التناص في قصص أنا والآخر – نجاح هادي كبة

التناص في قصص أنا والآخر – نجاح هادي كبة

أنا والآخر إضمامة قصص قصيرة جداً صادرة ضمن مشروع منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق العام 2018م / ط 1 بحدود 169 صفحة  ،  من القطع المتوسط تتراوح القصص بين الطول والقصر حتى يصل بعضها الى قصة الومضة ،  والقاص – بحدود علمي – جرّب تكنيكاً جديداً في كتابة القصة القصيرة جداً ومع ان كل تجريب لا يؤدي بالضرورة الى الجديد لكن القاص نهار حسب الله أثبت أن تجريبه أدّى الى تجديد في كتابة القصة القصيرة جداً من خلال توظيفه أفكاراً موجزة جداً في شتى ميادين الحياة لمجموعة من الأدباء والمفكرين العرب والأجانب ،  الذكور والإناث لكي يتناص مع تلك الأفكار بأسلوب كتابته للقصة القصيرة جداً ،  وهكذا تأتي قصصه متضمنة هذا التناص أو ممهدة له و تدور حوله وتكون الخاتمة بضربة مفاجئة من خلال إفادته من هذا التناص فمن عناوين قصصه : أنا و طه حسين ،  أنا ونيلسون مانديلا ،  أنا ومظفر النواب ،  أنا وشيركوبيكه س ،  أنا وسارتر ،  أنا ولطفية الدليمي ،  أنا وأنديرا غاندي ……..الخ  .

فالقاص يختطف بعض مقولاتهم الموجزة السياسية والاجتماعية والثقافية ………الخ لكي يبني من خلالها الهيكل العام لقصصه وهو في كل ذلك يلتزم بشروط أسلوب كتابة القصة القصيرة جداً من حيث الطول والبناء إذ تنتهي قصصه بخاتمة تأتي كضربة مفاجئة ،  أما حبكته فقصيرة  وسريعة عموما كأنها لقطة سينمية خاطفة ومضمونها صورة من الحياة اليومية بلغة جمالية واقعية ملتزمة وبعقدة تشكل العمود الفقري لمضامين قصصه .

وعناوين قصصه أنا والآخر  مناص لنصوص قصصه – بحسب جيرار جنيت – وهي ثريا النص – بحسب ــ بارت ــ إذ حاول القاص ان يبرهن من خلال عناوينه أنا والآخر  ان يرتفع فكره الى مصاف أفكار الأدباء والمفكرين التي تناص معها فكانت أناه حاضرة في قصصه الى جانب أنا الآخر ما جعل العنوان مناصاً أو مفتاحاً لمضمون قصصه فالعنوان عتبة شاعرية مهمة من عتبات النص – كما يرى ـــ جنيت – أيضاً وعلى النحو الآتي يتضح أنواع التناص في قصصه التي شكّل من خلالها الهيكل العام لقصصه التي تبدو فيها الجدة بعيداً عن الكلام المستهلك على وفق ما أشار إليه جيني في الإستتباعات  المعرفية للتناص  :

1ـ التناص كاختطاف ثقافي : يحاول القاص نهار حسب الله إعطاء دينامية حركية لقصصه بالإفادة من أفكار أدباء ومفكرين عبر محاكاتها إذ أصبحت أفكارهم شائعة ولابد من استخراج أجود ما فيها لتقديمه بشكل أفضل فتمتزج لغته بلغة الآخر لكي يكون تناصه أقوى من الأول أو يضارعه في القوة ولكي يؤكده أو ينقضه وبذلك مارس القاص دور الناقد ،  ومن أمثلة ذلك قصة أنا وفيكتور هوغو 1 . إذ يؤكد القاص فكرته بفكرة أقوى ويؤكدها : منذ الصبا وأنا مولع بحروف الأديب والشاعر الفرنسي فيكتور هوغو …. وكنت قريبا ً من كتاباته كلها ؛ وكأنها تخاطبني دون غيري من القراء حتى ان أقواله صارت تلازم فكري وترتبط بلفظي ،  وذات سهرة جمعتني بوالدي العجوز الذي أكل الزمن تعابير وجهه وغيبها تماماً ،  حتى بدا وكأنه ابتلع اسنانه الباسمة …… أردت  انتزاع هموم الدنيا وأثقالها من صدره ،  فبادرت باقتباس حكمة لفيكتور هوغو  سر العبقرية هو ان تحمل روح الطفولة الى الشيخوخة  وبقيت أرصد وانتظر إجابته ،  حتى نطق بصوت كئيب ……. دعك من مثالية الكتب ،  وانظر بعيون مفتوحة لما يدور حولك … لحظتها فقط ستعلم ان أطفالنا يشيخون في بطون امهاتهم  ص50-51  .

