
التصدع الكبير وبداية الإنهيار – طلال الحريري
مرت الدولة العراقية بعد اسقاط النظام السابق في ابريل عام 2003 بعدة ازمات بنيوية وسياسية وامنية انعكست على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي . فلم تكن ازمات مؤقتة بل كانت ازمات تراكمية اخذت صفة الاستمرارية بمسار بدأ يأخذ بالتوسع الى ان اصطدم بالتحولات الشرق اوسطية والدولية التي ساهم الاسلام السياسي ببلورتها حتى اصبحت تحولات ممهدة لمتغيرات سياسية كبرى في الشرق الاوسط خاصة مسألتي الارهاب والتمدد الايراني في المنطقة وتنامي حدة الخطاب السياسي المناهض لهاتين المسألتين. لذلك اصبحت احزاب الاسلام السياسي بين مفترق طرق وتجاذبات وعدم استقرار وفوضى عززتها عدة متغيرات كالرفض الشعبي للاسلام السياسي وتنامي فكرة الدولة المدنية ورفض الهيمنة الاجنبية والسياسات الطائفية وتسييس الدين. ان احزاب الاسلام السياسي تفتقر لابسط ادوات المواجهة كونها منظومة فاسدة وغير منظمة لذلك تحول الصراع داخليا واصبح التصدع سمة طبيعية لمرحلة مهمة تعصف بالاسلام السياسي.
ما يهمنا في هذه المسالة هو السلوك او الالية التي من خلالها يوضح مسار الانقسامات والتفسخ السياسي خاصة في بنية احزاب الاسلام السياسي والواضح هو ان المجلس الاعلى لم يشهد حالة انقسام كما هو واضح بل يعيش حالة تفكك مستمر وانحسار لدوره السياسي وان اغلب قياداته الحزبية متصارعة على الزعامة وما يعكس ذلك هو انتخاب همام حمودي حيث يعد خيارا وسطيا مؤقتا لا يمثل حلا متكاملا برؤية سياسية واضحة فلن يضيف الا مزيدا من الصراعات والصدامات التي ستنتهي بتجمعات سياسية شخصية محدودة . لقد ولد تيار الحكمة من هذا الجسد غير المنسجم حيث يعد مرحلة مؤقتة كونه لم يخرج من وعاء الاسلام السياسي ولا يمتلك اي اداة للنجاح الجماهيري كما ان مفهوم الشخصنة واضح جدا حيث يمثل ارادة عائلة وليس ارادة حزب! وبذلك يمثل امتدادا لثقرطة العوائل الدينية التي تؤمن بان وجودها حتمي-تاريخي مقدس وان تنامي الفكر المدني العلماني يهدد وجودها السياسي والاجتماعي. هذه الاشكاليات والمسائل ليست متعلقة بالمجلس الاعلى فقط، بل هي حالة عامة وتصدع عظيم يجتاح احزاب السلطة بما فيها حزب الدعوة الذي بدأ فايروس التفكك يُصيبه في مركز قيادته وقراره، حيث تتجه البوصلة الى انشطار كبير بثلاثة اتجاهات سياسية الاول يمثله المحافظون (المتشددون) وعلى رأسهم المالكي، والثاني اتجاه وسط يتزعمه العبادي، اما الثالث فهو الاتجاه الاضعف الذي تمثله اذرع وحركات تم تأسيسها مسبقا وهي تعاني حالة عدم انسجام وصراع دائم على النفوذ السياسي وتعاني شح البرامج الواضحة.
ان المتتبع للشأن السياسي والمراقب للاسلام السياسي يعي جيدا هذه التحولات، فهي ليست وليدة اليوم وليست مسألة تغيير وجوه وسياسات . بل مسالة صراعات حزبية مُهلِكة على ما تبقى من مراكز نفوذ ومصالح شخصية تخضع لبرامج ايرانية اسلاموية ومحاولات ايجاد بدائل تنسجم مع توجهات الرأي العام الرافض لهيمنة الاسلام السياسي والراعي الاول لفساده. ان ما يجري على المجلس الاعلى والدعوة يمتد الى الحزب الاسلامي الاخواني الذي استعار ثوب المدنية ليخفي الوجه الحقيقي لتنظيم غير مرحب به اجتماعيا واقليميا ودوليا. نعم لقد بدأ الاخوان المسلمون بمرحلة التفكك فبينما سعى سليم الجبوري لتغيير عنوان الاخوانية الى مدنية يسعى وزير التربية الصيدلي الى تأسيس حركة جديدة والانشطار عن الحزب الاخواني غير ان هذه المحاولة لا تختلف عن تجربة الحكمة فالرَحم واحد والفكر واحد والبنية واحدة. كما ان انحسار دور قطر وتقهقر الدور التركي وانكماش السياسة الاردوغانية جعلت الاخوان المسلمين على حافة الانهيار متمسكين بِقِشَة الفساد والمناصب .
بغداد


















