس وعاد الصفاء والود لعلاقتنا.القضية الأخرى التي افخر بها مع هذا الفنان الكبير هو تثبيت اللقب والمساهمة في نشره إلى حد بعيد في الصحافة وفي برنامجي نوافذ فنية الذي كنت أعده من قناة العراق الفضائية في سنوات 2000- 2003 واللقب هو عميد الموسيقى العراقية الذي كان يحبه عباس جميل لأنه قريب جدا من نفسه ويحبه كثيرا. فكنت أضيف اللقب إلى اسمه كلما ذكرته في كتاباتي أو لقاءاتي معه في مجلة ألف باء أو جرائد العراق والثورة والقادسية والموعد وألوان والاتحاد بحيث كان يشكرني كلما التقينا لأني أثبت وأسهمت في إشاعة اللقب وتعميمه في الأعلام. وهو يستحق ذلك بكل اعتزاز لأنه أهل لذلك.القضية الأخرى هي حب عباس جميل لأغنيته الشهيرة (ماني صحت يمه حا) وذلك لان احد الموسيقيين الجيل (ممن يعملون في الفرقة السيمفونية العراقية) قام بتوزيع موسيقاه وإعطائها بهاءً وسحرا أضاف لقيمتها اللحنية الشيء الكثير.وهذه الأغنية غنتها الفنانة القديرة وحيدة خليل ثم أعاد غناءها الفنان عباس جميل وهي من روائع الغناء العراقي.عباس جميل.. ذاكرة عراقية عرفناه فنانآ كبيرآ مطربا وملحنا وموسيقيا من الطراز الاول وكان قبلها الراحل عباس جميل معلمآ للرياضة العنيفة والرماية والاسلحة في الكلية العسكرية العراقية، تخرج على يديه كبار القادة العسكريين من العراقيين وغير العراقيين. منهم النميري وعلي عبد الله صالح وعدنان خيرالله عميد الأغنية البغدادية عباس جميل يغيّر مجرى الألحان الفنان الراحل درس الموسيقى دراسة علمية على يد الاستاذ الموسيقار روحي الخماش وعلى مدى سنتين. تعلم فيها اصول كتابة النوتة الموسيقية واصول العزف على الة العود ثم تتلمذ بعد ذلك على يد ابرز مدرسي المقامات العراقية في بغداد هما الاستاذان حسن خيوكة وعبد الهادي البياتي. لحن الكثير من الاغاني الرشيقة والرائعة التي لاتنسى وكان لها اثر كبير في التغيير الجذري للاغنية العراقية انطلاقآ من الايقاع والموسيقى والالحان فكان صاحب عصرالحداثة في تاريخ الاغنية العراقية الخمسينة والستينية في ايقاعها وموسيقاها. وهو اول فنان شارك باقامة الحفلات الترفيهية للجيش العراقي الذي توجه للقتال في فلسطين عام 1948. ولد  عام 1921 في بغداد / منطقة باب الشيخ محلة سراج الدين  تمكن من خلال ألحانه الحصول على ألقاب  كثيرة منها لقب»موسيقار»الذي منحته إياه الجامعة العربية عام 1995 في احتفال أقيم بالقاهرة، كما كرم قبل رحيله من قبل اتحاد ديوان الشرق بوسام الإبداع الثقافي، ومنحته نقابة الفنانين العراقية لقب عميد ألموسيقى العراقية في عام  2000  بلغ رصيده الغنائي أكثر من 400  أغنية، بين بغدادية وريفية والبعض يصفه قصبجي العراق , لقد أنجز من الألحان الخالدة والتي تعيش في ذاكرتنا ونفوسنا وتنتقل من جيل ألى أخر وذلك لأصالتها وحرص الفنان جميل بالحفاظ على الروحية, كان يعزف بقلبه  بعد أن تخرج من معهد الفنون الجميله – قسم العود حيث تتلمذ على يد سلمان