1 -وجاء في قصة أنا والبير كامو  ظل راسخاً في ذهني تعريف المؤلف الفرنسي البير كامو للثائر بأنه رجل يقول لا  وعلى الرغم من استفحال ورم الصمت المستشري بداخلي والذي توارثته عن أجدادي ــ احتفظت بهذا التعريف علّه  يساندني في مراحل عمري العلاجية 2-غير أنهم اعتقلوني وقطعوا لساني بدافع الجاسوسية والإلحاد ! ص:76 .فالقاص هنا جاءت خاتمة قصته بضربة مفاجئة أقوى وأكثر تأكيداً من مقولة البيركامو .

2– التناص بما هو إعادة انعاش للمعنى : يحاول القاص في عدد من قصصه خلخلة الفكرة الساحقة ومنعها من التحجر والسقوط بالنمطية و الكليشية والمواطئ المشتركة والعبارات المسكوكة والنهائية  لكي لا تكرر الفكرة بشكل آلي وتخضع لتأويل دلالي جديد بعد انسلاخها من شكلها السابق ولكي لا يكون معنى الفكرة جامداً تلوكها الألسن فعملية انعاش المعنى يعني انتشاله من السقوط والابتذال وإعطاءه  دماء جديدة متدفقة . كما جاء في قصة أنا ورسول حمزاتوف  :علمني حمزاتوف خير حكمة للكرامة وحفظ ماء الوجه يمكن للرجل ان يركع في حالتين : ليشرب من العين ،  وليقطف زهرة  غير إنه قالها بعد ان تُسختْ ملامح وجهي على أحذية الجلادين.

معاني الالم

وكما جاء في قصة أنا وهيلين كيلر  : قبل ان تتلوث خصال شعري السوداء بالفضة ،  وقبل أن أعرف معاني الآلم ومرارة العجز ،   وقبل ان أصبح مجرد انفاس على الأرض ،  وقبل أن اعرف معاني المرض ،  وقبل ان تذبل زهرة شبابي – كنت قد طالعت مقولة هيلين كيلر لا يجب ان نزحف عندما نشعر بشيء يدفعنا للطيران  آمنت بها وتفاعلت معها اشد تفاعل ،  مما جعلني أحلق عاليا ولآمد طويل – أما الآن فلم أعد قادراً على سماع تلك المقولة أو تلفظها ،  خوف ان تطير روحي الى السماء وتهجر جسدي دونما عودة  ص:137. وفي هذه القصة إضافة إلى كون التناص إعادة لانعاش المعنى فإنها تنطوي على سخرية ولابد من الإشارة الى أن السخرية قليلة في قصصه.

 3-التناص بما هو تمطيط : وفيه حاول القاص تبسيط الفكرة من خلال التداعي في مخزون ذاكرته ويستند في ذلك الى تفسير الفكرة التي يتناولها بالشرح والتفصيل وتكون الفكرة التي ينتاص معها هي محور شرحه وتفسيره ومن أمثلة ذلك قصة أنا وجورج اليوت 2:تقول اليوت ان لكلماتنا أجنحة لكنها لا تطير حيث تشاء  وبهذا نكون قد أدركنا ان توسلاتنا لا تقلع وتصل الى السماء وإنما غالبا ما تحاول أيهامنا بالطيران ومن ثم تسقط على رؤوسنا وتحطم أحلامنا و أمنياتنا كلها…….  ص44  .  وكما جاء في قصة أنا وسوفوكليس 2 : كنت ولوقت قريب أنتمي للفكر المتحرر ،  وأساند مفاهيم الحرية كلها …. وكنت قد رهنت نفسي وربيتها على الصراع مع كل من يعمل على مصادرة واغتصاب الحريات – تسلحت بالعديد من الكتب والنظريات وناقشت الكثير من الآراء وعلى الرغم من أني لم أتمكن من تغيير أي شيء من الواقع الدكتاتوري الذي ولدت فيه ،  الا أني أردت البقاء في دائرة الصراع مع التطرف والتخلف ،  وهو الأمر الذي جعلني استوطن في السجون كأني قاتل مأجور ،  وانتقل من محكمة لأخرى  حتى نسيت التمييز بين الصباح والمساء وبين خيوط الشمس وزخات المطر وفي إحدى المحاكمات ،  وقفت أمام القاضي ورددت حكمة سوفوكليس  إن كان جسدي متعبداً فعقلي صار حراً  أبتسم القاضي إبتسامة عريضة وأوعز باستئصال عقلي وتحنيطه  واطلاق سراح جسدي ص: 119-118 . فالشرح والتفسير يرجعنا الى تعريف جوليا كريستفا بأنه يحمل المعنى نفسه الذي يرمي إليه التناص.

