الحداثة في قصائد محمد سعيد الحبوبي وفكره

الحداثة في قصائد محمد سعيد الحبوبي وفكره

جمع شاعري بين الخمر والغزل العرفاني

نجاح هادي كبة

1- البيئة الخاصة والعامة للشاعر :-

ولد الشاعر محمد سعيد بن محمود الحبوبي في النجف الأشرف وكان لوالده الفضل في تعليمه على عادة أهل زمانه مبادئ القراءة والكتابة والخط، فقرأ القرآن الكريم وكان والده يلم بشيء من الفقه زيادة على أنه مزارع ولما قوي عوده أخذ يتعلم مبادئ اللغة كالنحو والصرف والبلاغة ومما دفعه إلى مضمار الأدب والعلوم الدينية خاله الشاعر الشيخ (عباس الأعسم) وتدرج إلى الأطلاع على التاريخ والجغرافية والحساب والفلك وغير ذلك من ضروب الثقافة والمعرفة وقد غلبت عليه فطرة الشعر قبل أن يكون عالما دينيا مجتهدا في العقدين الثالث والرابع من حياته وقد حصل انعطاف في حياته حين توجه لدراسة الفقه حوالي 1304هـ/1886م وقيل عن سبب ذلك أنه جادل العلامة (الملا محمد كاظم الخراساني الملقب بالأخوند) في مسألة دينية، فقال له (الأخوند) أين أنت من هذا؟، أي إنما أنت تحسن أن تقول : يا غزال الكرخ، وهي موشحة للحبوبي منها :

يا غزال الكرخ واوجدي عليك

                        كاد سرِّي فيك أن ينتهكا

وكما ذاع صيته في محافل النجف امام شعرائها أمثال علي الشرقي وجواد الشبيبي ومحمد حسن سميسم وباقر الهندي وغيرهم كذلك ذاع صيته في مجالس بغداد الثقافية والأدبية آنذاك والشاعر محمد سعيد الحبوبي فقيه ومجتهد يؤخذ برأيه في الفتوى والاجتهاد وحتم عليه أن يكون في أواخر حياته مجاهدا قارع الانكليز عام 1914 في منطقة (الشعيبة) القريبة من (الناصرية) بعد قيادته لواء المجاهدين العراقيين بدافع الدين الإسلامي إلى جانب العثمانيين وتوفي بعد تلك المعركة غير المتكافئة متأثرا بخسارتها مادياً لا روحياً عام 1915م ودفن في النجف في مقبرة عائلته.

2- الحداثة في شاعرية الحبوبي:-

رأى العديد من النقاد ان الحداثة لا ترتبط بالزمن بل بالقيمة فليس كل قديم قديما وليس كل حديث  حديثا فالحداثة فعل اختراق كما قال أدونيس تتميّز بالتدفق والطزاجة والحرية وعدم الانسلاخ فهي تطوير في الحداثة وليس انسلاخا عنها او انقطاعا وأراها كالهرم أو البناء المتدرج لكن الحداثة ليس لها نهاية فهي مشروع لما بعد الحداثة من دون الفوضى والخروج عن المنطق .

ومن حداثة الحبوبي في شاعريته ان شعره يجمع بين الغزل العرفاني الحسي والخمرة هذه المتعة أو اللذة كانت كسرا لرتابة الحياة في بيئة النجف آنذاك، صحيح ان غرضي الغزل والخمرة مما عرفه الشعر العربي على امتداد تاريخه ولكن للحبوبي فضلا على أنه نظمه في بيئة ترى أن الشعر يزري بالعلماء (ففي معركة الخميس الشهيرة التي شارك فيها عدد من الفقهاء كالسيد مهدي بحر العلوم (ت1255هـ) وتلميذيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء والشيخ محمد محيي الدين  زيادة على الشيخ محمد رضا النحوي والسيد محمد زيني والسيد صادق الفحام وغيرهم، صورة ناطقة تعكس مدى اهتمام هؤلاء بالأدب ورعايتهم له، ان لهذا الاتجاه اسبابا دينية، وهي ضرورة ربط الأدب باستنباط الحكم الشرعي، لما للأدب من وظيفة لغوية ولأنه يدل ضمن الوعظ والأرشاد. (إلا ان ذلك الاتجاه لم يقو على الاستمرارية – كما يبدو – حين تنازعه تيار آخر ظل أثره طاغيا إلى عهد قريب، فيفصل في منظوره بين طالب العلم المتفرغ له للتحصيل ومن استهواه الأدب فانطبع به، ومن هنا نلحظ ونحن نستعرض أسماء الفقهاء ممن قدر لهم أن يتسنموا مراكز مهمة في عالم الدراسة الحوزوية ان أكثرهم قليل البضاعة في الأدب) . إلا إن الحبوبي وفي  خضم هذا الصراع في مجتمعه الذي امتد طويلا بعد معركة الخميس قد دافع عن شعره الغزلي والخمري فقال :

