الذات والمؤسسة في رواية أجنحة الفراشات

الذات والمؤسسة في رواية أجنحة الفراشات

رصد المناخ الثقافي العام

احمد نجم

تحتاج رواية أجنحة الفراشات إلى قراءات متعددة، من أكثر من زاوية، وعلى اكثر من صعيد، ومن وجهات نظر مختلفة. ربما يعود ذلك إلى طول النص، والكيفيات التي تركبت فيها شخصياته، وساهمت الظروف التاريخية الصعبة في صناعة مصائرها. وتعدد وتنوع الأسئلة والموضوعات التي تثيرها وتستدعيها. وعلى الرغم من الدلالات المهنية والجندرية للعنوان، فإن الرواية في جوهرها نص تاريخي، حاول رسم تحولات وتناقضات مشهد الواقع في لحظة من لحظات بداية الألفية الثالثة، في اربيل خصوصا بقدر أكبر من المساحة والموصل تاليا، وتأشير منحنيات التطور والتدهور فيهما..

“ضغوطات وتحديات..”

والرواية بعد ذلك حاولت ترصد المناخ الثقافي العام الذي كان مهيمنا في أربيل بعد التغيير في 2003 بما ينطوي عليه من تناقضات، وما يفرزه من مظاهر، في عملية تحول تاريخية  متسارعة، وصعبة. ومنعكساته على شخصياتها العاملة في الصحافة، وهي الثرموميتر الدقيق للحياة الثقافية فيها. هنا تبدأ قراءتنا للنص، قراءة تشتبك فيها أسئلة المهنة الصعبة بتطلعات وأحلام الصحافيين والصحافيات، نوع من صراع البنى المختلفة ثقافيا، في سياق من صراع تاريخي بين الذات الصحافية والمؤسسة. فالثلاثة جمعتهم مهنة الصحافة. نسرين محررة الصفحة الاجتماعية في جريدة شورش اليومية. قاسم محرر أول في مجلة فضاءات الإعلامية المتخصصة، وبيبي عضو هيئة تحرير ذات المجلة. فضاءات مجلة معنية أولا بحرية الصحاقة والإعلام، والدفاع عن أوضاع الصحافيين، وهي لهذا السبب على صلة قوية بالوسط الإعلامي. يتعرض الثلاثة لضغوط وتحديات عديدة.  قاسم بسبب جهله اللغة الكردية، وهويته الموصلية، حاول البعض إبعاده عن المجلة بوصفه طارئا ومتطفلا على الصحافة الكردية، لكن رئيس المنظمة التي تتبنى إصدار المجلة، وهو رئيس تحرير المجلة أيضا، كان داعما له، مقدرا دوره وامكاناته بشكل عال، ولم يسمح لتلك الضغوط بأن تؤثر على عمله. بيبي تتعرض لضغوط أكبر نتيجة الجرأة الكبيرة في استقصاءاتها الصحافية، وكشفها لجوانب بالغة الخصوصية من معاناة الصحافيات والإعلاميات، من جهة زميلاتها في الوسط، أولا، متهمينها بكشف اسرار حياتهن وأحوالهن، ومن طرف بعض الصحافيين من الحرس القديم، الذين لا تتقبل ذهنياتهم مثل هذه المقاربات، وما تثيره من أسئلة وموضوعات. لكن الزميل رئيس التحرير كان مدركا لأهمية تلك التحقيقات بكل ما تنتجه من اصداء. مؤكدا أن موضوعا لا يثير أسئلة وهواجس القراء والمعنيين لا يستحق النشر. ونسرين محررة صفحة المجتمع في جريدة شورش، تشعر أن صفحتها تحولت بفعل الرتابة إلى صفحة أحداث ووقائع، ومجال عملها محصور بين المشافي ومراكز الشرطة، والمحاكم، والسجون. لكنها حين تسعى لتغيير هذه الصورة تصطدم بمقاومة رئيس تحرير، يعتبر مواضيع تتعلق بالحب مثالا أو الفن ضربا من ترهات لا تليق برصانة جريدته. وحين يوافق على عمل ريبورتاج يتعلق بالدراما الكردية، يطلب منها حذف بعض الآراء الواردة فيه التي تشير إلى شيء من التقصير من جانب الحكومة، ويفرض عليها إعادة ترتيب مواد التقرير بحسب أولويات رسمية، تضع رأي الوزير في المقدمة. وحين ترفض ذلك، قائلة إما أن ننشر التقرير كاملا، أو نرفض نشره. يستبد به الغضب، فيصدر أمرا بنقلها إلى قسم الحسابات في الجريدة. منذ هذه اللحظة تبدأ حربها ضد هيمنة مثل هذا النمط من رؤساء التحرير. مدعومة بقوة من جانب زملائها الصحافيين الشباب. هذه الحرب الطويلة والصعبة في الرواية مثيرة جدا، بتفاصيلها ومفاجآتها ونتائجها. وفيها تتبدى صورة المهنة الصحافية بوصفها نوعا من عشق، او سحر، أو تلبس، أو مقدس، أو دين، يجعل الابتعاد عنها ضربا من مستحيل. لقد حولت الرواية صناع الخبر إلى مادة لاشتغالها. وألقت الضوء على كثير من الجانب الظليل والمعتم من حياتهم أو حياتهن، وأزاحت الستارة عن كثير من اسراره، واشكال المعاناة فيه.