 4-التناص بوصفه تجريداً : وهو ما أطلق عليه جيرار جنيت معمارية النص وهو أكثر تضمينا  للنص السابق بل يخفيه ويستره بلغة جديدة هي غير لغته ومن أمثلة ذلك قصة أنا وجورج صاند I : في بداية مسيرتي الفنية ،  تأثرت بحكمة الروائية الفرنسية جورج صاند مهمة الفنان ان ينير قلب الإنسان  مما جعلني أتسلق قمم الفنون الشاهقة وانتقل باحترافية عالية ما بين اللحن والرسم ولغة الألوان ،  ومن ثم القفز الى منطقتي الشعر والسرد — وفي كل أنتقالة خطرة كنت أبحث عن ذلك الإنسان الذي من شأني بث النور الى قلبه ،  مما دعاني الى تسلق قمة النحت على الحجر ، قسوت على نفسي وأرهقتها لاحتراف هذا الاختيار الصعب ،  عساني أنحت قلباً يمكنني انارته ولو بطلاء  معين بعدما فقدت الآمل نهائياً  بوجود الإنسان في هذا العالم  ص: 158  .

وكما جاء في قصة أنا وفرجينيا وولف I : غيرت معالم الكون ،  وغطيت زرقة السماء بوشاح أسود  وأخفيت البلابل من دون أصواتها — ألغيت حاسة البصر وحولت مدينتي المبصرة إلى مدينة عمياء ،  بعد  أن فقأت عيون سكانها إلّا عيني  لم أحبذ رؤية انعكاس وجهي داخل العيون الملونة ولم أكن مجرماً أو دكتاتوراً ،  بل كنت قد تفاعلت مع حكمة المؤلفة البريطانية فرجينيا وولف  أعين الآخرين سجوننا  ص56: .

5- التناص بالعكس : جاء في معجم المعاني الجامع ان عكس بوزن فعل وعكس الشيء  قلبه  وعكس النور : حوّل اتجاهه في اتجاه معاكس ،  والعكس : النقيض . وفي قصص حسب الله يحيى توظيف  للتناص بالعكس فهو يحوّل النص الأصلي المتناص معه الى نص نقيض له ،  جاء في قصة أنا ومالكوم إكس I : يرى الناشط الأميركي مالكوم إكس ان التعليم جواز السفر الى المستقبل  من دون ان يعلم ان العلم في مجتمعنا لا يعني الا حجز مكان للنوم على الاسفلت .  ص113:  .  وجاء في قصة أنا وتوماس كارليل I كثيراً ما أفكر بأعمال العنف التي صارت تطرق أبواب الجميع من دون تحديد هدف أو قضية ،  حتى باتت تتلمس أطفالنا وهم في بطون امهاتهم ،  ولا لشيء ألا لمجرد أنهم ينتظرون إبصار الحياة — طالعت الكثير من الكتب حتى وصلت الى مقولة للكاتب والمؤرخ الاسكتلندي توماس كارليل  ليس للاقتناع قيمة إذا لم يتحول الى سلوك وهو الأمر الذي أدخلني في دوامة من الحيرة ،  ترى كيف نحول السلوك العدواني الى قناعة،  وهل لأطفالنا دور في تغير هذه القناعات العفنة ؟!  ص:111.

  • استنتاج وتعقيب

من طريق ما تقدم يتضح :

 1-قدرة القاص على المعرفة من خلال تعرف البصمة الشخصية الفكرية لعدد كبير من المشهورين كالأدباء والمفكرين.

 2-إمكانية القاص على فهم تلك البصمة الشخصية الفكرية وقدرته على تحليلها وتركيبها بأنواع التناص – الذي سبق ذكره – بعد ان قام بتقويمها أي إصدار حكم عليها ان كان ذا أثر حسن أو غير حسن .

3 -لقد مهدت له البصمة الشخصية الفكرية لكبار المشهورين كالأدباء والمفكرين ان يبدع الهيكل العام لقصصه القصيرة،  ومن خلال خبرته الشخصية .

 4 -لقد استطاع القاص ان يجدد في أسلوب كتابته للقصة من حيث الشكل والمضمون .

المصادر المساعدة

1-   أدونيس منتحلا ،  كاظم جهاد ،  مكتبة مدبولي ،  1993م ،  بلا مكان.

2-   ويكيبيديا ،  الموسوعة الحرة .