لا تقل ويك ومن يسمع يخل

……………………………….

غير أني رمت نهج الظرفا

                        إنني بالراح مشغوف الفؤاد

……………………………….

عفة النفس وفق الألسن

وقد وصل صوته إلى بغداد مغرِّداً بجمال المرأة البغدادية التي ألبستها الحضارة ثوبا من الجمال والرقة (متحضرة مترفة مسفرة جميلة ذات شخصية رائعة فقال :

بيضاء ما حلّ أهلوها على شرف

من اليفاع ولاشدُّوا على عيسِ

ورأى المرأة البغدادية تمشي على الحرير رفعة وسموًّا متأثرا بها وبشخصيتها فقال :

 فرشنا لها حب القلوب فلم يطأ

إذا ما مشى إلا الحرير المحبِّرا)

وهو في غزله رفيق عفيف يشبه غزل الشريف الرضي وتلميذه مهيار الديلمي اللذين تأثر بهما الحبوبي.

ومن حداثة الحبوبي ابداعه الشعري (الموشحات) وهو نمط شعري نشأ ببلاد الأندلس نتيجة اختلاط العرب بالاسبان، له من المميزات الفنية ما تجعله متطورا عن الشعر العامودي، منها بناؤه الفني على شكل أقفال وأبيات والأقفال تتالف من أغصان (مفردها غصن وهو ما يقابل نصف بيت من الشعر العامودي) وأقل الاغصان في مطلع أي موشح أثنان وكذلك في أقفاله وخرجته (اما الابيات مفردها بيت وتتكون عادةً من الدور والقفل الذي يليه مجتمعَين ولا يقل البيت عن ثلاثة اسماط “اشطر”) وهناك الموشح المركب الأقفال والأقرع الذي لا مطلع له وذو الخرجة الأعجمية وتكون في نهاية الموشحة.

وتأتي حداثة الحبوبي هو اختياره لنمط فني من الموشحات الأندلسية التي تبتدأ بقفل واحد أو أثنين وبأبيات لا تتعدى اغصانها (أشطرها) على ثلاثة كما في موشحة (يا مقيل السرب في ظل الأراك) وموشحة (حبذا من طالع عصر الشباب) و (هلهلت بالبشر ورقاء الحيا) .. الخ أما في الموشح الشعري فلا يتعدى البيت في موشحات الحبوبي على يقابل خمسة أبيات من الشعر العامودي زيادة على عدم استعماله للخرجة الأعجمية مع تنوع أغراض موشحاته.

فمعلوم أن الموشحات الأندلسية تدور حول الغزل والخمرة وتغنى فالحبوبي وان اشتهر بموشحاته الغزلية والخمرية إلا ان له موشحات في الأخوانيات والشكوى والزهد والمدح والهجاء جريا على طريقة الموشحات العراقية وموشحاته وان جاءت على وزن واحد خلاف الموشحات الأندلسية الا انه اختارها على وزن الرمل فاعلاتن – فاعلاتن – فاعلن وبعروض وضرب ثابت اعطاءها حركة وايحاء ذا نغم مطرب مما جعل موشحاته ذات شخصية مستقلة، قال د. رضا محسن القريشي : (غير اننا بسبيل الموازنة بين المعارضات وقد أعيانا الجهد من البحث فيما ترك الحبوبي من معارضة واحدة لموشحة أندلسية فلم نعثر لذلك من أثر) . قال الحبوبي :

