
نشأة وصناعة الفخار في بلاد الرافدين
الحضارة العراقية مبعث الجدولة الزمنية للحيــاة
قاسم المعمار
استهلالاً للعام الجديد تأتينا اطلالة الاستاذ حسان الشهواني في ترجمته الالمانية للمطبوع الموسوم بـ(الفخار في بلاد النهرين ومناطق الجوار من عصر اور الثالثة الى نهاية العصر الكشي) نوعية متميزة في البحث والاستكشاف والتنقيب لأحد كنوز حضارتنا العريقة.
وعبر صفحات هذا الكتاب الجميل الزاخر بالحركة والتوضيح التعبيري والرسومات المجسدة لمفاصل هذا المنجز نجد ان المؤلف سعد ايوب قد برعَ وبروحيته وأصالته العلمية ان يستهلم الكثير من المعرفة والمعلومات التي اضافها علماء الآثار الألمان عقب تنقيباتهم وشهاداتهم عن انواع اللقى والفخار المستخرجة من المواقع العراقية مما اضحت مصدر تلقي ومعلومة للدارسين والآثاريين ورافداً للمكتبة الوطنية في هذا المجال .
من خلال قراءة موضوعية لما جاءت به اهداء الصديق المترجم نلمس انعكاساً روحياً لتلك الترنيمة الوفائية لأسرته حينما كانت وراء تشجيعه لإنجاز هذا العمل ، في حين راحت تغريدات المؤلف في مقدمته وتداخلاته تتسم بالعلمية والهمة على التواصل بمزيد الخدمة للموروث الوطني والمساهمات التنقيبية له مع علماء الآثار الألمان وما أبدعوا به من استخراج هذه الكنوز في مواقع التنقيب في بلاد الرافدين والمناطق المجاورة .
ان موضوع الفخار له دور ذو أهمية في الدراسات الآثارية لسعة انتشاره في مختلف الأزمان والأماكن ولشدة مقاومته لعوامل الطبيعة ، فضلاً على كثير من الخصائص الصناعية والفنية والثقافية والاجتماعية فيه مما تتطلب تضافر الجهود من مختلف الاختصاصات الفيزيائية والكيميائية لقياس طرق صناعته ونوع الاطيان ومحتوياتها والتلوين وتركيبة الاصباغ والتسخين والصهر والزخرفة ومديات استعمالاتها المنزلية والخدمية للفرد والسرة والمجتمع .. تلك النماذج الخالدة متوجة في صناعة انواع الفخار.
قوة وصلابـة
لقد اعطى المؤلف ايوب تصوراً علمياً وعملياً لتلك المخاطر والصعوبات الطبيعية التي تعرضت لها هذه اللقى وانواع الفخار وذلك بسبب الأمطار والسيول والفيضانات والزلازل والأتربة والانطماسات الغرينية داعياً المنقبين والآثاريين ادراك تلك المسببات ومعالجتها وخاصة منها التي اكتشفت في العراق في مناطق الكوفة وسامراء وواسط من الأواني والحبوب والخزفيات ذات النقوش البارزة المعروفة بـ(الباريوتين) وعلى بعضها تصاوير بشرية أو كتابات ، ولا ننسى مسلة حمورابي التي سن عليها الملك العظيم مسيرة حياة الأنسان حقوقه وواجباته .. ان الرافديين هم بناة حضارة ومجد ، فقد حددوا الأسبوع بسبعة ايام والشهر بأربعة اسابيع والسنة بأثنتي عشر شهراً وحددوا الدائرة بـ 360 درجة واليوم بأربع وعشرين ساعة والساعة بـ 60 دقيقة ، وابتدعوا النظام العشري والستيني في الحساب والقياس . وان السنة البابلية تبدأ في الشهر الرابع في حين ان السنة المالية في الوقت الحاضر تبدأ في هذا الشهر ايضاً.
وفي معرض سرديته عن هذا الانجاز يقول ان هذا العمل يشمل كل ما تم اكتشافه من فخار في عصر سلالة اور الثالثة لغاية العصر الكشي من خلال حملات التنقيب والاستخراج في مناطق (ايشان البحيرات) مثمناً الدور الذي اضطلع به البروفيسور (ب.هرودا) الذي منحه فرصة المشاركة في تنقيبات علماء الآثار الألمان في ايسن (ايشان البحيرات) بل ومساعدته في كتابة دراسة موقعية وبالفحص الدقيق على ما تم العثور عليه من انواع الصناعات الفخارية والجهود والمساعدات الفنية المقدمة له من صور ورسومات هذا المشروع .
ويضيف بالقول … كانت دراسة الفخاريات المكتشفة في الحفريات الجديدة في ايسن دافعاً للأهتمام في المزيد من العمل في مناطق سورية وبلاد ما بين النهرين وايران حيث شمل العمل (30 موقعاً).. اذ حملت تصنيفات هذا المطبوع ثماني مراحل تبدأ من المواقع المنقبة والمواد الأساسية التي دخلت في صناعة الأواني الفخارية (الصلصال – الطلاء – الحرق والشواء – الزخرفة – الرسم – الحفر – التهذيب – الصب – الختم) قم عملية النقوش والاختام الاسطوانية والرقم (التيراكونية) المحروقة ثم تطورت الفخاريات بأنواعها المختلفة حسب حاجة الانسان اليها .
