
الترابط الجدلي بين التنمية والجريمة والتشريع – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري
الحديثُ عن الترابط الجدلي العضوي بين التنمية والجريمة والتشريع في المجتمع ، أي مجتمع كان ، المتقدم والمتخلف ، يعني الحديث عن عملية التطور المستمرة في كل ميادين الحياة خاصةً فيما يتعلق بالاقتصاد والأمن القومي والوعي القانوني .
والسببُ في ذلك يعود إلى أن التنمية والجريمة والتشريع لا تقتصر على جانب حياتي دون آخر ، أو فئة اجتماعية معينة دون أخرى ، أو تشريع يخص حالة دون أخرى ، وإنما هي وحدةٌ متكاملة يكمل بعضها البعض من أجا إيجاد مجتمع آمن ومستقر ينال فيه كل من يخالف القانون جزاءه .
وبما أن الجريمة تلعب دوراً كبيراً في الأمن الاقتصادي ، وتؤثر على حركة الاقتصاد الوطني بما فيه الدخل الفردي والدخل القومي من جهة وحركة وتطوير التشريع من جهة أخرى ، فقد رأيتُ أن أتناول هذه الدراسة بشكل مختصر والتركيز على الجوانب الثلاثة – التنمية والجريمة والتشريع ، ثم الترابط الجدلي بينها .إن تناول هذه الموضوعات لا يتعلق بدولة دون أخرى وإنما هو دراسة عامة تتطلب الإشارة إليها في هذه المرحلة المهمة من حياة الشعوب .
أولاً – التنمية : –
1 – مفهوم التنمية : التنمية عملية شاملة تتناول كافة الميادين الحياتية العامة والخاصة من الناحيتين المادية ( التقدم المادي ) والروحية ( تنمية القيم الإنسانية)
والتنمية كعملية شاملة لا تقتصر على دولة دون أخرى ، فهي تشمل الدول المتخلفة والنامية والمتقدمة ، لأنها سياسة تلجأ إليها هذه الدول لتحقيق النمو الاجتماعي والتطور الاقتصادي من أجل زيادة وتوسيع معدلات التطور والتقدم في مسيرة الإنسان الحياتية .
العلم المعاصر
* لقد أكد أحد المفاهيم التنموية على ( التكنولوجيا ) القائمة على مجرد النمو في إجمالي الدخل القومي وتكوين رأسمال المال والتحديث في وسائل العلم المعاصرة وأكد مفهوم آخر على أن التنمية تعني ( توجيه الجهود في كافة الحقول الاقتصادية لزيادة الإنتاج وتطوير الدخل القومي ، من أجل التنمية الواسعة الشاملة لكافة مستلزمات التطور الاقتصادي والبناء الاجتماعي .وهناك مفهوم آخر للتنمية يؤكد على كون التنمية تعبير عن ( معدل نمو دخل الفرد من إجمالي الناتج القومي لدولة ما ) فكلما ينمو دخل الفرد ويقترب من إجمالي الدخل القومي تكون الدولة متقدمة ، وبالعكس عندما تضيق المسافة بين الدخلين فإن الدولة توصف بالمتخلفة .وهذا المفهوم يؤكد على ( دخل الفرد ) بالدرجة الأولى .
* وهناك محاولات عديدة تسعى لوضع تعريف شامل جامع للتنمية يتناول التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية ،وقدرات القوى العاملة ، والصحة والتغذية وحجم السكان ( المعدل العام للمواليد ) حتى قيل إن التنمية في هذه الرؤية تعبر عن ( مجموعة المحاولات التي تهدف إلى تغيير الهيكل الاقتصادي العام للمجتمع ) . ومهما قيل في تعريف التنمية وتأكيدها على جانب واحد كالتكنولوجيا أو الاقتصاد أو الدخل الفردي ، أو على أكثر من جانب واحد كالدخل الفردي والقومي ، أو التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فالتعريف الواقعي والموضوعي للتنمية هو أنها ( عملية تشير إلى تحسين حياة الفرد والجماعة ، وزيادة رخاء الأمة ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، وتوفير حياة أفضل ، وتوسيع فرص العمل ، والاهتمام بالتعليم والتدريب ، وخلق بيئة خالية من كل صور وأشكال الانحراف والإجرام ، واعتبار الإنسان ثمرة تلك العملية وغايتها ووسيلتها ) .
