الديمقراطية النيابية والبرلمانيون – حسن عاتي الطائي

الديمقراطية النيابية والبرلمانيون – حسن عاتي الطائي

 

 ينظر الى الديمقراطية النيابية التي هي بديل الديمقراطية المباشرة التي يصعب تطبيقها او ممارستها على انها ديمقراطية ناقصة وغير كاملة ولهذا فهي لا تمثل سلطة الشعب تماما لان الشعب سيختار في الانتخابات عددا من المرشحين الذين سيتشكل منهم البرلمان الذي بدوره سيخرج منه حزب الاغلبية البرلمانية الذي سيشكل الحكومة لوحده او بالاتفاق مع حزب او أكثر من احزاب في المعارضة وهذا يعني ان كل اولئك جزء من الشعب وليس الشعب كله،  ولهذا فإنها لا تمثل إلا جزءاً محدوداً من ابناء الشعب الذين ذهبوا للمشاركة في الانتخابات.ومن هذا المنطلق فإن النظام الديمقراطي البرلماني نظام ناقص وغير كامل إلا من الناحية النظرية وبالتالي فهو ليس ديمقراطيا إلا بالقدر الذي يستطيع ان يكون فيه مجسدا للإرادة الشعبية ومعبرا عنها.

باعتبار ان الديمقراطية تهدف الى ان يحكم الشعب نفسه بنفسه..فإذا كان ذلك النظام ممثلا للشعب وأداة بيده فهو ديمقراطي وان لم يكن كذلك فهو ليس ديمقراطيا إلا بالاسم..وهناك من يخلط  بين الديمقراطية والبرلمان ويعتبر ان البرلمان هو تعبير عملي عن الديمقراطية باعتبار ان البرلمان قد جاء نتيجة انتخابات ديمقراطية حرة ولم يأت بالتعيين أو الفرض وبالتالي فإنه يمثل الشعب ..ان ذلك سيكون صحيحا حين يكون البرلمان ممثلا حقيقيا للجماهير التي انتخبته ووثقت به ووفيا لها ولآمالها وطموحاتها ..ان البرلمان الذي هو السلطة التشريعية ليس مجرد مؤسسة دستورية يجتمع بها البرلمانيون(النواب) لمناقشة القوانين وإصدارها..انه بيت الشعب ولهذا فإن القوانين التي لا تأخذ طريقها الى التطبيق الفعلي ولا تعود بالفائدة على الشعب فإنها ستصبح مجرد كلمات لا معنى لها ولا حياة فيها لان القوانين التي يشرعها المشرعون يجب ان تتحول الى افعال وأعمال يستفيد منها المظلومون والمتعبون وإذا لم تتكفل بتوفير لقمة العيش لهم ولمن يعولون ولا تحفظ لهم كرامتهم وحقوقهم فانها ستكون عند ذاك عبئا ثقيلا عليهم وعلى الدولة والمجتمع لا فائدة منها سوى انها منشورة في الجريدة الرسمية ..على الجانب الاخر ان البرلماني [النائب] على افتراض انه قد حصل على عضويته بطريقة شرعية لا غبار عليها سيكون فاقدا لشرعيته فيما لو تخلى عن الافكار والمبادئ والبرامج والوعود والعهود التي طرحها على الجماهير التي اطلقها ايام كان مرشحاً قبل الانتخابات او لم يستطع الايفاء بما الزم نفسه فيه او تخلى عن خدمة الشعب بأية صورة من الصور وأصبح مجرد عضو او رقم لا تأثير له.. وكأنه صدى لصوت غيره من النواب او الكتل او الاحزاب وليس ممثلا للشعب وخادما له ومنفذا لإرادته.

ان البرلماني (النائب) الذي لا يقوم بواجبه الذي انتخب من اجل ان يؤديه وهو الدفاع عن حقوق الفقراء والمستضعفين ولا يعمل من اجل ان تنال الطبقات المسحوقة حقوقها ليس برلمانيا ديمقراطيا وان كان منتخبا لان الجماهير التي انتخبته لم تنتخبه لذاته او لسواد عينيه او من اجل ان يتمتع بالحياة السعيدة فيما هي تعاني وتكافح ..اذا فسد ذلك البرلماني وامتدت يده الى المال العام وساعد على انتشار ذلك الفساد وسكت عنه او شارك فيه باية صورة من الصور فانه قد تحول من برلماني منتخب الى سارق يستغل صفته البرلمانية للحصول  بدون وجه حق على ما لا يستحق من اموال ونفوذ..ان على البرلمانيين(النواب) ان يعرفوا وهم يعرفون بالتأكيد ان الشعب لا يمكن ترويضه او خداعه او استغفاله او السيطرة عليه عن طريق الهائه بالوعود البراقة والشعارات الفارغة والآمال المزيفة وتغذية عواطفه الطائفية والسياسية. انه شعب حساس مؤمن بنفسه يتمتع بالقوة والقدرة والإرادة ويعرف ما يريد ويدرك مدى خطورة ما يمر به وطنه من مصاعب ومواقف وما يتعرض له من مؤامرات ولذلك فانه يؤجل حسابه مع الذين لم يكونوا في مستوى طموحه ولم يراعوا المسؤولية التي تقلدوها والزموا أنفسهم بها حتى تحين الساعة الملائمة التي يستطيع فيها ان يضعهم حيث يجب ان يكونوا ليس فقط خارج قبة البرلمان وإنما خارج العمل السياسي برمته لانه يملك من اسباب القوة ما لا يملكه البرلمان والساسة والأحزاب جميعا ويستطيع ان يهزم ويقصي من يشاء منهم في اية انتخابات مقبلة اذا اراد ذلك او اذا لم يرض عن سير العملية السياسية في البرلمان او الحكومة..ان الشعب  قد يمنح هذا البرلماني او ذاك السياسي بعضا من التأييد لاختبار نواياه وحقيقته وقدرته على العمل من اجله ولكنه سرعان مايتخلى عنه ويسحب ثقته منه حينما يكتشف انه ليس جديرا بالمسؤولية وفشل في مهمته بل واستفاد من موقعه واثرى على حسابه وبالتالي فانه لا يستحق ان يمنحه تأييده وعطفه.. ان هدف الديمقراطية بمعناها العام هو الارتقاء بمستوى الشعب ماديا ومعنويا والغاء الفوارق مهما كان لونها وحجمها بين الطبقات وتمكينه من ان يعيش حرا محتفظا بكرامته بعيدا عن الاستغلال والاستبداد والظلم.