
نبض القلم
إنطباعات سريعة عن عاصمة العالم الجميلة – طالب سعدون
رحلة قصيرة بايام ( معدودات ) ، لا تتجاوز ( أصابع اليدين ) ، لا تكفي لمدينة قال عنها القائد الفرنسي (نابليون بونابرت ) ( لو كان العالم كله دولة واحدة لكانت اسطنبول عاصمتها ) …
كيف تكفي هذه المدة القصيرة لمدينة تعد من ( اكبر مدن تركيا ، ومركزها الثقافي والاقتصادي والمالي ، وثاني اكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان) وعاصمة لعدد من الدول والامبراطوريات عبر تاريخها الطويل ( الرومانية والبيزنطية واللاتينية والعثمانية ، وعرفت باسماء كثيرة ( القسطنطينية وبيزنطة والاستانة واسلامبول ) ، كما تشير المعلومات عنها ؟….
فهل تناسب هذه المدة القصيرة مدينة تصدرت اخواتها التركيات في عدد السياح اذ زارها 4.39 مليون سائح في النصف الاول من العام الجاري من بين 12.24مليون سائح زاروا تركيا وقد بلغت عائدات السياحة 8.8 مليون دولار لتلك المدة …؟
كما حققت خلال العام الماضي صادرات تصل قيمتها الى 76.2 مليار دولار … اي انها حققت 53.4 بالمائة من صادرات تركيا التي بلغت قيمتها 142.5 مليار دولار …؟
الجواب بالتأكيد لا تكفي هذه المدة القصيرة ..ولكن رغم قصرها ، كانت مناسبة لتغيير ( الجو ) كما يقال في اللهجة العراقية الدارجة ، والاستمتاع بجمال الطبيعة هناك ، واستطلاع ابرز معالم مدينة تجمع بين التراث والمعاصرة … بين الماضي والحاضر بايقاع جميل… بين الشرق والغرب … وبين قارتين اوربا واسيا ، بشطرين تربطهما ثلاثة جسور على البسفور ، احدها يعد اعلى جسر معلق في العالم حسب ما تشير المعلومات ايضا …
مدينة اختارتها الطبيعة ، وساعدها جهد الانسان المنظم لكي تحافظ ليس على مكانتها التاريخية فقط ، وانما في أن تكون مدينة عالمية حديثة ، وليست تركية فقط بامتاز واستحقاق عصري متطورمع الزمن ، مكنها من أن تستقبل الملايين من السائحين والمقيمين فيها من مختلف الجنسيات والاعراق والثقافات والامزجة .. والجميع يجد بغيته فيها …
كانت اياما ممتعة … حرصتُ على استثمارها بكل ابعادها لاستطلاع مدينة بمثل هذا الوصف قد تحتاج الى رحلات عديدة لتعرفها جيدا ، وتطلع على معالمها الكثيرة …
ولذلك فان هذه الاسطر لا تتعدى أن تكون مجرد ( انطباعات ) سريعة علقت في الذاكرة عن المدينة ، دون التعمق أو الاسترسال في وصف او توضيح معالمها وابرز الاماكن فيها ، لانها معروفة لمن زارها ، ومن لم يزرها يمكنه الاطلاع عليها عبر ( الانتريت ) من مختلف المواقع الالكترونية فتعطي صورة واضحة عنها… فثورة المعلومات والاتصالات قربت المسافات ، وجعلت الانسان يعرف عن البلدان والمدن في العالم كله بقدر ما يعرفه عن بلده ومدينته ومنطقته الصغيرة التي يسكن فيها …
وجدت الرحلة الى اسطنبول قد تختلف عن رحلات اخرى .. فهي مدينة يمتزج فيها ترف الحضارة ، وكان ظاهرا عليها بوضوح ، وعبق التاريخ والجو اللطيف ، مع بهاء الجمال باطار خلاب من الطبيعة الساحرة التي تضم خليطا من الالوان الزاهية ، وقد اضافت لها يد الانسان المزيد من اللمسات الجمالية والتنظيم من خلال النظام والنظافة والخدمات عموما والاسواق والمقاهي والمطاعم والمعروضات والتعامل السياحي ووسائل النقل المتطورة ( المترو والترام والباخرة والمركب والباص والتاكسي ) لتقدم خدماتها الى الزائر والمواطن بيسر وسهولة وأسعار معقولة …
مدينة تجمع في صورتها الجميلة بين سحر البحروزرقته ، و طبيعة الجبل في ارتفاعه وانحداره ، في ايقاع منظم ، ومنسجم مع حركة المواقع السياحية ( الصاخبة لكنها دون ضجيج ) ، ونظافة عالية تبهر الناظر ، فتعجب من هدوئها الجميل دون ضوضاء ، وهي تستقبل هذه الملايين الكثيرة ، واللغات العديدة والحركة النشيطة والمستمرة التي لا تتوقف على مدار اليوم …
