التربية بالحبّ
أساليب التنشئة وتصحيح التعليم
على كثرة الأعباء، وتعدد المهام الجسام، لرسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم :”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا” (الأحزاب: 45-46) نجد اهتمامه الكبير صلى الله عليه وسلم ، خيرُ من دعا، وخير من رَبي، وخير من أدب وعلّم ـ بتربية الغلمان، في مرحلة متقدمة من أعمارهم، بل حتى قبل قدومهم إلي هذه الحياة. ولما لا فحسن اختيار الحاضن السليم، وأساليب التنشئة والتربية والتأديب والتعليم الصحيح ـ لعمان اليوم، رجالات المستقبل ـ سبيل خيرية الأمة، ونهضتها الرسالية، وقوتها ومنعتها المعنوية والحضارية، وحلاً لمشكلاتها التربوية والتعليمية والاجتماعية المستحدثة في آن معاً. فضلاً عن أن رؤية الإنسان وكينونته وسلوكه أمور محكُومة بتنشئته وتربيته، وهي لن تستقيم إلا بإتباع هديه الشريف صلى الله عليه وسلم الأنموذج والقدوة:”لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” (الأحزاب: 21).
– فمن هديه الشريف الاهتمام بحُسن اختيار الأم ذات الدين، فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” (رواه البخاري ومسلم وغيرهما). فالأم مدرسة إذا أعددتها = أعددت شعباً طيب الأعراق.
– إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد على دور الأسرة في رعاية الغلمان وتنمية قدراتهم، ويُلقي بالمسؤولية في تعهد الطفولة على الوالدين، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم :(كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، ثم قال: فكلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”(متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما).
– ومن نهجه الشريف:” أن يؤذن في أذن المولود اليمنى، ويُقيم في أذنه اليسرى، ليكون أول ما يصل سمعه تلكم الكلمات النيرات..تعظيماً لله تعالى، وتوحيدا له، واعترافا برسالة وشعائر وشرائع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . فعن أبي رافع رضي الله عنه، قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن “الحسن” حين ولدته فاطمة” (الترمذي ج4/ص97 ، وقال حديث حسن صحيح).
– يوجه صلى الله عليه وسلم الأمة بقوله:” إذا سميتم فعبدوا” (رواه الطبراني والبيهقي)، فحُسن اختيار الاسم (عبد الله، وعبد الرحمن الخ، وإن كان ذلك يبدو أمراً بسيطاً إلا انه قد يترك أثرا تكوينياً شخصياً مستمرا ـ إيجابياً أو سلبياً. ويضفي ظلالا قاتمة إذا لم يتم وفق ذلكم الهدى الشريف.
– عن أبي موسى رضي الله عنه قال وُلد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه “إبراهيم”، فحنكه بتمرة ودعا له بالبركة، ودفعه إلي وكان أكبر ولد أبي موسى”) صحيح البخاري ج5/ص2081).
– الفتح علي الولدان بكلمة لا إله إلا الله: فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”افتحوا على صبيانكم بلا إله إلا الله”( رواه الحاكم). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أنزل الله عز وجل على نبيه ” : صلى الله عليه وسلم يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا”، تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات ليلة أو قال يوم فخر فتى مغشيا عليه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك فقال: “يا فتى قل لا إله إلا الله فقالها فبشره بالجنة” (المستدرك ج2/ص382).
– كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ “الحسن والحسين” رضي الله عنهما. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ “الحسن والحسين” رضي الله عنهما، ويقول: “إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق.. أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة” (صحيح البخاري ج3/ص1233).
– يحث صلى الله عليه وسلم الأم (الحاضن الأهم الأول) بملازمة أطفالها ـ وخصوصاً في سنواتهم الخمس الأولى ـ ليشعروا بالطمأنينة والأمن وهما سياجان ضروريان لنمو صحي سليم سيبني عليه لاحقاً ..تربية وتأديباً وتعليما. وفي هذا يروي أبو هريرة رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده” (رواه مسلم).
– توفيرّ كل العطف والحنان والحب/ (مع الحزم) المستمر للغلمان، وتواصل ذلك في جميع مراحل حياتهم ـ وخصوصاً في فترة المراهقة ـ وأخبارهم بذلك الحب، وإبعادهم عن كل ما يشينهم. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبِّلون الصبيان؟ فقال صلى الله عليه وسلم :أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة” (رواه البخاري)
– من الجميل أن يسمع كثير من الأطفال آباءهم يقولون لهم: إنهم يحبونهم كثيرًا ، ولكن الأجمل من الآباء والأمهات أن يشعروهم بهذا الحب وهذه الحفاوة. قال البراء رضي الله عنه: رأيت النبي والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله التزم الحسن بن علي، فقال اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه، وقال أبو هريرة فما كان أحد أحب إليَّ من الحسن بعد ما قال الرسول ما قال.
– مع كل ذلك الحب هناك حزم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أخذ “الحسن” رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم :” كخ، كخ.. ثم قال أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة”.(صحيح البخاري ج2/ص542).
– وفي اعتنائه صلى الله عليه وسلم بالرائع بالأطفال، ما رواه أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له: أبو عمير وكان إذا جاء قال: “يا أبا عُمير ما فعل النُغير؟” نغر كان يلعب به. فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وتنضح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلي بنا. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يداعب الصغير ويواجهه بالسلام والخطاب، وفي ذلك فائدة عظيمة، وإنه لتقدير منه صلى الله عليه وسلم ، وهو العظيم المرسَل إلى البشرية، يقدر الصغير فيثق بنفسه، ويشعر بقدره واحترام الناس له فيبرع.
– عن نهج عنايته ورعايته بالصبيان ليلاً، يروي جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا استجنح الليل أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله”(صحيح البخاري ج3/ص1195). – وعن تعليم الغلمان كيفية آداب الطعام والشراب، يذكر “عمر بن أبي سلمة” رضي الله عنهما فيقول: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يا غلام: سمّ الله/ وكل بيمينك، وكل مما يليك”(متفق عليه، وهو عند مسلم، البخاري ج5/ص2056).
– عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يا بني: إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك” (الترمذي ج5/ ص59).
– أمر الأولاد بالعبادة منذ السابعة من أعمارهم:”مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع”(رواه الحاكم، وأبو داود، من حديث ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما).، ويقاس علي الصلاة الترويض على صوم أيام،عند الاستطاعة ، والتعويد على شعائر الحج إذا كان الأب يستطيعه.
– التعليم يبدأ من العام نحو الخاص، وقد نهج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب في جميع تعاليمه. فهذا هو سيدنا جندب بن عبد الله رضي الله عنه يقول: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة “أي قاربنا البلوغ” فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا”(رواه ابن ماجة).
امنيه السامرائي – بغداد
AZPPPL