من خلال هذه المفاهيم يتبين لنا أن التنمية هي عملية تخطيط قائمة على إستراتيجية علمية شاملة تعمل على تحقيق الزيادة في الدخل الفردي والقومي بحيث يؤدي هذا التخطيط إلى رفع مستوى الخدمات التي يحصل عليها الفرد والجماعة .
ومن خلال هذا التخطيط الستراتيجي تحقق الدولة أهدافها على اساس أن التنمية عملية شاملة ذات مراحل مختلفة تعمل على مكافحة الجهل والأمية والفقر والمرض وسوء التغذية والفساد المالي والإداري والأخلاقي ، ومعالجة البطالة والإتكالية والبؤر المنحرفة ، ومخاطر الجريمة ، ومحاربة التجاوزات ومطاردة عناصرها ، كما أنها تقضي على الأمراض التي تمس نظافة الفرد والمجتمع كالوصولية والانتهازية والمصلحية ، وبناء سياسة واضحة تتولى الدولة تنفيذها من أجل بناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والمواطنة الصالحة والاقتصاد الهادف الذي يدعم الاستقلال السياسي ويحقق التقدم الاجتماعي وبناء الإنسان الجديد ، والقضاء على كل أشكال الاستغلال ، وتحرير الموارد الوطنية من كل أنواع التبعية والذيلية ، وتقريب التفاوت بين المواطنين وقد أكد الدستور العراقي المؤقت لعام 1970 على هذه العمومية والشمولية في مفهوم التنمية حيث جعلها مسألة مركزية وقضية أساسية بعد الاستقلال السياسي حيث نصت المادة ( 12 ) منه على ( تتولى الدولةُ تخطيط وتوجيه وقيادة الاقتصاد الوطني بهدف : إقامة النظام الاشتراكي على أسس علمية واضحة ، وتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية. وقد أكد هذه المضامين الدستور العراقي لعام 2005 قي مواده (25 ، 26 ، 29 30 ، 31 ) التي تشير إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
2 – ميادين التنمية : – تعتبر التنمية من المسائل المهمة في حياة الدولة على اختلاف درجات تطورها وتخلفها ، وهي مسألة قومية ووطنية شاملة تتناول كافة الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية …. الخ ولا تقتصر على دولة دون أخرى لذلك فإن ميادينها الأساسية تتمثل في :
أ – الميدان الاقتصادي : – يعتقد البعضُ أن الميدان الاقتصادي هو العامل الرئيس في عملية التنمية ، كالاهتمام بالدخل الفردي والناتج القومي ، وتغيير الهيكل الاقتصادي ، أو زيادة الإنتاج ، أو تكوين رأس المال . وغير أن هذا الاعتقاد لم يتم الاتفاق عليه من قبل رجال الأعمال والاقتصاد والسبب في ذلك يعود إلى عدم الدقة في تعبير المفاهيم الاقتصادية وتفسيرها والغموض والالتباس التي رافقتها في عملية التنمية الاقتصادية . فهل التنمية الاقتصادية تقتصر على أنماط معينة من الممارسات الإنتاجية ؟ أم إنها مجرد أنماط سلوكية اقتصادية تمارس في زيادة الدخل الفردي والدخل القومي ؟ أم إنها مجرد مهارات وإبداعات مطلقة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ هذه الضبابية والالتباس وعدم الدقة والتحديد أدى إلى استنتاج جديد مفاده أن الاهتمام بالجانب الاقتصادي وحده يواجه مشاكل ومتاعب كثيرة مردها التمسك بالعادات والأعراف والتقاليد التي أوجدت مقاومة عنيفة بالاهتمامات العلمية الجديدة في عملية التنمية وتطوير المجتمع ، وإن مواجهة هذه السلوكيات والتغلب عليها وحلها بالتقدم العلمي وحده لا يحقق التنمية الشاملة ما لم تلازمها عوامل تنموية أخرى كالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، إذ أن تلك العادات والتقاليد والأعراف بحاجة إلى تغيير شامل من خلال خلق المؤسسات الإصلاحية والاجتماعية والثقافية .
