
الترابط الجدلي بين التنمية والجريمة والتشريع2-3 – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري
ومن خلال هذا العرض الموجز هناك حقائق ينبغي التأكيد عليها هي :
أ – وجود علاقة سببية وجدلية بين الظروف البيئية والمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوك الإجرامي والفردي ، وعوامل مكافحته .
ب – وجود علاقة جدلية بين الإجرام ومخاطره وبين الأزمات الاقتصادية ونموها وحلها عن طريق القوانين والتشريعات الاقتصادية .
ج – وجود علاقة بين المخاطر والعلل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وظاهرة الإجرام ، كالبطالة والجهل وهبوط المستوى الثقافي والمعيشي ، وسوء التغذية ، وسوء التنظيم السياسي والاجتماعي ، وفقدان شروط الأمن والطمأنينة والرخاء والصحة .
د – وجود علاقة جدلية بين ظاهرة الإجرام والصراع بين مجموعتين من القيم والعادات الاجتماعية الموروثة ، وبين القيم الحضارية المختلفة المعاصرة والجديدة .
هـ – وجود علاقة جدلية بين الإجرام وقلة الوعي الأمني والقانوني .
* في ضوء هذه الحقائق إن محور الجريمة الأول هو (الإنسان ) الذي تتوفر في تكوينه النواحي الوراثية (البايولوجية ) والنواحي الاجتماعية ( البيئة والاستعدادات البايولوجية ) في خلق أسباب الإجرام ، والنواحي الاقتصادية (فقدان التوازن بين ما هو موجود وبين ما يريده الإنسان من طموحات كتوفير الغذاء والدواء والسكن … الخ ) .
من هنا يتبين أن السلوك الإجرامي لم يكن وليداً لعامل واحد ، كالعامل الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي ، وإنما يقوم على مزيج من الأركان المتفاعلة بعضها مع البعض الآخر ، فإذا لم ينظم المجتمع نفسه بشكل يتناسب وطبيعة الفرد ومشاكله فإن مشاكل الفرد وعلى رأسها مسألة الإجرام سوف تبقى ملازمة لسلوك الفرد وحياة المجتمع .
من خلال هذا العرض الموجز يتبين لنا ما يلي :
* إن علم الإجرام هو العلم الذي يبحث في الجريمة والعقاب والطرق العلاجية الأخرى ، ويعني بالسلوك الإجرامي باعتباره ظاهرة خطرة تهدد كيان الفرد والمجتمع والأمة .
* والجريمةُ هي كل عمل يخالف أحكام القانون ، وكل فعل إجرامي يعتبر بحد ذاته مخالفاً لقواعد الأخلاق ، لذلك نرى تعدد أسباب الجريمة بتعدد تلك المخالفات ، كسريان الجريمة والرذيلة بين الأفراد وانتقالها من شريحة إلى أخرى ، مما أدى إلى استقرار بعض الظواهر وتحويلها إلى تقاليد وعادات شجعت على ارتكاب الجريمة .
ومن أسباب الجريمة الأخرى الفقر والحرمان والأنانية وما يتبعها من حرمان التعلم والأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وزيادة البطالة وفقدان المواد الاستهلاكية … الخ
ومن هذا العرض الموجز لأسباب الجريمة وأركانها يتبين لنا أن معنى الجريمة لغةً من ( جَرَمَ يجرم جرماً . والجرم هو القطع . وشجرة جريمة أي مقطوعة … ) والجريمة شرعاً ( محظورات في الشرع ، زجر اللهُ عنها بحد أو تعزيز ، وهي اتيان فعل محرَّم يستوجب العقاب أو ترك ما يحظر تركه من الأفعال ) . والجــــــريمةُ قانوناً ( هي كل فعل أو امتـناع عن فعل يســـتدعي المؤاخذة والعقاب ) .
2 – مخاطر الجريمة : بعد أن تحدثنا عن الجريمة ، ومعناها وأسبابها ، علينا أن نعرف ما هي مخاطرها و أثرها على التنمية ؟
مخاطر الجريمة
قلنا إن الجريمة لا ترتبط بشريحة معينة ، أو بوسط أو ببيئة معينة ، لذلك فإن مخاطرها مطلقة سواء في الميدان الاجتماعي أو الإقتصادي أو السياسي ، بمعنى أن مخاطرها شاملة وعامة تمتد إلى أمن المواطنين والمجتمع والدولة كالجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي والمساس بسلامة أرض واستقلال البلاد والتعاون مع العدو وإفشاء الأسرار والتخريب .
