الحب، ذلك اللغز- د. نزار محمود

‭”‬الحب‭” ‬كلمة‭ ‬يجري‭ ‬تداولها‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬لسان‭ ‬وفي‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭. ‬تعاملت‭ ‬معها‭ ‬الاشعار‭ ‬والدواوين،‭ ‬وقلما‭ ‬خلت‭ ‬منها‭ ‬رواية‭ ‬أو‭ ‬حكاية‭ ‬او‭ ‬فيلم‭ ‬أو‭ ‬مسلسل‭ ‬سمعي‭ ‬او‭ ‬مرئي‭. ‬تداولها‭ ‬الواقع‭ ‬والخيال،‭ ‬وقامت‭ ‬في‭ ‬معناها‭ ‬معارك‭ ‬وحروب‭. ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬السحرية‭ ‬اختلف‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬تفاسير‭ ‬معناها،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬حصر‭ ‬ذلك‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬ضيق،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬توسع‭ ‬فيه‭ ‬كثيراً‭. ‬لها‭ ‬من‭ ‬المرادفات‭ ‬الكثير،‭ ‬وبالطبع،‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬في‭ ‬معانيها‭ ‬تماماً‭. ‬فكل‭ ‬رديفة‭ ‬لها‭ ‬معناها‭ ‬الخاص‭ ‬الدقيق‭. ‬ان‭ ‬كلمات‭ ‬مثل‭ ‬العشق‭ ‬والغرام‭ ‬والهيام‭ ‬والهوى‭ ‬وغيرها‭ ‬توحي‭ ‬الى‭ ‬الحب‭ ‬لكنها‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬مرادها‭ ‬الدقيق‭.‬

هذا‭ ‬المقال‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المحاولة‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يعكسه‭ ‬الحب‭ ‬ويعنيه‭ ‬ويقوم‭ ‬عليه‭.‬

للحب‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬جوانبه‭ ‬المتعددة،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬مشتركاً‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يختص‭ ‬به‭ ‬البعض‭ ‬ويتميز‭. ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬سابحين‭ ‬في‭ ‬خيال‭ ‬المبادىء‭ ‬والمثاليات‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬وانما‭ ‬نحتاج‭ ‬كذلك‭ ‬الى‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬تواصل‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬وحتى‭ ‬الجوانب‭ ‬الحيوانية‭ ‬في‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬غرئزها‭ ‬وشهواتها‭. ‬

من‭ ‬هنا‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬التالية‭ ‬ما‭ ‬يلامس‭ ‬الحب‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭:‬

الجانب‭ ‬الروحي‭:‬

طالما‭ ‬تقوم‭ ‬في‭ ‬الانسان‭ ‬روح‭ ‬فإن‭ ‬حبه‭ ‬للآخر‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬يلامس‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭. ‬وعندما‭ ‬تلتقي‭ ‬هاتان‭ ‬الروحان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحب‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬الحب‭ ‬طاهراً‭ ‬وخالداً‭.‬

الجانب‭ ‬الجسدي‭:‬

الذي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتطلبه‭ ‬الحب‭ ‬بين‭ ‬الذكر‭ ‬والانثى،‭ ‬وحديثاً،‭ ‬ويا‭ ‬للأسف،‭ ‬بين‭ ‬المثليين‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬البشر‭.‬

الجانب‭ ‬العقلي‭:‬

مما‭ ‬يشد‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬اثنين‭ ‬هو‭ ‬التفاهم‭ ‬والتناغم‭ ‬العقلي،‭ ‬فالمرء‭ ‬يرتاح‭ ‬وتطيب‭ ‬نفسه‭ ‬لمن‭ ‬يآنسه‭ ‬في‭ ‬الفكر‭.‬

الجانب‭ ‬النفسي‭:‬

البشر‭ ‬أنماط‭ ‬نفسية،‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬بعضها،‭ ‬وتتنافر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭. ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬عبرت‭ ‬عنها‭ ‬أمثال،‭ ‬منها‭ ‬المثل‭ ‬الألماني‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬بتطابق‭ ‬“كيمياء”‭ ‬البشر‭ ‬أو‭ ‬تضاربها‭.‬

الجانب‭ ‬الثقافي‭:‬

في‭ ‬معارفه‭ ‬وعاداته‭ ‬وتقاليده‭ ‬وقيمه‭ ‬وسلوكياته‭ ‬ونظرته‭ ‬للحياة‭ ‬وتحسسه‭ ‬لجمالياتها‭. ‬انها‭ ‬أمور‭ ‬تقوي‭ ‬أو‭ ‬تضعف‭ ‬علاقة‭ ‬الحب‭ ‬بين‭ ‬طرفيه‭.‬

الجانب‭ ‬الاخلاقي‭:‬

في‭ ‬مقدساته‭ ‬ومحرماته،‭ ‬وحلاله‭ ‬وحرامه‭. ‬في‭ ‬جميله‭ ‬وقبيحه،‭ ‬في‭ ‬قسوته‭ ‬ورحمته،‭ ‬ومدى‭ ‬توافق‭ ‬المحبين‭ ‬عليها‭.‬

الجانب‭ ‬الحسي‭:‬

وهو‭ ‬التوافق‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تستلذ‭ ‬به‭ ‬وتتمتع‭ ‬معه‭ ‬حواس‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬رؤية‭ ‬ورهافة‭ ‬حس‭ ‬وعذوبة‭ ‬صوت‭ ‬وطيب‭ ‬رائحة‭ ‬ونعومة‭ ‬ملمس‭ ‬ورقي‭ ‬تذوق‭.‬

الجانب‭ ‬المصلحي‭:‬

قد‭ ‬يعترض‭ ‬علينا‭ ‬البعض‭ ‬عندما‭ ‬نتكلم‭ ‬حول‭ ‬الجانب‭ ‬المصلحي‭ ‬في‭ ‬الحب،‭ ‬وكأننا‭ ‬تجاوزنا‭ ‬محظوراً‭ ‬في‭ ‬طهارة‭ ‬الحب‭ ‬وعفته‭.‬

أجيب‭ ‬بواقعية‭: ‬ان‭ ‬لجوانب‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬نذكرها‭ ‬أوزانها‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬الحب‭ ‬المتعددة،‭ ‬فمنها‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يقيم‭ ‬وزناً‭ ‬كبيراً‭ ‬لهذا‭ ‬الجانب‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬حب‭ ‬آخر‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الحب‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬جانبه‭ ‬الروحي،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يجده‭ ‬سوى‭ ‬متعة‭ ‬جسدية‭! ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬يتوزع‭ ‬المحبون‭.‬

جانب‭ ‬الشعور‭ ‬بالسعادة‭ ‬والرضا‭:‬

ان‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬المحبين‭ ‬هو‭ ‬احساسهم‭ ‬مع‭ ‬بعضهم‭ ‬بالسعادة‭ ‬والرضا،‭ ‬وبعكسه‭ ‬تكون‭ ‬حياتهم‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الحب،‭ ‬رتيبة‭ ‬متعبة‭ ‬قاسية‭.‬

جانب‭ ‬الشعور‭ ‬بالفخر‭ ‬والاعجاب‭:‬

ان‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الحب‭ ‬ووشائجه‭ ‬ان‭ ‬يشعر‭ ‬الطرفان‭ ‬بفخرهم‭ ‬واعجابهم‭ ‬بشركائهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحب‭.‬

برلين،‭ ‬09‭.‬02‭.‬2025