فالتنمية الاقتصادية لا تستمر من غير تنمية اجتماعية ، وكلاهما لا يستمران من غير تنمية سياسية ، والكل لا يتفاعل ويعطي مردوداته الايجابية من غير قوانين تنموية وتشريعات عادلة تعالج البناء التحتي والفوقي البشري والمادي للمجتمع .
بناء تحتي
فالبناء السياسي وفلسفته يمثل البناء التحتي المادي للاقتصاد الفردي والقومي ، والنظام الاجتماعي وقيمه وفلسفته يمثل البناء التحتي البشري الاقتصادي والسياسي معاً . لأن التنمية ليست مجرد زيادة الدخل ، أو زيادة الإنتاج ، وإنما هي إيجاد الإنسان المنتج والمبدع الذي يفجر الطاقات والامكانيات الكامنة هنا وهناك ، مع العمل على إيجاد القوانين والتشريعات التي تحافظ على حرية وكرامة الإنسان ، وحماية الإنتاج من مخاطر التلف والتخريب والفساد وانتشار الجريمة ومكافحتها .
والتنمية في الميدان الاقتصادي ليست مجرد زيادة المواليد البشرية ، أو تحسين الأحوال الاقتصادية والمعيشية للفرد والأمة ، أو الهجرة من الريف إلى المدينة ، أو مقاومة العادات والأعراف الموروثة ، أو محاربة الأمية ، وزيادة وسائل الإعلام الثقافية ، أو تقديم الخدمات كتوفير الماء الصالح للشرب ، وزيادة الأطباء وبناء المستشفيات ، وإنما هي مشكلة الإنسان واستخدامه العقل والزمن استخداماً عقلانياً من جهة وكيفية إعداده علمياً وفنياً وسلوكياً ووطنياً من جهة أخرى .
هذه هي المشكلة الأساسية في التنمية الاقتصادية التي تواجهها الفلسفات والنظريات الاقتصادية والتي سوف نتناولها في ميدان آخر من هذه الدراسة.
ب – الميدان السياسي : – إن التنمية في الميدان السياسي لا يمكن أن توجد أو تستمر من غير تفاعل مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وذلك يعود إلى أن البناء السياسي وفلسفته يمثل البنية التحتية بكل عناصرها ، وإن أي تعثر في أي ميدان من هذه الميادين سوف يؤثر على الإرادة الاقتصادية والعملية الإنتاجية .
لذلك تعتبر التنمية السياسية إحدى وجوه التنمية العامة الشاملة ومكملة لبقية عناصرها ، وهذا يتطلب بالدرجة الأولى تعليم الإنسان ، وتغيير مواقفه وقيمه الاجتماعية المتخلفة ، وخلق مفاهيم وسلوك اجتماعي جديد ، وعلاقات إنسانية جديدة ، تعتمد على التخلي من الأساليب التربوية القديمة . وهذا يعني أن التنمية السياسية مهمة في عملية التنمية الشاملة لأنها تهدف إلى إيجاد قاعدة مناسبة وقوية تعمل على الانتقال من الاتكالية إلى الانجاز الفردي الثوري ، والانتقال من الضبابية الاجتماعية إلى الوضوح السياسي ، ثم الانتقال من فوضوية السلطة إلى ثباتها وصدق استعمالها في المشاركة الجماعية والإنتاج المبدع ، واكتشاف الجريمة ، والتحول من خصوصية التكليف إلى عمومية القيام بالمهام العامة كمحاربة التجاوزات ومطاردة الجريمة وتحديدها ، وهذا لا يتم إلاّ من خلال تعميق الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي عن طريق المؤسسات الثقافية والإعلامية التي تهتم بثقافة الفرد والأمة .
