التقاعد على حلبة الصراع – عبدالزهرة خالد

 

التقاعد على حلبة الصراع – عبدالزهرة خالد

ترددت كثيراً في الكتابة عن التقاعد بكل مجالات المعنى والمحتوى فإن أردت الشروع بالكتابة علي أن أفتح حقيبة الذكريات التي تراكمت من جراء عمل مضن مدة أكثر من أربعين عا م وعام بما فيها من حلاوة ومرارة. فأحاول التركيز على وحدة الموضوع بدون التشعب أو التطرق الى أول يوم دخولي الدائرة إلى آخر يوم لتوديع الأصدقاء وهو عادة نهاية سنة 2015 ولم يكن في دراستي الجامعية ذكر لها ولم أكن غنياً كي أودع أموالي وأموال والدي لدى المصرف القريب من السوق الكبير في المدينة ولم يخطر في بالي أن أكون مديراً لمن دربني وعلمني كتابة القيود وجمع الحسابات اليومية والختامية .ولم أتوقع يوماً أني سأنزع ضباب الخوف والخشية من طريقي اليومي والذي لازمني طوال حياتي بإمتحان دقيق لدرس الرياضيات والمدرس قاس وحريص على أي خطأ متعمداً كان أو سهواً متناسياً العقوبات والتحقيقات.كل ذلك علي طي الماضي ووضعه جانباً أو تحت منضدتي التي أكتب بها هذا المقال.أبداً لم أفكر في مصاحبة واسطة أو دفع رشوة لموظف التقاعد لأني قد ضمنت حقوقي بعدما أستلمت براءة ذمتي من أموال الدولة برمتها فقلت في داخلي لا داعي للتوسل أو الرجاء من موظف الواردة عندما أستقبلني بأول يوم المراجعة ليعطيني رقم الواردة بعد شهر كامل على ملفي الكبير في أوراقه ومعانيه. ثم الموعد الثاني والثالث والرابع في حين أحد زملائي قد أنجز معاملته ولربما براتب أعلى من راتبي رغم أننا نتوحد بالوظيفة في نفس الدائرة وبنفس العمر والخدمة والشهادة والأولاد. وبعد رحلة دامت ثمانية أشهر وعرفت كيف تقف الناس في طوابير تحت شمس الصيف اللاهب في مديتنا البصرة القاسية أيام القيظ . عرفت ما قيمة الفرد العراقي عندما تتنازل عنه مناصبه وكراسيه التي جلس عليها والله أعلم كم هو عددها وما مصيرها الآن . لم أعلم لماذا بعض الناس تملك حقدا شنيعاً وكبيراً لدولتهم الأبية ولا كنت أتصور أن معظم شيوخ ( كبار السن ) هذا البلد في عدم رضا عن إي إحسان قد يجيء عفوياً مع قرارات الرئيس أو الوزير بحسبان مكرمة أو فضل ينجز لحساب المكرمات.نعم دخلت بدون أن أطرق الباب أو إستئذان أحد الى عالم يحده من أمامه حفرة قد تليق بجسده المحمول ليغطيه رمال وادي السلام ومن ورائه فرصة العمل التي تضاءلت بشكل كبير بينما عرضت عليّ العمل لدى البنوك الأهلية أو مكاتب الاستثمارات لدى الأحزاب فرفضت كوني لا أرغب أن أكون تحت أمرة أي حزب أو رجل أعمال فمن ذاق كرامة الدولة تصعب عليه مذلة الآخرين. لم أتخل عن مسؤولتي التي باتت على عاتقي منذ ولادة أبني البكر لغاية آخر عنقود من ذريتي فأحس باستمرار العهد على المواصلة في سبيل سعادتهم .ولن تضيع الأحلام التي رتبتها على رفوف المستقبلمن السياحة والسفر والاستمتاع بمشاهدة المناظر الطبيعية والاصطناعية لكن ثقل الحاضر زاد من تشبثي بالأرض التي أسكن فيها والتمتع بالمطالعة والتأليف وترتيب كل مؤلفاتي التي عانت الأهمال أيام أنشغالي في مجاراة الوظيفة وظروفها .عليه أرى أني أرتكبت سيئةً قد لا يغفرها وطني حينما رميت كل ما تجمع لدي من خبرة ومهارة وتجربة في سلة النفايات ونفضت يديّ من غبار التعب في خدمة أقتصاد البلد الذي ذاق ويلات الحروب والحصار وحلاوة الديمقراطية الحديثة .