هزها الدل فماست مرحا

كقناة في يدي مرتعش

(1)

وبدت شمساً لها الجعد بروج

وبخديها لمرتاد مروج

جادها ماء الصِّبا فهو يموج

وعليها لما طفحا

قلت : فكّ رقي يا ذا الحبش

(2)

مزقت ثوب الدجى في ثغرها

ثم حاكته له من شعرها

وانجلت سافرة عن نحرها

ما رآها البدر ألا واستحى

واعترته دهشة المندهش

(4)

قل لها : ما للمحيا والقناع؟

فلقد برقعها ضافي الشعاع

أَوَ تخشى نظرة القلب المراع؟

وهي شمس المُجتلِي رأد الضحى

                        كلما أبصرها الطرف عَشِي

(5)

قتل الآفك ليسا بسواء

وجهها الذاكي التجلي، وذُكاء

تصبح الشمس ويخفيها المساء

وهو يمسي مثل ما قد أصبحا

                        باهرا إشراقه للمعتشي

ومن حداثة الحبوبي استعماله التخميس في شعره والمخمسات تسمى بالمسمطات وهي خطوة كسرت رتابة القصيدة العامودية. فهي خطوة حداثية في زمنها، لأنها وان التزمت الوزن الخليلي، إلا انها نوّعت القافية وهي لقصرها تشبه قصائد الهايكو اليابانية .

ورأى شوقي ضيف : ان المخمسات هي التي ألهمت الاندلسيين فن الموشحات قال : (والمسمطات قصائد تتألف من أدوار، وكل دور يتركب من أربعة شطور أو أكثر، وتتفق شطور كل دور في قافية واحدة، ما عدا الشطر الأخير، فانه يستقل بقافية مغايرة، وفي الوقت نفسه يتحد فيها مع الشطور الأخيرة في الأدوار المختلفة، ومن أجل ذلك سمى سمطا من السمط وهو قلادة تنظم فيها عدة سلوك تجتمع عند لؤلؤة أو جوهرة كبيرة، وكذلك كل دور في المسمط يجتمع مع الأدوار الأخرى في قافية الشطر سواء من حيث الأدوار والمراكز والأقفال).

ورأى بعض النقاد ان المسمطات بأنواعها والموشحات كانت طريقا للخروج عن القصيدة العامودية في شكلها الفني ويرجع الفضل في التخميس للحبوبي لانه اعطى قصائده نكهة شعرية عذبة.

واليك انموذج من مخمس للحبوبي :

فرض الغرام على المحب المدنف

                        حج المنازل : مألفا في مألف

فبكل مصقول الشبيه مترف

قف في ديارهم أعز الموقف

ان الديار (محصبي) و (معرفي)

****

لهم مقام (بالحطيم) مدرَّس

مأوى لحجاج الديار، ومحبس

عرَّس به (يا سعد) فهو مُعرَّس

واخلع نعالك فالمقام مقدَّس

واسع بمنعرج (اللواء) وطوِّفِ

*****

واحرم، ولبِّ، واعتمرْ في (جمعهم)

أذكر ربارب سرحهم في جمعهم

واتل بذكرك آية في شرعهم

واحجج بابناء الغرام لربعهم

واربع على دمن الخليط و (خيّف)

*****

قلب تعلق بالحمول، وزمزما

إذ أمَّ ركبهم (الحطيم) و (زمزما)

