الحكمة بين الأشعار والأمثال – فيصل جاسم العايش

 كلام * كلام

الحكمة بين الأشعار والأمثال – فيصل جاسم العايش

 

لا تأتي الحكمة من فراغ . أنها نتاج معرفة وخبرة مجتمعية تأتي من الاحتكام الى التجربة واستخلاص نتائجها ومدلولاتها عبر اختزال قيمتها المعرفية بحيث تصبح صالحة كتجربة مؤثرة لكل عصر ومكان . ولعل ارتباط الحكمة بالفلسفة او الفلسفة بالحكمة خير دليل على هذا التمازج العضوي بين الاثنين فالحكيم فيلسوف في آخر الامر وهما ليسا ندّين لبعضهما البعض بل يكمل أحدهما الآخر رغم ان الفلسفة في اطارها العام نخبوية في حسين ان الحكمة شعبوية تدور على السنة الجميع بدون استثناء ومن مختلف الفئات دون حدود اقتصادية او جغرافية .

ولعل الحاضنة الاساسية للحكمة نوعان من الحواضن اولهما الشعر وثانيهما الامثال وهذان النوعان يقتربان من بعضهما البعض الى حد التماهي ,فبيت الشعر الذي يحتضن حكمة ما يصبح مثلاً تتداوله الالسن للتعبير عن الحالة المقصودة .

ذلك لأن موسيقى الوزن الشعري تتغلغل في وجدان السامع فتؤثر فيه تأثيراً دراما تيكياً تجعله شديد التأثير في مضمونه في حين ان المثل لا يمتلك هذه الخاصية لذلك يبقى المثل شعبوياً في دلالاته وايحاءاته غير آبه بالنسق الموسقيق الذي يفرضه البيت الشعري المتضمن حكمة الشاعر في مدلوله اللفظي.

ولقد كان المتنبي سيد الحكماء في الشعر فهو نتيجة تأثره بالفلسفة واستخلاصه لتجارب الفلاسفة كان حكيماً من الطراز الرفيع ويكفي ان فئات من الابيات المجتزاة. من قصائده اصبحت متداولة على السنة الناس على انها حكم يتفاعل معها الناس ايما تفاعل ويعجبون من دلالاتها فيما يتعلق بشؤون حياتهم اليومية في الموت والحياة وكل ما يتعلق بهما من صروف وظروف .

وليس المتنبي وحده في هذا المجال فثمة شعراء آخرون برعوا في اصطياد الفكرة وتحويلها الى جملة شعرية تنطق بالحكمة , لنقرأ لأبي العتاهية حكمته في الموت :

وللدنيا دوائر دائرات

                لتذهب بالعزيز وبالذليل

وللدنيا يدٌ تهب المنايا

               وتستلب الخليل من الخليل

فاية حكمة في الاستشهاد بهذين البيتين للتدليل على ان  الدنيا دائرة تدور علينا كما تدور على نفسها وهي تأخذ الاحبة وتترك الآخرين نائمين باكين على الفقد الذي هو قمة مأساة الانسان .

الحكمة لا تأتي الا من حكيم ، وهي نتاج هذه المعرفة الغزيرة بالحياة مغطاة بهذا الاساس الوجداني المفعم بالتجربة التي هي شخصية في مداها الاول ومجتمعية في مداها الثاني .