كما إنها تمتد إلى أمن الدولة الداخلي كالتآمر والعصيان وإثارة الفتن والتهديد . وهذه الجرائم تؤدي إلى فقدان الأمن وعدم الاستقرار ، وفقدان الثقة بقدرة الدولة على إدارة أعمالها مما ينسحب ذلك إلى عرقلة خطط التنمية وإشاعة الفوضى الاقتصادية ، وتفشي مظاهر الاعتداء والإخبار الكاذب والتزوير وارتفاع الأسعار واحتكار بيع السلع والبضائع التجارية ، وتردي الإنتاج وسوء الاستهلاك ، والتفكك الاجتماعي والتسول وسوء الأخلاق العامة ، وانتهاك الحرمات ، وخيانة الأمانة والاحتيال … الخ .
* من هنا يتبين لنا أن مخاطر الجريمة واسعة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود
خاصةً فيما يتعلق بطرق ارتكابها ووسائل تنفيذها ومنها الإنسان . لذلك علينا أن نبحث عن الطرق والآليات التي تعمل على بناء الإنسان وتسخيره لمكافحة الجريمة بنفسه ، من خلال الاهتمام به وتطويره مادياً ومعنوياً في كافة ميادين حياته العامة والخاصة كممارسة العادات الجيدة ، وتوفير الشروط اللازمة للتربية الاجتماعية والصحية والتربوية والنظامية له ، والتأكيد على السلوك الجيد والتقاليد الحسنة والتربية الناجحة وتحقيق الانجازات الاقتصادية والسياسية والأمنية ، وإيجاد القوانين والأنظمة والتعليمات التي تستهدف تطوير مستلزمات حياته ، ودعم وجوده والحفاظ على كرامته ، وضمان حريته وتحقيق حقوقه ، وإطلاق كافة طاقاته التي تستهدف عمليتي البناء والتغيير ، وإني أرى أن من أهم العوامل التي تساعد على خلق الإنسان الحضاري المعاصر الذي يعمل على مكافحة الجريمة ويساهم في عملية البناء التنموي ، تحقيق الأسباب التالية :
1 – إيجاد القوانين والتشريعات التي تعمل على رفع قدرات الإنسان الشرائية ، وتحسين مستوى حياته المعيشية ، انطلاقا من القاعدة المعروفة ( إن الإنسان الجائع لا يستطيع أن يعرف دوره وإن يقوم بواجبه ، و إن الإنسان الجاهلً لا يستطيع أن يدرك ما يضره أو ينفعه ، و إن الإنسان المريض لا يستطيع أن يسخر قواه البدنية والذهنية لخدمة المجتمع ، وإن مرحلة الإبقاء على ما هو عليه قد انتهت ) .
2 – إيجاد القوانين والتشريعات التي تطلق الطاقات البشرية وتوسيع مشاركتها في البناء والعمل ، وخاصةً التشريعات المتعلقة بالمرأة ، وتحقيق المساواة القانونية بالرفاء والعزة والتحرر والحقوق ، لا المساواة في الظلم والفوضى والاضطهاد والجوع والفقر والجهل .
3 – إيجاد القوانين والتشريعات المتعلقة بالعمل والخدمة التي ترفع الاضطهاد عن الإنسان ، وتعزز مكانته الإجتماعية ، وتحارب الأمية و وتكافح الآفات الاجتماعية كالمخدرات والسرقة ، مما يؤدي بالإنسان بالشعور بالمسؤولية ، وخلق جيل جديد قادر على مكافحة الجريمة والمساهمة في العــــملية التنموية واحترام قوانينها ، والإخـــبار عنها من تلقاء نفسه .
توفير انجازات
وإيجاد هذا الإنسان الجديد لا يأتي إلاّ من خلال توفير الانجازات الاقتصادية والسياسية التي توفر له المستوى المعيشي الجيد ، والأمن والاستقرار والاستعداد والمقاومة لكل ما يسيء إلى حياته وكرامته وتقرير مصره .
3 – دور الانجازات السياسية والاقتصادية في بناء الإنسان الجديد والتنمية :
ليس هناك دور أهم من دور الانجازات الاقتصادية والسياسية في بناء الإنسان الجديد ودوره في عملية التنمية ، لذلك نرى أن الدول تؤكد على هذين العنصرين وخاصةً في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، من خلال :
* تغيير علاقات الإنتاج .