شكر والاخوين جميل ومنير بشير ثم بعد ذلك الفنان التركي عدنان بوبورس وأستطاع أن يشيد بناء غنائياً عراقياً معتمداً على قاعدة «السهل الممتنع فجاءت ألحانه قريبة من مشاعر الناس ظلت تشع عقوداً من الزمن لما حفلت به من طرق لحنية وعلى الرغم من أن كثيراً منها شاع في خمسينات القرن الماضي وستيناته وصولاً إلى السبعينات مع زهور حسين، وحيدة خليل، عفيفة اسكندر، سليمة مراد، أحلام وهبي، مائدة نزهت، سعدون جابر، صلاح عبدالغفور وأمل خضير وغيرهم من مطربات العراق ومطربيه وبعض من المطربين والمطربات العرب وما أن تسمع لحنا للفنان الراحل وإلا تعيش ذلك اللحن الذي يحكي قصة حب أو حاله أنسانيه كأغنية»أتوبه من المحبه»و»غريبه من بعد عينج يايمه»كذلك»جا وين أهلنا»ومئات من ألاغاني التي لحنها الراحل, لقد وجد في صوت المطربة زهور حسين البحة الساحرة وقوة الصوت العذب فأجتمعا في أجمل ما غنته زهور حيث غنت من ألحانه 60  أغنية حتى وفاتها في حادث سيارة وهي في ألأربعين من العمر,كان لعباس جميل فضل كبيرعلى ألأغنية العراقية وحقا أن من الصعب تعويضه بدأ التلحين قبل أن يكمل دراسته ألاكاديمية في 1953وأول لحن قدمه عن طريق ألأذاعة والتلفزيون في عام  1948 ومنذ ذلك الحين أستمر بالعطاء ولم يتوقف عن التلحين ولم يخشى أن يستخدم المقامات الصعبة في التلحين لأدراكه للمقامات الرئيسية السبعة والمقامات المتفرعة عنها كما أولى مقام الجورجينا وهومقام عراقي أهتمام كبير في حين أبتعد كثيرمن الملحنين عن ذلك المقام لصعوبته, لقد كان عباس جميل جميلا في كل ألحانه حتى أصابة المرض والشيخوخة وبدأت رحلة معاناة صاحبها رحيل كثير من أصدقائه الفنانين سواء من وافته المنية أو رحل عن العراق وعانى المرض وقلة ألاصحاب والحاجه المادية  حتى وفاته في 2005 عن عمر 84   ولازالت ألحانه تعيش بيننا ذلك هو الرجل الذي منح العراق ألحان خالدة وبالمقابل منحة العراق تكريماً بسيطاً وراتباً تقاعدياً مخجلاً حتى وافتة المنية, قيل بمناسبة رحيله (الإحساس بخسارة فادحة يتعرض لها الفن العراقي المعاصرعموما وموسيقى بلاد الرافدين خصوصاً, فالراحل كان من النوع الذي لا يعوض لجهة الوفرة النغمية التي أنتجها وطبعت خريطة الغناء العراقي لأكثر من نصف قرن, فإلى جانب الغناء البغدادي وألوانه اللحنية المرهفة، تمكن جميل من ابتداع عشرات الألحان الريفية التي صاغها ببراعة لتناسب خامات صوتية متنوعة) تخرج من تحت يده الكثيرون حين عمل مديرا لفرقة الرافدين الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة,هذا الارث سيظل حاضراً وعسى أن يستمر أبن الراحل المطرب فيصل والذي سجل أغنية والده المفضلة -چا وين أهلنا- بصوته للتلفزيون  سيبقى الرائد الراحل عباس جميل  حاضراً مشرقاً في ذاكرة العراقيين جميعآ بانغامه على مدى العصورلانها تحمل افراحهم واحزانهم فكلنا نعشقها.أخاف أحجي أتوبه من المحبة جا وين اهلنا. يايمه ثاري هواي. يا نار القـلب زيدي.