ترميه أقواس التفرق اسهما

قلب توزعه الصبابة أسهما

في كل خدر ظاعن أو نفنف

*****

يشكو تتابع نبلة في نبلة

من قوس جائرة النوى أو مقلة

وقد استقلت عيسهم في رحلة

ملكت – ويح الشوق – كل ربحلة

خصت بحسن للضياغم متلف

*****

أخذت سلاح الحب عن فتياته

            فتسل غضبا ريع من سطواته

أسد العرينة في ذرى هضباته

وتهز لَدْناً قد شكت وخزاته

كبدى كهزِّ الذابل المتقصِّف

وهو في هذه القصيدة يحاكي الشاعر الأموي عمر بن ربيعة المخزومي، إذ عرف عن عمر بن أبي ربيعه غزله بالحاجات إذ كان يؤم مكة ومنازلها في أثناء موسم الحج، ولكن قصة عمر حقيقة في حين ان قصة الحبوبي خيالية فالأدب النجفي لاسيما شعره يبحث عن متنفس من بيئته في زمن كانت النجف ذات طابع ديني متشدد إذ كانت العربات التي تجرها الخيول والبغال وسيلة النقل بين النجف وبغداد ومدّ عام 1911م خط حديد (تراموي خيول) بين النجف والكوفة فقط أما التلغراف فلم يصل النجف الا في سنة 1893م مما جعل معالم العصر الحديث قليلة التأثير في النجف آنذاك فكان الأدب وسيلة تعبر عن عوالمهم الداخلية لذلك جاء من شعرهم على شكل الموشحات والمخمسات لأن فيها الحرية، قال جعفر محبوبة : (وكانت الصفات التي ميزت النجفيين تتمثل أيضا في حبهم للحرية وحدة أذهانهم وذكائهم وسرعة حركتهم وشجاعتهم وحبهم للتنافس في مجال الأدب واظهار البطولة)  ويفسر د. رضا محسن القريشي أسباب عدم معارضة الحبوبي للموشحات الأندلسية 0ربما لأنه أحس بأنه مستواه التوشيحي الفني يقابل الوشاحين الأندلسيين)  (إذ كانت موشحات الأندلسيين تطلبتها الحياة الرغيدة ولكنها لا تبلغ موشحات العراقيين في فخامة نظمها وجودة أسلوبها فهذا الحبوبي يقول في موشح له :

قسما بالراقصات الضمر

وبمن يحملن من معتمر

بادر النسك بقلب مقصر

وبمن بات ثلاثا في منى

ذاهل اللب عناه ما عنى

                        تترامى للمصلّى والحجون

مسعر القلب بنيران الشجون

وقضى في منسك الحج شؤون

ضارعا في همِّة المعتلج

فالتجى حيث يغاث الملتجي

ومما يلفت النظر ان الوشاحين العراقيين لم يقلدوا الأندلسيين في كل ما أنتجوا، وانما اقتصروا في الغالب على الأنواع التالية، وخاصة في القرن الثالث عشر للهجرة.

1- الموشح المخمّس 2- الموشح المسبّع 3- الموشح المعشر..) .

شاعرية الحبوبي :-

يتميز شعر الحبوبي عموما بعدم التكلف وتوظيف المفردات المفصحة المعنى من دون الرجوع إلى القاموس وأسلوبه يهز العواطف بموسيقاه الداخلية والخارجية ويوظف المحسنات البديعية بشكل فني تشعر وأنت تقرأ شعره كأنه يطربك، فهو يشعر الإنسان في شعره الغزلي والخمري بالمتعة واللذة، وينقلك عزله إلى شعر الشريف الرضي ومهيار الديلمي أما خمرياته فتعيد إلى أذهانك شعر أبي نواس وشعراء الخمرة في العصر العباسي .

1-         قال د. رضا محسن القريشي : (والمتملي للموشحات في دواوين الشعراء العراقيين يجد محمد سعيد الحبوبي قد بزهم جميعا، وبلغ فيها ما لم يبلغه وشاح قبله باستثناء أحمد بن حسن الموصلي، وصفي الدين الحلي، رغم أنه انقطع عن نظمها في العقد الثالث من العمر وانصرف إلى العلم والاجتهاد حتى ختم حياته مجاهدا ضد الانكليز في الشعيبة جنوب العراق).

2-         وقال عنه الشاعر علي الشرقي : (شعره فيه رقة الغزل وعذوبة اللفظ وسهولة البناء) .

