الدين والثقافة.. العلاقة الوثيقة – حسام الدين الانصاري

الدين والثقافة.. العلاقة الوثيقة – حسام الدين الانصاري

          لا شك بأن دراسة التأريخ وشواخص الآثار واللقى الآثارية والطبيعة البشرية في التعامل مع الظروف والأحداث التي رافقت حياة الانسان ، تشير جميعها الى أن القدرة على الابداع ورسم مسارات ومضامين لتجميل مظاهر الحياة والرغبة في إيجاد وسائل للتعبير عن طبيعة الظروف الزمانية والمكانية التي يعيشها ، كانت إحدى ظواهر الحياة التي نشأت مع بداية حياته بشكلها الفطري ، واتخذت اشكالاً مختلفة من النوازع والرغبات الى جانب متطلبات إدامة العيش في المأكل والمشرب ، بحيث كانت وسائل التعبير هذه تمثل استجابته للكثير من الظواهر والمؤثرات التي تحيط به من العوامل الخارجية وملامح البيئة التي عاشها ومشاعر الخوف من المجهول ومواجهة قوى الطبيعة القاسية والنوازع التي بدأت تتبلور وتعمل على تكوين شخصيته بحيث أصبح مجموع تلك العوامل بحاجة الى تلك الوسائل والتعامل معها ، مما أدى الى ظهور طقوس وعادات تعبّر عن عقلية ومشاعر الانسان في بدايات النشوء ، والتي تمثلت في طقوس السحر والشعوذة من ناحية، وترسيخ شعائر العبادات والمعتقدات في مراحل لاحقة من ناحية ثانية .

          ومع تطور الحياة واتساع مضامينها وانفتاح الانسان على عوالم ومجالات كانت تعتبر أسراراً أو ألغازاً فيما مضى بدأت تتضح شيئاً فشيئاً، وأخذت وسائل التعبير تنتشر بأشكال مختلفة وصيغ عديدة تنوعت معها مهارات وإبداعات الانسان باتجاه القيم الحضارية ونشوء المعتقدات العبادية كنمط جديد للتفكير كانت بمثابة التمهيد والتهيئة لاستقبال الأديان السماوية . مع انطواء المراحل الهمجية من تأريخ الانسان وعمر البشرية وتجاوز مراحل البدائية والعفوية وظهور الأديان والرسالات السماوية التي أضفت عوامل النقاء والتهذيب والتوازن الى جوهر الانسان ، ورسخت القيم النبيلة والمبادئ ونور الايمان والتقوى لديه، واخذت تمتلك كل هوامش حياته وسلوكياته كمرجع وقاموس للسلوك والتعامل مع ما يحيط به في اطار حركة المجتمع ، وبما يعزز الشعور لديه بأن كل ما يصدر عنه لا بد أن ينسجم مع معتقداته الدينية والتي قد تختلف من بيئة الى أخرى ومن حين الى آخر ، إلا انها بالنتيجة دخلت حياة الانسان وقلبت مفاهيمه لتطوي القيم البدائية وتنتقل به الى مرحلة جديدة من نقاء التفكير وعمق الايمان وتجميل الحياة بأدوات حضارية .

وسائل التعبير

          ومع اتساع وسائل التعبير وتعددها وامتدادها على مساحات واسعة حفزت قدرات الانسان وابتكاراته وتطوير مهاراته في إيجاد أجواء تتعامل وتتفاعل مع مشاعره وتجميل الصيغ الحياتية للارتقاء بالجانب النفسي والروحي والثقافي الذي أصبح مكملاً لشخصيته في العصور التي تلت المراحل الأولى من حياته التي كانت مقتصرة على توفير احتياجاته الحياتية الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وملجأ .

          ومن هنا يمكن أن تبرز واحدة من بين العدد الهائل من الاحتياجات النفسية والذوقية التي ترتقي بالذوق والمشاعر، والتي تتمثل في ظهور الحاجة والرغبة في إضفاء الثقافة على منهج الحياة اليومية، لكي تضيف معنىً جديداً لجمالية الحياة وزخرفاً يجعل الوان الابداع أكثر اشراقاً وبهاءً .