منافي

بالإضافة إلى نزعة الدفاع عن حق المجتمع في صناعة إعلامية تتسم بالمهنية والموضوعية، وتعبر عن الحاجات العميقة للتطور، لا عن المصالح الضيقة للأحزاب، ومؤسساتها، فإن ما وضع شخصيات الرواية في سياق واحد، وجعل تماسكهم قويا، على نحو غير قابل للخلخلة. كان نوعا من خوف، أو من شعور غامض بخطر، تنتشر رائحته في الهواء من حولهم. ربما كان الإحساس بالمنفى هو الغالب عليهم، فهم مكتفين، على صعيد العلاقات والنشاط المجتمعي، ببعضهم إلى حد كبير. الإحساس بالمنفى هنا لا علاقة له بأسباب الغربة المعروفة، إنه ضرب من الإحساس بالتفرد، والإنعزال، الذي يشعر به المثقف الطليعي، حين لا يصادف القدر المعقول من التفهم من محيطه، والإدارات التي تتحكم به وبعالمه. وهو في الرواية حالة قدرية، لم تنج منها حتى المجلة. كانت المجلة نفسها صوتا صارخا في برية مقفرة، تستقبل من قبل المؤسسات الإعلامية بالترحاب، بقدر ما تخدم منشوراتها مصالحهم، وتروج لهم، لكن لا أحد يلتفت إلى مقترحاتها، وسرودها، ونقودها، ومراجعاتها، للعديد من البرامج، والخطابات، والقنوات.

قاسم: ثنائية المكان

بيد أن عمق مشاعر الغربة متفاوتة بينهم. بالنسبة لقاسم كانت الغربة أشد وطأة، فهي غربة مكان ولغة وفكر. وكان وجود بيبي ونسرين إلى جانبه ضروريا للتغلب على تلك المشاعر. كانت كردستان بالنسبة إليه ليست واحدة، هناك كردستان الرسمية المترفة والمترهلة والدعية والحزبية،الأبوية والذكورية، كان يشعر بالقلق والغربة إزاءها. وكردستان أخرى كان يشعر بالإنتماء القوي إليها، إنها كردستان بيبي ونسرين. كردستان الطبيعة الجميلة المؤنثة المختلط هواؤها بروائح التين البري، القادمة من المنحدرات والغابات والجبال. في أكثر من مكان في الرواية يشير قاسم إلى هذه الثنائية في مشاعره وتصوره لوجوده هناك. يكتب في صفحة 419 واصفا لحظة كان يراقص فيها بيبي:”كانت تفعم أنفي الملامس تقريبا لرأسها رائحة عجيبة، ساحرة، خليط من روائح الازهار والأعشاب البرية وأوراق التين، تلك الرائحة التي تميز جبال كردستان، كنت اشعر أن أرض كردستان هي التي تضمني إلى صدرها، في حب حقيقي وعميق، وأن بيبي هي كردستان الطبيعة والثقافة والحلم”

بيبي: حرية مهددة

بالنسبة لبيبي كان منفاها مختلف تماما، فهو ليس منفى لغة، لكنه منفى مكان إلى حد ما، ومنفى فكر وثقافة وذات. فهي مرتبطة بالموصل، مدينة طفولتها ومراهقتها وشبابها، متمثلة بشخصية لؤي أول حب في حياتها، لؤي لم تختف صورته في داخلها، لقد تحول إلى نوع من معيار لأي شاب يمكن أن تقبل به. وحين وافقت على شيرزاد في النهاية، شعرت بسرعة بالورطة التي أوقعت نفسها فيها، وفعلت المستحيل من أجل الخلاص منها. وبدل من أن تعود إلى بيت أهلها، بعد فشل ذلك الزواج، فإنها وظفته، في التمسك بحقها في حرية مكتسبة حتى لو جاءت من زواج فاشل. هكذا بدأت مشوار حياتها بعد انفصالها عن شيرزاد بكذبة كبيرة، ادعت أمام أمها أنها تعيش مع شيرزاد حياة عادية. وهومنشغل بأعماله التجارية المتعاظمة. ونتيجة ذلك كانت واقعة تحت الشعور بثقل كذبتها، وهي تعاني الخوف من إنكشافها، وتحس بأن ثمة من يراقبها. هذا الإحساس بالمراقبة كان يثقل عليها، ويملأ حياتها بالإحساس بالخطر، كانت تشعر أن حريتها مهددة وزائفة. كانت تتجنب السير في الطرق الرئيسية، وترفض اي عمل إعلامي في القنوات الفضائية، يجعلها في مركز الإهتمام العام، ويثير الحكايات حولها. الدراما العنيفة في شخصية بيبي تتمثل في تمرداتها المتفجرة، وتتلخص بتحملها كل هذه الضغوط من اجل التمتع بقدر ضئيل من الحريات الصعبة مرة المذاق.