3-         وقال عنه محمد مهدي البصير : (وعندي ان الحبوبي أغزل شعراء عصره وان حيدرا أرثى شعراء عصره، وان للحبوبي رثاء بليغا دون رثاء حيدر على الاجمال، وأن لحيدر غزلا طريفا ولكنه دون غزل الحبوبي، وانهما معا في الرعيل الأول من شعراء العربية) . والسؤال الذي يطرح نفسه عن سبب عدم تكريس الحبوبي للمراثي الحسينية مع أن شعراء القرن الثالث عشر وغيرهم قد كرَّسوا شعرهم لذلك، وأرى كقارئ ان الحبوبي اراد الا يقحم المراثي الحسينية في شعره لشهرته بغرض الغزل والخمرة وهما مما جلب عليه التهم فكيف لو كرَّس شعره للمراثي الحسينية مع غرض الغزل والخمرة!!

4-         وقال عنه محمد مهدي الجواهري : (السيد الحبوبي كان اسمه يرج المجالس والنوادي وهو أول من جدد الشعر القديم ورققه ثم سلّمه إلى الطبقة التي بعده من شعراء عصر النهضة، وفي الحقيقة هو صاحب المدرسة الوحيدة التي نَشأْتُ عليها وهي امتداد للتراث القديم وتخرج منها كثيرون) .

5-         وقال عنه نبيل الحيدري : (كان بديعا بارعا في قصائده فيما هو أشبه بموشحات الأندلس منه إلى الشعر العربي العامودي فيما يقرب من نصف ديوانه كما غلب عليها بحر الرمل) .

 فكرة الجسم عند شعراء القرن التاسع عشر :-

ومنهم محمد سعيد الحبوبي وحيدر الحلي وصالح الكواز وغيرهم فان منهم من تشبب بالمرأة ووصف الخمرة كالحبوبي وهو رجل دين ورع بل مجتهد ومجاهد –  كما مر آنفا –  ومن المهم أن نستوعب فكرة الحبوبي عن ذلك من أن الشعر تقليد للسابقين من الشعراء ويبدع فيه الشاعر في اغراض كالخمرة والغزل وان اعذب الشعر أكذبهُ فالشاعر يريد ان يرسم في شعره لوحات فنية ففطرته تحتم عليه الحرية في التعبير وان قُيّد الشاعر فلا يستطيع ان ينتج شعرا مبدعا وهذا ما شخصه النقاد عن الشعر في صدر الاسلام من ان فيه لينا فكثير منه وصف للحقائق لأنه ارتبط بالوعظ والأرشاد وقول الحقيقة.

والإنسان لا يعيش بأناه من دون الأخر، فله واقع موضوعي جسدي كما له واقع نفسي ، وقد عالج الله سبحانه وتعالى ذلك حين جعل معادلا موضوعيا للمرأة والخمرة في الجنة لاشباع حاجة الرجل النفسية والجسدية ففي العالم الأخروي حور عين وأنهار من خمر لذة للشاربين ولابد من الاشارة إلى ان اليسار الفرويدي عد الليبديو ان كبت سببا للنرجسية والتطرف والثورات .

الحداثة في الدرس الفقهي والتعليمي لدى الحبوبي :-

قال حميد المطبعي : (تلمذ “الحبوبي” لكبار فقهاء الجامعة النجفية الكبرى، ولاسيما على فقيهها المجتهد محمد طه نجف، الذي اجازه فقها واصولا، فصار الحبوبي حتى وفاته الأصولي الأول أو المرجع الأعلى في المسألة، وله في علومه مصنفات ومؤلفات وحواش وتعليقات غيّبها التاريخ عن أعين أسرته، وأهم شيء في حياته الدينية والاجتهادية، إبداعه نظرية (الجدل المنطقي في حركة الاستقراء) ونظرية (استنباط المسألة في ذات المسألة) ونظرية (الحوار المفتوح في الحلقة الفقهية) وهي  النظريات التي ألهت مدرسة الاجتهاد النجفي، وعمقت في الدارسين موهبة الجدل والاستدلال والانفتاح العقلي..) .

وفي نظام الاجتهاد هناك فريقان من المجتهدين (الأخباريون) و (الأصولون) (فالأخباريون) لم يجيزوا فتح باب الاجتهاد انما يعتمدون في أحكامهم الشرعية على الأخبار الواردة عن النبي والأئمة الأثني عشر، ومن هنا جاءت تسميتهم بـ(الأخباريين) .

