
الحشد الشعبي
السبّاق إلى الإنتصار
سمعت صوت أقدامه متسارعة على درجات سلم منزله , ورداء الوطن ملبسه , وزوجته تضم تاج رأسه بين يديها وكانها تحتضنه وفيها لهفة الاشتياق لان ساعة الصفر قد حانت وتتراقص طفلتان بين أقدامه يتنافسن للبقاء معه حتى خروجه من المنزل , واخذ يقبلهما بابتسامة وبعينيه امل عظيم وهم كبير , فأما امله العظيم ان يقدم نفسه قربانا للوطن وأما الهم الكبير ماذا سيحل بهاتين الجميلتين ان كتب الله لنا هذا الفراق , تمسك بأيديهن ليشعرهن بذلك الشيء العملاق من الحنان الأبوي الذي لا يمكن سرده في سطور , وعلى ضحكاتهم تقدمت امه بالقرب من اسفل السلم وبدأت وصفه بأعذب الكلمات التي باتت كأنها أنشودة غزل بين محب وحبيبته , قبلها من رأسها ويدها , ضمته اليها بقوة فقد كان يراودها المشهد الأول حينما احتضنته ساعة ولادته , ووضعت بيده حقيبته , وأخذت تتلو ما حفظته من آيات القران الكريم , امتلأت عيناها بطوفان كاد يغرق تضاريس وجهها , لكنها حبسته في عيناها , كما حبس هو الأخر خبر ليلة امس باستشهاد أصدقائه في ساحات الفخر والبطولة حينما حدثت مواجهة مع أنجاس البشر ( داعش ), واخذ يميل بعينيه يمينا ويسارا لئلا تكتشف امه ذلك الخبر المسجون في فكه , فتماسك نفسه , ووضع يده خلف عنقها وأمتزجت كلماتهم التودعية مع ضحكات ابنتيه اللتين لا يعلمن لصغر سنوات عمرهن ما يدور ,سار معها بخطوات هادئة حيث الباب , فودعته وهي تسكب الماء من دورق أستقر في احد زوايا المنزل و قد وظف هو الأخر لهذا الأمر .
اخر مرة
أخذت الفتاتان تتمايلان بثيابهما وتلوحان له بالتوديع , وكأنهن يعلمن أنها اخر مرة سيكتحلن برؤيته , كان يسير وقلبه يعلم ان خلفه قلب يرتجف وعيون ترتقب العودة , فلم يلتفت إلى الخلف مطلقا وتابع المسير .
كان باسم في العشرين من العمر , التحق بالحشد الشعبي , تلبيه لنداء المرجعية الرشيدة بالذود عن الوطن والدفاع عنه وحماية مقدساته من دنس الاعداء , واي خطر خارجي يحدق بهم , ولقد كان اليتيم الوحيد لامه فقد استشهد والده وهو يدافع عن المراقد المقدسة في سوريا, وحين وصوله الى وحدته العسكرية وما ان هم بوضع حقيبته , حتى اتجه متسابقا مع قدميه للوصول الى السواتر مكمن الرجال ومنبع الحب الحقيقي لأرض الوطن , القى تحيته على إخوانه الذين جاءوا دعما كبديل عن الابطال الذين نالوا الشهادة , فامسك بسلاحه واحتضنه بين ذراعيه كعاشق أضناه الانتظار , وماهي الاساعات قليلة توج فيها شهيدا وقد لامست دماؤه العتاد الذي كان محبوسا بين قدميه , فلقد كانت الصفة التي تلازمه دوما وعرف بها فيض الشجاعة , وملاحقة الجرذان حتى جحورها ,وقد فارق الحياة بثغر باسم وهنا ثبتت علاقة اسمه بواقع حياته وحاله .
عاد باسم الى اهله وهو بقيافة اجمل لقد لف جسده بكلمة ( الله اكبر ) ,تلك الكلمة التي هزت وهدمت عروش الطغاة , استقبلته امه بنفس طريقة لقائه كل مرة حينما يعود , لكن هذه المرة لها طعم ونكهة اخرى , فكانت تحمل بيدها كيسا من الملبسات ( الجكليت ) وأخذت تنثره على جسده داخل منزله الخشبي المؤقت , كأنها تنثر وردوا على عريس وهو بالفعل كذلك قد زف الى الجنان شهيدا , كانت ترتدي حجابا ابيضا , رسمت عليه سنوات الفقر أشكالا هندسية , تناغمت مع تجاعيد وجهها المتحدثة عن حجم الماسي التي ابتلعتها وحمدت الله عليها, والذي ينظر الى قدميها يجد فيها عبر تسطرها على جباه الجبناء , فلقد كانت تلبس بقدميها نعلين مختلفين بالاتجاه واللون ,ولا اعلم في تلك اللحضات من اين يستمدن تلك الشجاعة , غادرت روحه بفخر وكرامة للسكن بجوار الرحمن ,وما اعظم تلك السكنى , تاركا خلفه أربعة نساء , لمصير مجهول , لايحتجن فيه الى كلمات مواساة بقدر حاجتهن للعيش بعزة وسلام وامان .
فليس هنالك رجال في العالم كرجال العراق ( الحشد الشعبي , الجيش ,الشرطة ) وليس هنالك امهات ثكلى في العالم كامهات العراقيين ( امهات الشهداء ) فأنصفوا ابناءهم ليقولوا تخليت عن ابي لوطني ….
ولاتخذلوهم فيقولوا تخليت عن ابي وتخلى عني وطني ……
احمد جابرمحمد – بابل