“ضد بيروقراطية المؤسسة..”

المنفى بالنسبة لنسرين كان منفى ثقافيا بامتياز، تجلى في مواقفها من القضايا التي تخص مهنتها، وأدى في النهاية إلى حرمانها من العمل في تحرير صفحتها الأسبوعية، وتحويلها للعمل في قسم إداري. وتمثلت أقسى أشكاله فيما بعد في نقلها للعمل في مجلة نسوية شهرية عاطلة. في هذه اللحظة بدأت حربها ضد أسباب نفيها، التي تبلورت بصورة قوية في قرار إبعادها عن العمل التحريري. لم تكن حربا سهلة في مواجهة بيروقراطية مؤسسة شورش الصحافية، المدعومة من المكاتب الحزبية. كانت تشعر بثقل المؤسسة من قبل، وما تمثله من ضغط ورقابة على المواد التي تود نشرها، بيد أنها الآن في مواجهة مباشرة معها. في هذه اللحظة وجدت في الوسط الصحافي غير الرسمي، دعما غير متوقعا، ومفاجئا إلى حد بعيد، تحولت في غضون أسابيع إلى بطلة من بطلات حرية الصحافة. بعد رحيل بيبي، واختفاء قاسم إثر عودته إلى الموصل، وتوقف جريدتها عن الصدور، تواجه نسرين تحديا مختلفا، تمثل في ثقافة التشدد الديني، التي تسللت إلى ابنها، عن طريق والد زوجته، وتقرر في لحظة تمرد مغادرة أسرتها، في أبلغ تعبير عن غربتها، غربة المثقف والفنان عن مجتمعه، بحثا عن منفى جديد، وبداية جديدة.

مؤسسة من نوع آخر

تمثل منظمة فضاءات التي تصدر مجلة فضاءات نوعا مختلفا من المؤسسات الإعلامية، فهي منظمة نقابية مهنية، تقع إلى حد ما خارج حدود تأثير الأحزاب المهيمنة، رغم أن معظم أعضائها لهم صلات متفاوتة القوة بالأحزاب، وهي تاليا لا تستطيع إنتاج خطاب نقدي يمس قواعد وأسس النظام السياسي، بيد أنها تستطيع ممارسة نوع من رقابة، وتصويب، ونقد للكثير من البرامج، والمواد الإعلامية المتداولة. يتوفر للعاملين في هذه المؤسسة قدرا أكبر من الحرية، وقدرة على رسم سياسة تحريرية مستقلة عن الاتجاه العام السائد. هنا في هذه المؤسسة يعمل قاسم وبيبي في إنسجام مع قيادتها، التي شكلت مظلة كبيرة لحماية صحافييها من تدخلات وضغوطات كثيرة متعددة ومتباينة الدوافع والأسباب.

خلية دم بيضاء

واحد من أوجه الخطورة في الرواية أنها تتعامل مع مادة الإعلام سريعة الإحتراق. وهي بسبب إدراكها العميق لأهمية الإعلام، في التأثير والتحكم بأفكار الناس، وهو كما يقول دوبريه: يفكر بالنيابة عنا في كثير من الأحيان. كرست نفسها للتأريخ لمجلة فضاءات، ودورها في مقاومة الإنحرافات في الخطاب الإعلامي. يمكن تمثيل دور المجلة بخلية دم بيضاء، تقاوم بشراسة واستماتة الأمراض التي تفتك في الجسم الإعلامي، وهو العقل المفكر والمؤثر في الجسم التاريخي الكبير، جسم المجتمع. خلية دم بيضاء صغيرة، في مواجهة ضارية مع جراثيم الحزبية الضيقة، والهويات الصغيرة، والإنغلاق على الذات، ونشر خطابات التعصب والكراهية، مقابل إهمال القضايا التي تمس الحاجة إليها، ويتعين على المجتمع التفكير بها، وطرح أسئلتها. هذه الخلية البيضاء الصغيرة لم يكن بوسعها طبعا المواجهة المباشرة مع تلك النزوعات المرضية الطاغية في الإعلام، كانت تدرك أنها مواجهة محكوم عليها بالهزيمة والفشل، فكانت تحاول تسريب مقاومتها عبر نشر برامج تهتم بالصحة والبيئة والأسرة للتخفيف من نبرة الخطاب الإعلامي السياسي المحموم، وهذا ما قصدته بيبي من نشر ملفها الخاص: نحو تأنيث الإعلام. وهذا ما سعى لتحقيقه أعضاء خلية الدم البيضاء، هيئة تحرير مجلة فضاءات، عبر تأسيسهم لمنظمة روز الإعلامية. إعلام في خدمة المجتمع.  وبعد.. سيتعين علينا من دون طائل كتابة الكثير إذا حاولنا تقديم ملخص للرواية.

إن رواية تتألف من مائة ألف كلمة لا يمكن وفق اي منطق اختزالها بألف كلمة. وبالتالي لا غنى لمن يهمه الأمر عن قراءتها.