أما الأصوليون فرأيهم أن الأخبار الواردة قد لا تكون كلها صحيحة، وهي على مراتب مختلفة من حيث القوة. ولذا وجب على الفقيه أن يبحث في أسانيدها ويقارن بينها مستعينا في ذلك بعلم خاص يسمى (علم الأصول) لكي يتحقق من مدى صحتها ويتمكن من استنباط الأحكام الشرعية منها، قد يصح القول أن (الأخباريين) سلفيون يعتمدون على الأخبار المنقولة ولا يميلون إلى استعمال المنهج العقلي في نقدها وغربلتها.أي أنهم يعتمدون على (النقل) ولا يستعلمون (العقل) في أحكامهم الشرعية وشعارهم : (إن دين الله لا يصاب بالرأي وعقول الرجال) .

وفي ضوء ما تقدم نستطيع أن نقول أن الحبوبي أراد أن يربط الدين بالحياة وألا يكون الدين بعيدا (عن العقل) زيادة على ذلك فان مفهوم الحداثة في العصر الحاضر يستند إلى المقياس العلمي في التشريع الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي والمقياس العلمي لا شك انه يستند إلى العقل لا إلى النقل فقط.

ولعل من المفيد أن نزيد أن توجهات الحبوبي الجدلية والحوارية مما توصي به طرائق التدريس الحديثة وأساليبه، فالتربويون المتخصصون في الطرائق يوصون بالابتعاد عن توصيل المادة الدراسية بأسلوب المحاضرة ويطالبون المدرسين والمعلمين باستعمال الحوار والمناقشة في توصيل المادة إلى الطلبة، لأن المحاضرة تجعل عقل الطالب كوعاء تصب به المعلومات وتكون أشبه بعملية إطعام بالمعلقة Spoon Feeding، في حين ان الحوار والمناقشة يشحذ ذهن الطالب ويمنع شرود ذهنه في أثناء توصيل المدرس أو المعلم المادة إليه، ومن الأساليب التدريسية التي يوصي بها التربويون الأسلوب الجدلي الثنائي أو المقابلة الدورية وأسلوب الندوة وكلها تستند إلى الحوار المنطقي والمجادلة للوصول إلى الحقيقة والمرامي العلمية والأدبية، ولكي لا يكون الطالب في حيِّز مادي يختلف عن الحيِّز النفسي كما يرى (كورت ليفين)، ولنا في تاريخنا أسوة حسنة فالحبوبي (تمرد على طريقة التدريس القاتلة، فقد هذّب علمي الأصول والفقه من التطويل والزيادات وجعل الطالب المجد في أربع سنوات أن يحصل شهادة ما تساوي كل عمره في الدراسة .. بعدما التف حوله لفيف من الطلاب العرب وألزموه باتباع طريقة حديثة فاختص بطريقة خاصة به وتخرج على يديه من النوابغ  اليوم مراجع دينية في بلدانهم) .

فالحبوبي (ناصر الشيخ محمد كاظم الخراساني (1853-1911م) في ايجاد طريقة دينية للتدريس الحديث)  والشيخ الملا محمد كاظم الخراساني الملقب (بالأخوند) هو استاذ كل من محمد سعيد الحبوبي والشيخ محمد طه نجف الذي هو العلامة الأخر الذي (عرف عنه طرق تدريسية متطورة) . وكان استاذا للشيخ محسن الأمين العاملي أيضاً  (1865-1951م) والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل كانت جهود هؤلاء هي بذرة نمت على يدي العلامة الشيخ محسن الأمين العاملي؟

إن الجواب عن هذا السؤال قد يكون بـ نعم.

فالشيخ محسن الأمين العاملي هو الذي أدخل العلوم العصرية إلى جانب العلوم الموروثة في التدريس و (شجع انتساب البنات إلى المدارس وأسس المدرسة اليوسفية للأناث .. بالنسبة له كان أمرا طبيعيا وعاديا أن يدخل منهاجا عصريا يتناسب مع ذلك العصر وان كان مستهجنا في أسلوب التعليم يوم أنشأ المدرسة العلوية ومن ثم المحسنية لمّا ضاق الطلاب بالمدرسة العلوية)  نتيجة عدم عصرنتها، ومن آراء السيد محسن الأمين العاملي في توجيه التأليف الحوزي وجهة عصرية انه قال : (ان عشرات المجلدات الضخمة كتبت في علم الأصول فكان ذلك تعقيدا للعلم، وتبعيدا لا تعبيدا، ولو كانوا نقحوا تلك الكتب وهذّبوها لكان عشرها كافيا) .