ولذلك لا تستحق هذه المدينة زيارة واحدة فقط ، وانما تفرض نفسها لتكون على صدارة البرنامج السياحي للانسان في العمركله ، او يختار الاقامة فيها ايضا ، كما اختارها الكثير من جنسيات مختلفة ، ومن بينهم عراقيون …
لقد ساعدني الزميل عصام الشكرجي كثيرا في هذه الرحلة التي اسعدت كثيرا فيها بلقائه وكرم ضيافته على وجبة غداء عراقية طيبة تصدرتها ( الاكلة ) العراقية المعروفة ( تشريب الباميا ) وقد اجادت في طبخها ، الزميلة ( أم محمد ) وعطرتها بانفاسها الكريمة في شقته بمدينة ( جنارجك ) التي تطل على ساحل بحر مرمرة .. ومكنه موقعها ( الاستراتيجي ) من أن يكون ( سائحا دائما ) من بيته ، فيمتد في خياله وبصره منه مع السماء التي تطرزها ( كثبان ) الغيوم فوق البحر ، لتشكل لوحة طبيعية ( بريشة الخالق الجبار ) .. فتجده دائما ( متأملا ) سارحا مع امواج البحر ، والفاتنات الحالمات على ساحله الجميل .. فيختار منها اجمل اللقطات والصور الفنية ، ويرسلها عبر الفيس بك ليستمتع بها اصدقاؤه ومحبوه… وما اكثرهم …
وجدته كما فارقته منذ سنوات طويلة … كما هو في شبابه.. في وفائه للزمالة والصحبة اللطيفة ( النظيقة ) … وكان موفقا في اختياراته للمعالم السياحية والمطاعم والاسواق و( المولات ) التي يمكن التسوق منها خلال هذه المدة القصيرة ، من بين كم كبير من المواقع السياحية والتاريخية والاماكن العامة ساعدتني كثيرا في استغلال الزمن افضل استغلال … فكان موفقا في هذه الاختيارات مثلما كان ناجحا في حياته المهنية في اختيار الخبر الصحفي الذي يفرض ( قوته ) ليس على ( دسك ) التحرير في وكالة الانباء العراقية لاجازته ونشره ، وانما في الصحف والتلفزيون والاذاعة ليكون خبرها الرئيس ، او من عناوينها البارزة في صفحاتها الاولى او نشراتها الرئيسية …
مدينة ( جنارجك ) تغفو على امواج البحر ، وتصحو على اصواته الهادرة وصوت ارتطامها العالي بجدار الشارع الرئيس .. تبحر اليها من اسطنبول بالباخرة التي تبعد عنها مسافة 50 دقيقة ..
اختصر لي ( ابو محمد ) الزمن كثيرا بمعلومات عن الاماكن السياحية والمواقع الطبيعية التي يفترض ان ازورها في البداية في هذه الرحلة القصيرة وصحبني في جولة في مدينة اسطنبول و( جنارجك ) ومدينة (يلوا ) التي تضم عددا كبيرا من العراقيين المقيمين وتبضعنا من اسولقها الجميلة ، ومنها عدت الى اسطنبول في باخرة اخرى ذات طابقين خصص الطابق الاول فيها لنقل السيارات .
وصادفت وصولي الى ميناء ( جنارجك ) امطار غزيرة وموجة برد ( لذيذة ) ، لم أكن مهيأ لها ، وقد اسعفتنا صاحبة المقهى المطلة على البحر التي يرتادها ( عصام وعائلته ) بمظلتها الخاصة ، لنحتمي بها من المطر ..
ومما يبقى في ذاكرتي أنه بعد لحظات بسيطة اعقبت انتهاء زحات المطر ظهرت الشوارع بحلة اجمل وانظف مما كانت ، وقد انصرفت مياه الامطار الى البحر وكأن شيئا لم يحصل ، وعاد ساحل البحر الى نشاطه الكبير من جديد يمتلأ برواده من السائحين والاتراك …
فسبحان الخالق في جمال ما خلق .. واحرى بالمخلوق أن يستغل نعمة الله وفضله افضل استغلال لخدمته…
ومما يلاحظ ايضا ان حركة البواخر كانت مستمرة على مدار اليوم من اسطنبول واليها دون توقف من مرافىء ( امينونو ) و( ايدو ) … تذهب وتعود مليئة بالركاب الذين يتجمعون على ابوابها بكثافة في طوابير لكنها تنصرف بسرعة في انسيابية عالية ونظام رائع وسريع، كما هي مطاراتها ايضا التي تزدحم بالمسافرين وتؤشر جوازاتهم للدخول بانسيابية ونظام وسرعة دون تعقيد او انتظار طويل يسبب الملل والضجر..