ج – الميدان الاجتماعي : – فكما أن التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها في الجانب الاقتصادي وحده ، أو الجانب السياسي وحده ، فإنها كذلك لا يمكن أن تحقق نتائجها في الجانب الاجتماعي وحده أيضاً .والسبب في ذلك يعود إلى وحدة هذه الميادين والترابط العضوي الفعال بينها ، إذ أن بعضها يكمل البعض الآخر ، ويتأثر بمردوداتها الايجابية والسلبية معا .
تنمية سياسة
فوحدة هذه الميادين لا تختلف عن وحدة التنمية التي لا يمكن تجزئتها إلى تنمية سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ، فالمجتمع المتطور يضع القرار السياسي ذا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تكمل بعضها البعض الآخر ، والمجتمع المتطور هو الذي يرفض التمزق التنموي ويقبل وحدة التطور والتحديث في كافة الميادين ، كما يرفض التقاليد التنموية الموروثة ويتمسك بالمقومات اللائقة للوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
وهنا تتبادر إلى الذهن بعض التساؤلات مفادها .. ما هي العلاقة الجدلية بين الميدان السياسي والاقتصادي والاجتماعي ؟ وما هي العلاقة بين هذه الميادين والتشريع والجريمة؟
من خلال هذه التساؤلات نجد أن هناك علاقة جدلية بين هذه الميادين الثلاثة مفادها أن التنمية لا يمكن أن تتحقق في مجتمع جاهل تسوده العادات والتقاليد البالية ، ومظاهر الفقر والاستغلال والتبعية والعبودية والاستبداد وخنق الإمكانيات الفردية وحبس الطاقات الجماعية.
والتنمية لا يمكن بلوغها في مجتمع اقتصادي لا تتوفر فيه الموارد ومصادر البناء والتطور والنمو . والتنمية لا تستقر ولا تتطور دون أن تكون هناك تشريعات توفر الحرية للفرد من أجل التعبير عن رأيه وتفجير طاقاته ، من خلال المؤسسات الديمقراطية التي تصون حياة الفرد وتصنع القرارات الصائبة التي تحافظ على الإنتاج وتحميه من الخراب الاقتصادي ، وتكافح الجريمة الاقتصادية .
عملية شاملة
من كل ما تقدم نجد أن التنمية ليست مشكلة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية ، بل هي عملية شاملة ذات وحدة وطنية متماسكة وقيادة ثورية نزيهة هادفة قادرة على صيانة وصنع القرار من جهة ووجود شعب واعٍ يستوعب هذه القرارات ويحترمها من أجل إيجاد مجتمع آمن تتوفر عوامل الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني والقانوني من جهة أخرى . وهذا لا يتحقق إلاّ من خلال وحدة وتماسك عوامل التنمية ، ووضع الخطط الاقتصادية والأمنية ، ومقاومة الجريمة ، وصيانة الوحدة الوطنية ، وتوجيه الموارد الاقتصادية إلى ميادين التنمية الصناعية ، والإعداد الوطني البشري الفردي والجماعي ، إعداداً وطنياً وقومياً يحقق آلية علمية جديدة تجسد استخدام الزمن استخداماً حريصاً وعقلانياً كبقية عوامل البناء الفوقي والتحتي للأمة .