وبعد ذلك جاء دور التجديد للتدريس في الثلاثينات حين اسهم مجوعة من العلماء منهم محمد رضا المظهر المعاصر للشيخ محسن الأمين العاملي بتاسيس جمعية منتدى النشر التي تحولت إلى كلية منتدى النشر في النجف ثم صارت باسم كلية الفقه وكان لها دور تعليمي عصري وموروث واصدارات مهمة وشجعت العلم والأدب ثم جاء دور السيد محمد باقر الصدر الذي نقل علم الفقة من علم فقة الفرد الى علم فقة المجتمع وتحديث منهج التحديث الكلامي الى غير ذلك من الجهود والحبوبي  (أول من بادر وافتى بوجوب تأسيس مدارس لأبناء المواطنين ، ودعا إلى نشر التعليم بين الأبناء والبنات في وقت كان يرى بعضهم خروج البنت من البيت للتعليم كفرا)  وحينما أُسِّست المدرسة الجعفرية في بغداد عام 1908م أيّد فكرة انشائها إذ أخذت موافقته على فتحها وقد استقل بشخصية مما دفع استاذه ملا محمد كاظم الخراساني إلى الاختلاف معه في بعض المسائل الدينية لاستناده إلى المحاورة والجدل –  كما تقدّم-.

الحداثة في فكر الحبوبي الجهادي :-

لقد أدرك محمد سعيد الحبوبي مقدما بوصفه عالما مجتهداً أن للانكليز وجهين فهم قد ادعوا انما جاءوا إلى البلاد العربية محررين لها من سيطرة العثمانيين، ولكن قد عرفهم العرب فيما بعد بأنهم محتلون وأشد ظلما من العثمانيين، لذلك أعلن الحبوبي الجهاد ضد الانكليز إلى جانب العثمانيين عام 1914م تحت راية الوحدة الاسلامية ولم يقف بوجهه اختلاف المذهب مع العثمانيين على الرغم من ان العثمانيين من الحكام الذين عمقوا الاتجاه الطائفي ، ان نظرة الحبوبي الاسلامية تعني حداثة تفكيره الاسلامي الذي يسمو على الطائفية والتـــــــــشرذم ولقد شارك معه في القتال إلى جانب العثمانيين أعداد كبيرة من المجاهدين الكورد والتركان. قُدِّر عددهم بثلاثة آلاف مقاتل.

وهذه نظرة حداثية حين تسمو نفوس العراقيين تحت راية الاسلام متجاوزين التعصب ومتآخين فيما بينهم ضد عدو لا تربطهم به رابطة تمت إلى دينهم ووطنهم ولقد ظهرت نوايا الانكليز حين تقاسموا مع فرنسا البلاد العربية بموجب معاهدة سايكس بيكو عام 1916 ومنح فلسطين للصهاينة.

والحبوبي (كانت تضمه مع جمال الدين الأفغاني (1839-1897م) حلقة فقهية واحدة وعملا على تعميم نظرية (ان الدين للحياة) وامتدت صلته بالافغاني حتى بعد تخرجه في الجامعة النجفية وذهابه إلى القاهرة وباريس، قال عنه الأفغاني : (ان الحبوبي عبقرية التوحيد الاسلامي) وكانت رسائلهما المتبادلة تشكل مقدمة في الأدب الســـــياسي الإسلامي) . ولابد من الإشارة الى ان جمال الدين الافغاني من مؤيدي المشروطية وله دور في انضاجها بالنجف وقد أيد دعوته الاصلاحية عدد من المصلحين منهم محمد سعيد الحبوبي وحسين الخليلي وغيرهما، وقد طالبوا بمقارعة الاستبداد العثماني وضرورة الاصلاح كنشر التعليم .