رد فعل

لم أشعر في نغمة موضوعي هذا حينما تكون ردة فعل ملاحظته بأسلوب أدبي في تركت الجانب العلمي قريباً من دائرة التقاعد بشكل يجاور أصحاب أجهزة الاستنساخ والتصوير وكتاب العرائض ليرشدوك على السيارة التي تقلك الى بيتك بأسرع وقت لأنك ندمت على تلك الاعوام التي قضيتها لأجل السمعة في النزاهة والشرف ولا أقصد هيئة النزاهة التي تحتاج الى أجهزة تصفية وتعقيم.

من هنا قد أحتاج على تلاوة الخاتمة في بيان رسمي يذاع عبر مكبرات الصمت من باب السكوت أبلغ الكلام لنعلن أن التقاعد هنا في وطني يبدأ بتحضير خشب التابوت ومساميره ومطرقة المشيعين ثم الندم أو عفا الله عما سلف والتوجه الى الاستغفار والشكر لله على نعمةٍ قد لا يشعر بها أحد إلا الذين تبرأت ذمتهم من الدولة ولا يبق على عاتقهم أية بقعة من بقع الفساد الدهنية أو صبغة من الشبهات الملونة للعلم أغلب زملائي لم ينالوا حقوقهم التقاعدية لأسباب إدارية وعقوبات جزائية نتيجة أهمال متعمد أو غير متعمد .هكذا كانت الامتحانات اليومية تطرح أسئلتها على منضدة الدوام بشكل مستمر والى يومنا هذا لم أتمتع في النوم بعد الساعة الثامنة صباحاً مثلما يفعله الأولاد والأحفاد وقد يستغرب التلفاز عندما أتابع نشرة الأخبار الصباحية لوحدي بكامل قواي العقلية والعاطفية بدون كلمة تعودت على ترددها يومياً وهي (أكعد جدو خلينا نسمع أكعدي جدو خلينا نفتهم) قد لا يرغب الحديث أن ينهي نفسه بدون إثارة القارئ لأنه طويل ولا يمكن إختصار كل هذا الزمن الذي مرّ بشقائه وتعاسته ومرارته على الموظف وأخيراً يجد نفسه يستجدي موعد راتبه ويستجدي كرامته التي أسقطها موظفو التقاعد تحت مناضدهم العتيقة التي يتخذونها مصداً لزحمة المراجعين . عندما ترى منظر الدائرة وهي تشبه أسوأ حال في هيكل البناية ومن عشوائية تنظيم الأقسام إضافة الى الطوابير التي تقف أمام الشبابيك الخلفية بينما تنث على الواقف الأجهزة الخارجية لأجهزة التبريد هواء ساخن ينفع في تجفيف الشعر المبلل لحظة الاستحمام في أيام الشتوية الباردة وقد تستغرب أن معظم موظفي الدائرة هم من المعاقبين والمنقولين من دوائر أخرى بحيث أن مديرهم رجل مسن كبير يلعن اليوم الذي ولد فيه وهو قابع على كرسي له صرير القدم وبحة اليأس تعلو صوته .ماذا لو نخلص كل ما قلناه لنقول مرحلة التقاعد هنا في مدينتي لا مثيل لها في بلدان العالم من بؤس ويأس وفقر ومرض وعوز وفقدان الكرامة. وماذا بعد حينما يفكر المتقاعد بموته بشكل يومي وأعتقد أنه تعرف على وجه عزرائيل عن قرب ربما يصف ملامحه بشكل دقيق..