الحركة الكبيرة للبشر في اسطنبول وتوابعها والنشاط السياحي الكبير تشعرك انك في مدينة حية تعيش منسجمة مع ايقاع العصر وتقدمه ، و تحافظ في الوقت نفسه على تاريخها … فجعلت منها مدينة تمزج بين الاسطورة والواقع .. والخيال والحقيقة …
وقد ساعدتني الاقامة في فندق في منطقة مسجد السلطان احمد كثيرا في الحركة والتنقل بسهولة ، في المناطق السياحية والتاريخية في مسجد السلطان احمد المعروف بالمسجد الازرق ، حيث يطغى هذا اللون عليه و هو لون بلاطه الازرق ايضا ، و يمتاز بمآذنه الست التي جعلته متميزا عن المساجد الاخرى التي تحمل اربع مآذن ..ويعد من اشهر واهم المساجد في اسطنبول ، وبناه السلطان احمد عام 1609م حسب النقوش والمعلومات المتوفره داخله ، ويضم نحو 21043 قطعة خزفية وملاحق تشمل قصر السلطان ومدارس دينية ومستشفى وحدائق كثيرة وغيرها من الملاحق المهمة الكثيرة ، جعلت منه تحفة فنية فريدة …
وقريبا من مسجد السلطان احمد يقع قصر توبكابي او قصر ( الباب العالي ) وهو من بين اشهر المواقع التاريخية ويأخذ اهميته كونه كان مقر صنع القرار في الدولة العثمانية واقامة السلاطين على مدى اربعة قرون واثارهم و يحتوي على مخطوطات ومجوهرات وعروش السلاطين واجنحة زوجاتهم وديوان السلطان والخدم والحرس والهدايا وصور السلاطين ويحتوي ايضا على اثار اسلامية منها ما يتعلق بالرسول محمد ( ص ) ومنها بردته و سيفه وغيرها من الكنوز الثمينة التي جعلت القصرفي حالة اكتظاظ دائم بالزائرين ..
وبالقرب منه يقع متحف ( آيا صوفيا ) وهو من المواقع التاريخية الرائعة التي يؤمها السائحون وتقع في الجهة المقابلة للمسجد ويضم المئات من الكنوز الاسلامية والمسيحية وتحيط به الحدائق والاشجار العالية التي اصبحت مصدر جذب للزوار …
وعلى مسافة ثلاث محطات من مسجد السلطان احمد يوجد ميدان ( امينونو) وهو اكثر مناطق اسطنبول شهرة ويعد مركزا استراتيجيا و هو في حالة ازدحام دائم بالسياح ، ويعد همزة وصل بين الشطرين الاوربي والاسيوي عن طريق بواخر وعبارات ، و ( ترام ) عبر جسر معروف تنتشر تحته وعلى امتداد الميدان مطاعم واكشاك بيع السمك المشوي …
وفي الجهة المقابلة للميدان تنتشر اسواق كثيرة لبيع مختلف السلع والبضائع والهدايا من بينها السوق المصري المزدحم بزبائه على مدار اليوم …
ووجود الفندق في منطقة السلطان احمد يتيح لساكنه الاطلاع من طوابقه العليا على البحر وكورنيشه الجميل التي يضج بحركة السائحين ومن بينهم من كان يستمع بهواية الصيد بصنارات معروضة للبيع في هذا المكان الذي يذكرك بكورنيش الروشة في بيروت او ممارسة رياضة المشي …وبذلك تحول الكورنيش الى مركز جذب أخر لممارسة هذه الهوايات …
مناطق كثيرة في اسطنبول لا تكفيها هذه المدة القصيرة .. تتصدرها منطقة تقسيم وميدانها الشهير وشارع الاستقلال الذي يشهد حركة واسعة واقبالا كبيرا من السائحين لما يضمه من مراكز للفنون والثقافة والترفيه والتبضع والاماكن العامة والمطاعم والمحلات جعلته ان يكون من اشهر الاماكن السياحية ..
هذه الاسطر انطباعات شخصية سريعة مما اتاحه زمن الزيارة القصير لي عن مدينة لا تقول لها وداعا عند مغادرتها .. بل تقول لها بشوق … الى اللقاء مرة ثانية ، ومرات ….
مدينة صنعتها مختلف العوامل لتجعل منها مركز جذب سياحي ، وليس عاملا واحدا فقط … فالطبيعة وحدها لا تصنع بلدا سياحيا ، ولا التاريخ وحده يصنع بلدا متطورا جاذبا للسائح ، إن لم تمتد لها يد الانسان بالرعاية والاستثمار الامثل ، بما يحقق أثرها الملموس عليه في كل نواحي حياته ، وتطور بلاده .
فاين نحن من هذه التجارب الان ..؟..
– الواقع يجيب .. {{{{{{
كلام مفيد :
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني اليه في الخلد نفسي
( احمد شوقي ) …
=================================================.


