          وكان من بين أبرز ما ارتبطت به المسارات الثقافية الى جانب الكم الهائل من فعاليات الانسان والظروف المحيطة به في البداية هي الشعائر الدينية التي كانت صورة من صور الثقافة النبيلة والمعتقدات الأخلاقية لتنظيم مسار الحياة ، والتي عبرت عن تسامي نضج الانسان والايمان بالمنطق الذي جاءت به الكتب السماوية لكافة الأديان كونه مادتها الأساسية ، فضلاً عن الأديان الوضعية والطقوس والتقاليد والمعتقدات التي اعتمدت أسلوب الترتيل والغناء الديني الذي يقصد منهما وضعهما في اطار أكثر مهابة وخشوعاً، مما يؤكد بأن الدين كان الحاضن الأول للموسيقى والالحان والغناء لما كان يشكله ذلك من عمق في الاعتقاد بالغيبيات ، ومما يجعل هذا النهج حقيقة واقعة هو قبولها من قبل الديانات والأعراف والتقاليد ، فضلاً عن تأكيد أهل الرأي والفكر بصواب هذا المنهج ، وكانت تلك هي واحدة من أبرز الثقافات والفنون للتعبير عن المشاعر واحاطة الاحداث من خلال الأطر الصوتية التي تزيد من دقة التصوير والتعبير في ملامستها لأحاسيس الانسان .

          وامتدت القدرات التعبيرية للإنسان لتتناول كل مظاهر الحياة وتطلعات النفس البشرية في الرسم والنحت والتمثيل وتغيير الأنماط والاشكال في الملبس والمسكن والمأكل والمشرب والخوض في الابتكارات العلمية التي سهلت الكثير من مضامين حياة الانسان ونقلته بعد إشباع الحاجات الأساسية الى التطلع نحو اشباع الاحتياجات الذوقية مما جعلته أكثر قدرة في التعامل مع التطور والانتقال الى مراحل تجميل الحياة وديناميكية اكتشاف المزيد من الاحتياجات وابتكار طرق وأساليب اشباعها .

علاقات وثيقة

          وليس ببعيد الأمثلة التي تعبر عن العلاقة الوثيقة بين القيم الدينية والابداعات الثقافية حين تناولت فنون الرسم والنحت شواخص معبرة عن الرموز الدينية التي تخفز الذاكرة عن عظمة الاحداث والوقائع والرجال الذين كان لهم الأثر في ترسيخ القيم الدينية ، وفنون السينما والمسرح التي تستعرض قصص المواقف النبيلة والصراع بين الخير والشر الذي تنتصر فيه القيم الأخلاقية التي جاءت بها الأديان ، والأدب والرواية والسِيَر التي تحكي قصص التأريخ المشرق للرسالات السماوية وتهذيب النفس البشرية وتحفيز النفوس للتمسك بالقيم السماوية النبيلة . مع كل ما تتصف به القيم والمبادئ والفنون النبيلة والالتقاء بالقيم الدينية التي تتسع لكل الأفكار الخيّرة ، وإن الفنون المختلفة يمكن ان تكون أداةً لتحفيز وعي الجمهور في فهم القيم الدينية من خلال سبل العرض والأداء والتقديم والظهور المتقن للقيم والمبادئ التي تنادي بها الأديان حين يكون وقعها أكثر تأثيراً على الجمهور لتعدد الوسائل وسهولة وصولها إليه وبما يخدم الرسائل الأخلاقية السامية التي تنادي بها الأديان ، فإن هناك أصواتاً تدعي الدين وهي بعيدة عنه تقف في مواجهة الاشراق الفكري والفنون النبيلة بدعوى تقاطعها مع الدين ، وهي لا ترى إلاّ الجانب السيء الذي يحمله  أي نشاط يتقبل السيء والجيد وتنظر من خلال نافذة التهتك والابتذال والانحراف والفساد الأخلاقي الذي تزدحم به سلوكيات الافراد والجماعات سواء عن طريق الفن أو البيع والشراء والتعامل والخدمة العامة … بل إن الأسوأ هو التشويه الذي لحق بالدين نفسه وتعرضه للتحريف واستخدامه واجهة للتستر على المصالح الشخصية والاعمال التي تتناقض مع رسالته ، والخداع الذي يمارسه أدعياء الدين الذي ينطلي على البعض بسبب قلة الوعي وعدم فهم جوهر الدين والاستجابة للأفكار المتحجرة التي هم جزء منها .. والتي أوصلت البعض الى قتل الناس بفتاوى دينية ، فضلاً عن استباحة الأموال والأعراض ومستقبل الأجيال وإشاعة الفقر والاستهانة بقيمة الانسان الذي خلقه الله ( سبحانه ) من روحه .. ثم يأتي هؤلاء للحديث عن رفضهم للفنون لتمرير نياتهم السيئة ويسحبون الناس من اعناقهم بحبلٍ من مسد .