مواقع الاستكشافات
عثر على هذه المواد ضمن العمل الاستكشافي لعلماء الآثار الألمان في نحو ثلاثين موقعاً منها في تل حرمل وتل الذيبة وعكركوف وتل الديم ، حيث قام الاستاذ بارئيل هيرودا بنشر فخار التنقيبات الحديثة في ايسن (ايشان البحيرات) بشكل موجز شملت في العراق مواقع بكر أوى وتل الولاية وتل الديم واخرى في شمال وجنوب الوطن .بعد ذلك يعطينا المؤلف نبذة استعراضية لنوعية المواد الداخلة في صناعة الفخار عبر دراسة عينات عشوائية في ضوء معلومات تفصيلية منهجية وكذلك نماذج معروضة في المتاحف او المخزونة مشيراً الى ان عام 1930 قد شهد محاولات لإيجاد مسميات ومصطلحات موحدة عالمياً لأنواع الفخار كان آخرها ظهور مشروع مصطلحات بغداد مستعيناً بمسميات انكليزية والمانية وفرنسية… ان التحاليل التكنولوجية تعطينا انطباعاً عن نوعية المنتجات وقيمتها ومهارتها وخبرة صنّاعها ومعايير نعيتها وتعددها الأساسي من حيث الصلابة والحساسية ومقاومتها وتكاملها في الرسم والطلاء ، اما الطرق الثلاثة لصناعتها فهي :-
صقيل جداً .
صقيل بدرجة أقل جودة .
غير مصقل .
فلدى الفحوصات التي اجريت في المختبرات على مادة الصلصال توصل العلماء الى التأكد من تركيبته من العديد من المواد . منها: (السيليكات وزبر الحديد وحصى كبريتية ومواد حجرية وغيرها) .
اذن اجد نفسي كمتابع اعلامي متذوقاً للإستزادة لما تطرحه الانامل الشفافة والعقول النيرة من دراسات تاريخ حضارتنا الوطنية في عراقنا الحبيب خاصة اذا كانت تلك الشاهدات والاستكشافات من لدن البعثات التنقيبية الاجنبية ومنها (الالمانية) بعد الثلاثينات من القرن الماضي في مواقع عراقية مشهوداً لها بكنوزها الآثارية وخاصة انواع اللقى والصناعات الفخارية والخزفية وخزانات المياه والاطعمة والأواني المنزلية وحتماً اضحت سبباً بل عاملاً فعالاً للتطور الحضاري للبشرية بدلاً من مواقع الكهوف المظلمة الى البيوتات والقرى المفتوحة أمام اشعة الشمس ونقاوة الهواء والماء وبالتالي وجود استقرارية السكن وطمأنينة الحياة وابتعادها عن مخاطر ووحشة تلك الأماكن القاتمة مما تولدت وترسخت ميول وافكار نشأة الريف والقرى والمدن وظهور فنون التحضر والرسم والنقوش والزخرفة على المباني الطينية في ظل مراحل التجفيف والصهر والترصين للمقاومة والمثول الزمني ، وهذا مبعث اعتزازنا للصديق المترجم الشهواني في حلته الجديدة وفاءً منه لوطنه وهو يدلو في منابع المعرفة وما كتب عن حضارة اجدادنا ومجدهم التليد في سلم الرقي والاستكشاف والبناء والتطور المنشود.
لقد تعلم الانسان صناعة الفخار في العصر الحديث بعد ان انتقل من الكهوف الى مستوطنات ثابتة مارس فيها حياة اقتصادية جديدة قوامها الزرع والرعي يرجع تاريخ اختراع الانسان للفخار على وجه التحديد الى 8500 سنة قبل الميلاد . أي انه قضى اكثر من مليون ونصف المليون من السنين وهو يجهل هذا الاختراع . وما من شك في ان الانسان صنع اواني من غير مادة الطين المفخور قبل ان يتعلم صناعة الفخار لحفظ حاجاته ، ويرى فرانكفورت بالمقارنة مع الجماعات التي تعيش في الوقت الحاضر في مستوى بدائي ان الانسان القديم استعمل اواني من الخشب وأكياس من الجلد في العصور التي يعرف فيها صناعة الفخار .
يبدو هذا الرأي مقبولاً من الوجهة الانثروبولوجية وان كانت تعوزه الدلائل الآثارية لأن مثل هذه المواد تبلى في انقاض المواقع الأثرية بتأثير الرطوبة والاملاح .
ومن الناحية الثانية نستدل من نتائج الحفريات القديمة التي وجدت في الأردن وجرمو في شمال العراق ان الانسان صنع الاواني الحجرية قبل ان يهتدي لصنع الاواني الفخارية الا انه استمر في صنع الاواني الفخارية الا انه استمر في صنع الحجرية حتى بعد معرفته لصناعة الاواني الفخارية .. هذا وان هنالك تشابه بين الاثنين المذكورين اعلاه وما وجد من الفخار في الكهوف يعود لدور القرى الزراعية الأولى المتأخرة .
المترجم في سطور
من مواليد 1939 في كركوك .
يجيد اللغات الألمانية والانكليزية والايطالية .
درس في المانيا الاتحادية والنمسا 1959 – 1963 .
بكالوريوس في اللغة الالمانية/جامعة بغداد .
مترجم ومذيع في اذاعة بغداد/قسم اللغة الالمانية .
مترجم اول في دائرة الرقابة /وزارة الاعلام العراقية .
عضو جمعية المترجمين العراقيين والعرب والاتحاد الدولي F.I.T.
عضو نقابة الصحفيين العراقيين .
نتاجاته
الدبابة – كتب للأطفال .
ادب الحكمة البابلي .
جسد وحياة – قصص قصيرة .
الموسوعة العسكرية الصغيرة .
