* من هنا يتضح لنا بعدم وجود مؤشرات وقياسات محددة متفق عليها بين علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع تشير كمقياس علمي على تقدم أو تخلف هذه الدولة أو تلك ، وإنما هناك مجموعة من المؤشرات تتحكم بها مجموعة أخرى من الأحكام العلمية والمؤشرات الاقتصادية تحدد الدخل الفردي وارتفاع درجاته الاستهلاكية ، وتوزيع نشاطاته داخل المجتمع أو خارجه كالنشاط الزراعي والصناعي والتجاري ، وارتفاع القدرات الشرائية من أجل إسعاد المجتمع وبناء مستقبله وهذا يتطلب تدخل العامل السكاني ( معدل المواليد ) واختلاف درجات الوعي للطبقات الاجتماعية ، وعوامل الهجرة من الخارج إلى الداخل وبالعكس ، وسوء تقدم الأحوال الاقتصادية في الدولة ، ومعدل نمو السكان واحتمالات التطور والتغيير ، وقدرة الإنسان في تنفيذ قرارات الدولة الاقتصادية .
إضافةً إلى مؤشرات أخرى كمستوى التعليم ومحو الأمية ووسائل التثقيف والتوعية ، وتوفير الخدمات ، ووضع الخطط التنموية والأمنية اللازمة لذلك .
2 – مستلزمات التنمية والترابط الجدلي بينها : كما للتنمية ، باعتبارها عملية شاملة ، فلمستلزماتها وميادينها ومقوماتها التي تكمل بعضها البعض ، أهمية كبيرة في هذه العملية هذه المستلزمات :
ا – الموارد المختلفة : – ونقصد بها الخامات والمواد الصناعية ، والمناخ والأرض والمياه والمعادن ، والموقع الجغرافي ، ورؤوس الأموال ، حيث أن هذه المواد المختلفة تغذي ميادين التنمية بمقومات الحياة ، وتنشطها وتسهل آلية تنفيذها .
ب – التكنولوجيا : – وهي عملية احتواء الموارد المختلفة وتسخيرها لخدمة التنمية ، وبناء الإنسان الجديد من خلال المقومات العلمية كاستعمال الآلات والمعدات الحديثة ، وتهيئة القوى البشرية العاملة كالمهندسين والفنيين ووسائل النقل الحديثة وضمان سلامتها من أجل تحقيق العملية التكنولوجية المتقدمة والمتطورة .
ج – توفير الخدمات الحديثة : -، وهي الخدمات الموجهة المعاصرة كالغذاء الصحي ، والتعليم المهني و السكن المتقدم ، ووسائل النقل المتطورة ، وزيادة الترفيه والراحة ، وتوفير مستلزمات الثقافة والإعلام ، والمواد الصالحة للشرب والغذاء ، وزيادة نسبة الأطباء ، وتوفير العلاج والمستشفيات ،
* فالغذاء الصحي ضروري لإمداد العمال بالقوة والطاقة ، لأن سوء التغذية يخلق الإنسان الخامل ، وعدم الاهتمام بالتعليم يخلق الإنسان الجاهل الذي لا يشعر بالمواطنة والمسؤولية ، ولا يهتم بزيادة الإنتاج أو قلته ، أو الإقدام على الجريمة ومكافحتها اللازمة للفرد والدولة ، كما إن وسائل الإعلام تسهل على الفرد الاطلاع على أبسط التعليمات والقوانين وتنفيذها ، إلى جانب السكن الذي يوفر الأمن والاستقرار والراحة للإنسان ، في الوقت الذي يعمل النقل السريع والحديث على نقل الأفراد والبضائع وتسهيل نقلها وتصريفها في الأسواق .
