
قراءة في كتب صدرت حديثاً
التكرار ضعف أم قوة للنص الإبداعي ؟
زيد الحلي
اشعرُ بفرح ، حينما اجد احد الزملاء ، لم يسرقه عمله المهني اليومي من شاعريته وموهبته في كتابة الرواية ام القصة ، ومبعث هذا الفرح متأت من قناعتي بأن اللغة الصحفية بما تملكه من بساطة وجرس مجتمعي ، تسهم في تقديم نوع ادبي خال من التعقيد اللغوي الذي نلمسه لدى بعض الادباء والشعراء ، الذين يعتمدون على اللفظة غير المتداولة ، ويعتبرون ذلك من مستلزمات الابداع !
وامامي ثلاثة اصدارات ، للزميل الصحفي مؤيد عبد الزهرة ، رأت النور مؤخرا .. هي : ديوانا شعر ، الاول بعنوان ( على جناح الشوق آتيك / طبعة ثانية ) والثاني بعنوان ( للجدران كراهية .. للغيم أظافر ) ومجموعة قصصية بعنوان ( ريحان الزمن ونعناع الذكريات ) ..
في ديوان ( على جناح الشوق آتيك ) يلج عبد الزهرة ، عالما في اللا مرئي ، عالم من البهاء الروحي ، يقول لقارئه لا تدع غيرك يلون حياتك ، فربما لا يملك هذا ( الغير ) بيده سوى قلم أسود، وان الجروح ليست سوى هدايا من أشخاص مرضى الذات ، ولا تكدسوا أحزانكم فقد تنفجروا في وقت غير مناسب للانفجار، ونحن لا نحب أشخاصاً كاملين، ولكن نرى الكمال فيمن نُحب ..
وفي قصيدة ( الحب الصادق ) نقرأ:
نحلم ببيت أسواره قصائد
سقفه نجوم
محتوياته قلوب نابضة بالحب
الحب الصادق لا يشيخ
بل يتجدد
يتناسل مع الزمن
يتبرعم وينمو
******
الحب في شعر مؤيد عبد الزهرة ، هو الأكثر عذوبةً والأكثر مرارةً.. هو دمعة تسيل وشمعة تنطفئ ، والعمر بدون حبيبة يختفي ومن دونه قلبه ينتهي… هو شاعر متناه ، ومتيم بالعشق ، ففي مناجاة له يقول :
( يا انت
حبنا خلع اضراس الخوف
حطم فك الزمان
وغادر الخرافة
بجناحين من الورد
فجرا جديدا )
وعن هذا الوله والعشق يؤكد في اضاءته بمفتتح الديوان : لستُ شاعرا متفردا ، ولن ابلغ شيئا من قامة الشعراء ، لأقول ما اقول او ارسم ما ارسم من صور قد يراها البعض غير مترابطة او متوازنة ليحاكمها وفق مقاييس النثر او الشعر .. يكفيني انّي اكتب بنبض القلب حين يقهر ، ما أحسُ به من مشاعر ابوح بها .. لتنطلق حرة ، بعيدة عن اي قيد ، انها سيرة حب ، يمثل هبة من هبات الله لنا .. الحب وطن يسكن الضلوع ولهذا نقاتل من اجله ..
جدران الكراهية
وفي ديوانه الثاني ( للكراهية جدران .. للغيم اظافر) تتجلى قيم انسانية شاسعة المدى في قصائده الـ 86 قصيرة .. ففي احداها يقول الشاعر عبد الزهرة :
(للكراهيةِ جدران
للمناطقِ هويات عرجاء
ترسمُ الخصومةَ
بلا حدودٍ فاصلةٍ
تماماً بينها
وحدها الشوارعُ مختلطةُ
هديرُها
لابد أن تسقطَ الجدرانُ
لابد )
******
توقفت كثيرا ، امام قصيدته ( سامح ) حيث ندرك ان من عاشر الناس بالمسامحه ، زاد إستمتاعه بهم. فالتسامح جزء من العدالة ،والحياة أقصر من أن نقضيها في تسجيل الأخطاء التي يرتكبها غيرنا في حقنا أو في تغذية روح العداء بين الناس ، والمسامحة هي عملية تتشافى بها روحك ، تحدث في قلبك وروحك من الداخل، وإن أول إحساس يصيبك هو الإحساس بالحرية وقبول القضاء والقدر، وأعقل الناس أعذرهم للناس.. وهو يقول :
( ياصاحبي ..
لتعيش زهو الأمانِ
كبرياءُ السلامِ
أزدهارُ الحياةِ
أردم مستنقعات الكراهيةِ
أنزع ثيابَ الحقدِ
غادر عبوسك ..
لاتتوكأ على هلوسةِ الثاراتِ
أوحالُ الدمِ بالدمِ
ذلكَ ميراثُنا من العارِ
سامح ما أستطعت
النسيانُ نعمةٌ ..
