الحسين ما بين الحب والنفاق
ان قضية الحسين عليه السلام قضية استثنائية ربانية لانها الله ارادها ان تكون قضية إصلاح لا تتوقف الى يوم الدين . ثورة ضد كل ظلم مهما كانت التضحيات لابد ان نتخذ القرار الشجاع و يكون الحسين عليه السلام قدوة لتلك الخطوة التى نخطيها . فنحن بكل عام يطرق الحزن باب قلوبنا ونعيد ذكرى استشهاد أمامنا و تتعالى صوت الألسنة بـ (لبيك يا حسين). والتلبية معناها التوجه و الطاعة و هي تكون لله سبحانه و تعالى و لكن هنا كانت للحسين وتصبح بمعنى سمعناك واستجبنا لندائك لكن بماذا لبيناه و كيف استجبنا لنداء ؟؟ هنا يكمن السؤال القاتل و يظل العقل يبحث عن اجابة لهذا التساؤل لعله يجد اجابة تشفي فضوله و تقتل كم الاسئلة المتداخلة.
ان الحسين عليه السلام ليس قضية طائفة واحدة انما هو قضية امة بكاملها استشهد ليستقيم الدين وليس ليزداد اعوجاج.
اذا أردنا ان نمثل الحسين عليه السلام لابد ان نقيم حدود الله بنصرة المظلوم و دحض الظلم لابد ان تكون اخلاقنا حسينية وعفتنا زينبية . فالحسين عليه السلام ذهب للقاتل لاجل أسباب دينية و ليس دنيوية . فما يحدث اليوم من مظاهر و بعض شعائر هي لا تنقل رسالة الحسين عليه السلام ولا تمثل قضيته . فما يفعله بعض الناس تحت مسمى الحب الحسيني لا يمثل الحب انما النفاق لان من أحب الحسين عليه السلام مثله بأجمل الاخلاق و افضل سلوك امام العالم اجمع . فلقد نشرت صحيفة ديلي ميل البريطانية يوم السبت الموافق 24 اكتوبر لعام 2015 تقرير عن عاشوراء ومحرم استندت الى صور ومقاطع فيديو مختلفة لتعبر وتنشر للعالم اجمع ان محرم ما هو الا موسم للدم والضرب بالسيوف والاسواط فهذا كل ما يرونهم من دلائل على ان قضية الحسين عليه السلام قضية عنف و اراقة الدم . فهنا قضية الحسين تجسدت بعيدا عن القضية المحورية بسبب تصرفاتنا الخاطئة التي جعلت قضية الحسين قضية وهنه والكثير ينفر من آل البيت بسببنا وسبب جهل فئة منا . هناك يكمن عمق السؤال المطروح هل فعلا استشهاد الامام الحسين عليه السلام لاجل ان يكون قضية للعنف واراقة الدماء ؟؟ قبل ان تجيب فكر بتصرفاتك التي دعت كاتب المقال في الصحيفة البريطانية يصل لتلك النتيجة فحقيقة يؤسفني ان تصرفات بعض لا تمثل القضية المحورية التى استشهد لاجلها الحسين عليه السلام وانما جعلت القضية تلبس ثوب الوهن و يحدث تلاعب بمحاورها لان من يدعي حب الحسين عليه السلام وآل البيت لابد ان يمثلهم كقيم و اخلاق و قضية لا تقبل الظلم . ان كنت من محبي الحسين عليه السلام لا تقبل الظلم لا تقبل ان تعيش ادنى من مستواك بدون خدمات و تسكت فالساكت عن الحق شيطان اخرس لا يمثل الحسين بأي قيمة من القيم . فالحسين لم يكن مثال للطم انما هو قضية لرفع الظلم . اين نصرتكم لمن يعانون قساوة البرد و المطر ؟؟ اين نصرتكم لانفسكم بأن تطالبوا بحقوقكم و تستردون اموالكم المهدورة وترفعون من قدركم برفعكم الظلم عنكم .
لا تخبرني انك تحتاج لفتوة شرعية لاجل ان تنصر قضية الحسين عليه السلام فأنت مخطاء ان غيبت عقلك وجعلت احدهم يفكر نيابة عنك .يقول الدكتور احمد الوائلي ” الحسين عليه السلام لا يريد منك ادماء رأسك , و لا يريد منك اذلال نفسك , بل ارادك قوياَ شامخاَ. الحسين لا يريد منك ان تضرب ظهرك بالسلاسل انما ارادك ان تصفع و جه الظلم.” اما يجب علينا ان نتوقف بعض لحظات عند تلك المقولة لعلنا نصنع من انفسنا امة تحترم عقيدتها و تحترم قدوتها و تعبر عن محبتها للحسين بطريقه صحيحة لا توهن القضية انما تزدها جزاله و تماسك . فالله لا يريد التهلكة للانسان بل يريد منه ان يقيم الدين بما فيه نفع فهو القائل في كتابه العزيز (( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة )) سورة البقرة آية 195 . لا يوجد بعد كلام الله شي اخر و لا اعتقد ان الحسين وآل البيت عليهم السلام يخالفون شرع الله فهم من عُبَّاد الله المخلصين الذين بذلوا اموالهم و أنفسهم ليكون سبب لاستقامة دين الله و ليس لاعوجاجه.