د – توفير الأجهزة التخطيطية والتنفيذية الكفوءة : – ليس المهم توفير المستلزمات التنموية ، وتقديم الخدمات ، وتصريف الموارد ، وإنما الأهم وجود الأجهزة التخطيطية والتنفيذية القادرة على توجيه عملية التنمية الشاملة والإشراف على نتائجها وتحقيق أهدافها ، ذلك أن هذه الأجهزة التنفيذية تضع الخطط القائمة على الحسابات الدقيقة العلمية لتوفير الخدمات اللازمة وتوجيه الموارد المتوفرة، وتسخير الإمكانيات ، وتفجير الطاقات البشرية نحو الإبداع وزيادة الإنتاج ، ومعالجة المشاكل التي تعترض عملية التنمية ووضع الحلول المناسبة لها ، بعد دراسة هذه المشاكل بشكل واسع من جميع الجوانب من أجل خلق الإنسان المشحون بروح الحماس والإخلاص والمسـاهمة الفعالة بعملية التنمية. هـ – الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي : – إن توفير الموارد ، ووجود التكنولوجيا ، والخدمات العامة ، وإيجاد الأجهزة التخطيطية والتنفيذية ، لا تكفي لإنجاح العملية التنموية ما لم توجد هناك وحده وطنية صادقة لا تؤمن بالتعصبية والعرقية والمذهبية والطائفية ، يدعمها الاستقرار السياسي الذي لا يؤمن بالسياسة المصلحية وتحقيق المنافع الشخصية ، والسعي للوصول إلى السلطة بالقوة والعنف ، فوحدة الشعب تسهل تنفيذ الخطط ، والاستقرار السياسي يقضي على التفكك والتمزق ، والاستقلال الاقتصادي يضع خيرات الأمة بيد أبنائها ، إذ أن العكس يؤدي إلى التمزق والاقتتال الذي يرهق الدولة ويعطل أجهزتها في تنفيذ خطط التنمية ، وعدم الشعور بالمسؤولية الذي يولد الخوف والقلق والإزعاج للدخل الفردي والقومي . وخلاصة القول إن تفكك الأمة والوحدة الوطنية يؤدي بدوره إلى زيادة الإنفاق الذي يضعف الموارد الاقتصادية وتوفيرها للدولة ، وتخلق الإرباك لبرامج التنمية ويعرقل خطط تنفيذها .
و – الوعي الثقافي والفكري : – إلى جانب المستلزمات التي ذكرت لتحقيق التنمية ، لا بد من وجود الوعي الثقافي والفكري اللازم بأهمية التنمية الاقتصادية من جهة ووجود الرغبة اللازمة لتحقيق هذه العملية من جهة أخرى. فالتقدم الاقتصادي لا يسير بخطوات ناجحة إلاّ إذا توفرت له عوامل الوعي والحماس والرغبة والتقدم السياسي ، لأن الشعب الذي يفقد رغبته في تحقيق ما توفر له التنمية من عوامل الرفاء والأمن والاستقرار ، لا يطمح إلى التقدم والرخاء وتقرير مصير الأمة ، ولا يهمه مستقبل الأمة وأمنها واستقلالها السياسي والاقتصادي.ومن أجل خلق هذا الوعي والرغية والحماس يجب أن تكون الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية مناسبة لتحقيق حب التقدم والإيمان بالشعب والمواطنة والانتماء الوطني والقومي للأمة وبدون ذلك لا يمكن تقيق مستلزمات التنمية التي ذكرت سابقاً .
ثانياً : الجريمة : –
الحديثُ عن الجريمة بالمفهوم الاجتماعي والقانوني المرتبط بعملية التنمية الاقتصادية والعلاقة الجدلية بينهما ، يعني الحديث عن النتائج المترتبة عن آثار الجريمة التي تحدث في المجتمع وخطورتها على الشرائح الاجتماعية المختلفة وخاصةً الشريحة الفقيرة .
فما معنى الجريمة .؟ ومن يرتكبها ؟ وما هي مخاطرها وآثارها على عملية التنمية ؟
لا تقتصر الجريمة على مجتمع دون آخر ، أو شريحة دون أخرى ، أو بيئة دون غيرها ، فقد تحدث في مجتمع متحضر كما نحدث في مجتمع متخلف ، يرتكبها الأغنياء كما يرتكبها الفقراء . يرتكبها العامــلُ والفلاحُ والطالبُ والمهندسُ والطبيبُ ، كما يرتكبها الرجلُ والمرأةُ الصغير والكبير …الخ .