وأفتحُ ذراعيكِ لنجمةٍ تراقصُ
القمرُ ..
شرع نوافذ القلبِ
لأبتساماتِ فراشة تطاردُ ضوءك
تنامُ في جسدِك
ستَخضرُ حياتكَ وتزهرُ ربيعاً
على مدارِ الزمنِ )
ريحان الزمن ..
اما مجموعته القصصية ( ريحان الزمن ونعناع الذكريات ) فقد امتزج فيها الشعر بالقصة ، والقصة بالموقف ، وتفاوتت نصوصه طولا وقصرا… وهو يقتفي خطى رواد القصة القصيرة .، ولاسيما يوسف إدريس .. أمير القصة العربية القصيرة .. حيث تميز في طرحه وفي مواضيعه، ورؤيته القصصية… وذاتية الكاتب الساردة تجعلنا، جازمين أن الكاتب قد تحول إلى ذات واعية ، تتلبس المواقف والشخوص، لتعطينا هذه الصور.. القصص القصيرة… وبدا لي ، ان مؤيد عبد الزهرة ، يعرف ويعي أن فن القصة القصيرة، هو فن كيفية اختطاف اللقطة أو المشهد المعبر والمؤثر.. وقد زاوج بين القصة القصيرة وفن الومضة ، والتكثيف والإبراق السريع.. ويأخذ شكلها عنده شكل الأسطر الشعرية، والكتابة التلغرافية.. وهذا قد زاد من جماليتها .. وأنها عنده ، رسالة عليه أن يعطيها حقها من الشفافية والمصداقية، والموضوعية.. وبالتالي الكتابة عنده تعبير عن الذات، وتحقيق لوجود، وفهم للعالم والمحيط.. يعيد بناء هذا العالم في صور مختلفة تتدرج من الواقعية إلى التهكم والنقد، والتعرية، والنكتة الساخرة، واللاذعة، والموقف الساخر…
تكرار ممنهج ام عشوائي ؟
من خلال قراءتي ، لمنجز الصديق مؤيد عبد الزهرة ، لاحظتُ تكراره اللفظي لعناوين قصائده وقصصه مثل ( للفرح رايات ، للضحكة سماء ، للأحلام اجنحة ، للدهشة لباس ، للضحكة شارب ، للحق اجنحة تحلق عالياَ ، للهواجس بئر ، للحنين اظافر ، للزمن أخاديد ، للحنين موجة ، للأحلام وسادة ، للحنين أهداب ، للغزلان دموع ، للحلم اجنحة ، للغائبين بقايا لا ترحل .. ) وغيرها ومن التمعن في هذه الجزئية ، توقعت ان عمله الصحفي الطويل ، فرض عليه ، البحث عن عناوين جذابة للقارئ ، لكني وجدته محقاً في تأكيد ذلك التكرار في قصائده ، وقصصه ..فالتكرار احد علامات الجمال البارزة ، وهو مصدر دال على المبالغة من (الكر)، ويراد به التكثير في الافعال. والتكرار بالمعنى العام (الاعادة) ظاهرة تنظيم الكون والوجود والطبيعة وجسم الانسان قبل ان تكون ظاهرة في الفنون المختلفة. فهو في الكون ماثل في بوضوح في تكرار “دوران الافلاك وظهور النجوم والكواكب وأختفائها ، وفي الطبيعة والوجود، فالتكرار متمثل بشكل ثنائي في تناوب الليل والنهار بشروق الشمس وغروبها، وفي تكرار اوجه القمر، وفي تعاقب اوجه القمر مدا وجزرا، وبشكل رباعي في تعاقب فصول السنة الاربعة ، فالتكرار اذن في كل مكان وعلى جميع المستويات حيث تسلك الطبيعة مسلكا متموجا تعود من حيث بدأت في حلقات او دورات تتشابه بدرجات متفاوتة
وتشكل ظاهرة التكرار في الشعر والادب العربي بأشكال مختلفة متنوعة فهي تبدا من الحرف وتمتد الى الكلمة او العبارة والى بيت الشعر، وكل جانب يعمل على ابراز جانب تاثيري خاص للتكرار.. فالتكرار اذن ظاهرة موسيقية ومعنوية تقتضي الاتيان بلفظ متعلق بمعنى، ثم اعادة اللفظ مع معنى اخر في نفس الكلام.. فأكثر اخي مؤيد من هذا التكرار الشهي !
دعوة لزملائي الصحفيين من مجرب : ادخلوا عالم الادب والشعر ، فأنتم صناع الكلمة ، وبستان الابداع ينتظركم ، لا تجعلوا العمل اليومي يبعدكم عن القراءة الابداعية ، والكتابة الابداعية.
