و استنادا الى بعض المراجع التى ترفض ذاك الفعل الذي لا يمثل حب الحسين (ع) او قضيته اذكر لكم بعض الادلة مثل آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله ((… كضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين (عليه السلام) فانه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلقا ببعض التقاليد الدينية
التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها.)) إحكام الشريعة ص 247 . اضافه لذلك آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ((على المؤمنين الأخوة والأخوات السعي إلى إقامة مراسم العزاء بإخلاص واجتناب الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية وأوامر الأئمة (عليهم السلام) ويتركوا جميع الأعمال التي تكون وسيلة بيد الأعداء ضد الإسلام، إذ عليهم اجتناب التطبير وشد القفل وأمثال ذلك …)) و قد قال ايضا آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني (( ان استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء بأسم الحزن على الحسين (عليه السلام) انما هو محرم وغير شرعي)) كتاب هكذا عرفتهم الجزء الأول لجعفر الخليلي . كما ان آية الله العظمى السيد كاظم الحائري قد قال (( ان تضمين الشعائر الحسينية لبعض الخرافات من أمثال التطبير يوجب وصم الإسلام والتشيع بالذات بوصمة الخرافات خاصة في هذه الأيام التي أصبح إعلام الكفر العالمي مسخرا لذلك ولهذا فممارسة أمثال هذه الخرافات باسم شعائر الحسين (عليه السلام) من أعظم المحرمات)) و آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (( إن هذه الممارسات (التطبير) ليست فقط مجرد ممارسات… هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت
عليهم السلام ولم أر أي من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بأن هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى ان قضية التطبير هي غصة في حلقومنا
ان اجتماع آراء المراجع بعدم جواز التطبير و الاساءة للشعائر الحسينية جميعها تصب لنصرة قضية الحسين عليه السلام و حماية القضية من التوهين و تشتت الرسالة . يجب ان ندرك ان من احب الحسين يجب ان ينصره و ينصر قضية فضلاً من تشويهه و توهينها عند العالم اجمع .فالحسين عليه السلام إستشهد ثلاث مرات الأولى بيد قاتليه حينما أردأ ان يستقيم الدين و الثانية بلسان كارهيه الذين يحاولون حني قضية الحسين عن مسارها الحقيقي لاهداف سياسية و حماية مصالحهم اما الثالثة وهي الأكثر وجعاً استشهد على يد بعض مواليه ( من الجهلة ) الذين شوهوا غايته ! فهم بتصرفاتهم جعلوا من الحسين (ع) رمز لإراقة الدم و العنف و هو بعيد عن كل تصرفاتهم فغاية الحسين كانت نصرة المظلوم ورسالته إصلاح أمور الدين ليستقيم العدل و تحل المساواة و ينصر المظلوم حتى على حسابه و حساب اهل بيته . فلا تحولوا أهدافه الجوهرية الى أهداف عبثية و تجعلون من لا يعرفه ينفر منه بدل ان يسير على نهجه . ان كنت تحب الحسين حب خالص بدون نفاق مثل قضيته و رسالته كدين واخلاق بمعاملاتك اليومية و نهج حياتك فلا تسمح لظالم ان يتجاوز عليك او يسلبك حقوقك مثله شعائرياً بالحزن المؤدب الذي لا يخدش قضيته و يوهنها امام العالم اجمع . فأن خدشنا القضية بمفاهيم مغلوطة فنحن حقيقة لم نلبي للحسين اي نداء و كان اقرب للنفاق من الحب . فالحب أمتثال للأوامر و التسلّح باخلاق الحسين و آل البيت عليهم السلام . ان كنت ترى في قلبك حب للحسين (ع) اخرج للساحة و حول مسيرة عاشوراء لمسيرة ضد الظلم ضد الطغيان و ضع حد لكل ظالم استباح حرمة دمائنا و اعراضنا و نهب اموالنا و انصر المظلومين في المخيمات وكن كالحسين الذين أعطى درساً بتضحية بأعز ما يملك و هم اهل بيته لاجل نصرة المظلوم و استشهد بشرف و لم يكن يوماً ذليل . استشهد الحسين علية السلام لاجل الاسلام و المبادئ العظيمة الراسخة فلا تجعلوا الاسلام يموت بأسم الحسين و لا تجعلوا الحسين يُقتل على ايدي سلوكياتكم الخاطئة و مبادئ لم يأتي بها احد . من احب الحسين تأدب في شعائر الحزن ولم يبكي في اول محرم و أقام حفلاته في منتصفه . من احب الحسين (ع) التزم بحسن الخلق و المبادئ و أقام أركان الاسلام و شعائره النقية الطاهرة دون ان يتجراء بتلويثها . من اراد ان يكون جار الحسين (ع) بالآخرة لابد ان يكون على دربه في رفع الظلم و الحفاظ على استقامة الاسلام في الدنيا و يمثله خير تمثيل أمام الامم الاخرى و الأجيال القادمة . لنخرج من عاشوراء و قد تغير فينا شي سلبياً لشئ إيجابياً . و نعرف ان الحب بإظهار المحاسن و تجنب اي عمل يمكن ان يوهن الدين او المقدسات و الرموز السامية. ارتقوا بأفكاركم لترتقي اديانكم.
فاطمة ابراهيم الخرساني – روكفورد