وقد تقع في وسط حضري أو وسط ريفي ، لا تقتصر على سن دون آخر مما جعل خطورتها تكمن في هذه ( العمومية ) .
* ترتكب هذه الجرائم على اختلاف أنواعها، سواء كانت من حيث طبيعتها كالجرائم العادية والسياسية ، أو من حيث جسامتها كالمخالفات والجنح والجنايات ، دون إدراك النتائج العقابية والجزائية لأي نوع منها.
* فالحدث والصبي والشباب والشيخ يرتكب الجرائم العادية والسياسية ، كما يرتكب المخالفة والجنحة والجناية . وهنا تكمن الخطورة في ارتكاب الجريمة ذلك أن وراء أية جريمة مرتكب ( إنسان ) لديه طاقات وإمكانيات ، كما أن أية جريمة تحدث لها ساحة تُرتكب فيها كالساحة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فأي مرتكب لأية جريمة وفي أي ميدان يعني تعطيل لإمكانيات الفرد وهدر لطاقاته . وأية ساحة تتعرض لمخاطر الجرائم تعني تعطيل لقدرات وفعاليات تلك الساحة ذات العلاقة بعملية التنمية العامة ، لأن وراء كل جريمة مخاطر ، ولكل مخاطر آثار ونتائج ، ولكل آثار نفقات مادية أو معنوية ينفقها الأفراد أو الدولة من أجل مواجهة تلك المخاطر ، لذلك نرى أن آثار الجريمة ونتائجها تمتد إلى تنمية الفرد والمجتمع والدولة وتؤثر على طاقاتها وحركتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .وهذا يعني أن هناك علاقة جدلية بين الجريمة وأركانها تؤثر بالسياق العام لعملية التنمية والتطور والنمو لكل جوانب الحياة ومظاهرها . لذلك لا بد علينا من تحديد معنى الجريمة وكيف تطورت ؟ وما هي وسائلها ومخاطرها ؟
1 – معنى الجريمة : رغم الجهود الواسعة التي بذلت في ميدان علم الإجرام، فإن هذه البحوث والدراسات تبقى ناقصة لاحتواء أسباب الجريمة وتعريفها والسبب في ذلك يعود إلى تعدد المدارس والنظريات والآراء .
فقسم من هذه المدارس اعتمدت في أفكارها على العوامل والأسباب الوراثية ، وأخرى استندت على العوامل البايولوجية والانفعالات النفسية الشخصية التي تؤثر على عملية توازن القوى العصبية والنفسية للإنسان وما يرافقها من مرض واختلال واضطراب في الجهازين العقلي والعصبي ، أو انحراف في الجهاز النفسي .
* ومهما تعددت المدارس والآراء والنظريات فهناك حقيقة علمية ثابتة هي وجود ( جريمة ) و (مجرم ) لها مردودات سلبية على عملية التنمية وتطور المجتمع ونموه .
غير أن هذه الحالة تغيرت في النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث اتجهت الآراء والأفكار في تفسير ظاهرة الإجرام تفسيراً اقتصادياً يتعلق بعوامل التنمية الشاملة ومنها العامل الاجتماعي الذي يفسر الجريمة ( بأنها ظاهرةٌ اجتماعية وإن أسبابها قائمةٌ في المجتمع نفسه ) بحيث تحولت الآراء الوراثية في ارتكاب الجرائم إلى العوامل الاجتماعية لما لها من تأثير فعّال في تكوين الأركان الإجرامية والسلوك الإجرامي في ارتكاب الجريمة .
حتى دخلت في دراسة الجريمة عناصرٌ وأركانٌ جديدة منها دراسة سلوك الفرد ، وأصل وجود المجتمع ، وعلاقة الفرد به ، ثم تأثير هذه العلاقة على وجود الجريمة وتأثيرها على عملية التنمية .


