* تغيير الواقع البيئي والاقتصادي والاجتماعي .
* إيجاد الأجواء الايجابية التي يعيش فيها الإنسان .
* محاربة الأفكار الإتكالية المبنية على الخوف والعجز والتردد .
* تقوية العلاقة بين الشعارات والتطبيق من أجل تطوير الإنسان مادياً وروحياً وفكرياً .
* تطوير الوعي الأمني والقانوني لدى المواطنين ، وتطبيق القوانين ، وخلق مجتمع آمن مستقر يوفر للإنسان حرية الحركة ، وللتنمية حرية التطبيق .
* تشجيع الإنسان للمساهمة في وقاية المجتمع من وقوع الجريمة ومكافحتها ، والاشتراك في عملية التنمية وتنفيذها .
* العمل على غرس القيم التنموية والشعور بالمسؤولية والإخلاص وحب العمل والوطن والدفاع عنه من خلال رصد الممارسات السلبية ، وخلق المفاهيم الجديدة التي تنسجم ومعطيات التطور الحضاري المعاصر .إن التأكيد على الانجازات السياسية والاقتصادية تؤدي إلى الاستقرار ، وتوفير مستلزمات بناء القاعدة التنموية الأساسية، ومحاربة الانحراف وبؤر الفساد ومخاطر الجريمة ، كما يؤدي إلى محاربة الإهمال وعدم الاهتمام بالأمن الاقتصادي وحماية وسائل الإنتاج . كما يؤدي إلى التعاون بين أجهزة الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية والقانونية بما يحقق مكافحة الجريمة والمجرمين ، وتحقيق المجتمع الآمن المستقر .
وهذا بدوره يؤدي إلى تنفيذ خطط التنمية بشكل سريع وايجابي من خلال خلق الإنسان الجديد الذي يستوعب عملية التطور والتنمية والبناء بكل فصائلها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
ثالثاً : – التشريع :
يقاس التشريع في حياة الأمم بما يقدمه للمواطن من رفاء وأمن واستقرار وعدالة اجتماعية ، لما للتشريع من دور وأهمية في إعداد الإنسان الصالح ، وتوفير مستلزمات وشروط بناء المجتمع الجديد القادر على محاربة الانحراف والفساد ومخاطر الجريمة ومكافحتها ، لذلك سوف نتناول التشريع ودوره في مكافحة الجريمة وبناء تنمية اقتصادية شاملة متطورة .
1 – التشريع هو صناعة القوانين الوضعية ، وهو علم كسائر العلوم الأخرى ، غير أن دوره وتفاعله مع الحياة العامة والخاصة أكثر تفاعلاً من العلوم الباقية لما له من أهمية وعلاقة مؤثرة مباشرة بحياة الإنسان والمجتمع والتنمية .
والتشريع علم ( معياري ) يختص بوضع القواعد والقوانين اللازمة لحقائق الحياة الاجتماعية ويحاول تجسيد أحوال المجتمع وبيان تطوره وتوجيهه من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف اجتماعية معينة .
والتشريع هو ثمرة الحياة التي يقدم لها المادة الاجتماعية التي يصوغها بقواعد وقوانين وضعية تجسد السياسة القانونية للدولة وتحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية .ويقصد بالسياسة القانونية مجموعة الأفكار التي تسيطر على عمل القانون وتطبيقه وصياغة مواده وأفكاره . لذلك قيل الجهل بالسياسة القانونية هو انخفاض الوعي القانوني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي .
* ومن هنا يظهر دور الوعي القانوني في مكافحة الجريمة من خلال بناء المواطن الذي يشعر بأن القانون وجد من أجله ، ومن أجل مصلحته في مكافحة الجريمة وتطبيق عملية التنــــــمية الاقتصادية الشاكلة .
وهنا يأتي دور الفرد في محاربة الإهمال ، ورعاية الأبناء من الأحداث ، ومحاربة الإشاعات المقصودة ، والإخبار عن الجرائم ، والمساهمة في الشهادة الجزائية ، ومساعدة السلطة في القبض على المجرمين وإبداء المساعدة لقوى الأمن الداخلي و وتحصين الفرد من خطر الانحراف وتحذير المواطنين من صور الإتكالية والخوف والتردد .
2 – التشريع وبناء المجتمع الجديد : هل يُراد بالمجتمع الجديد المؤسسات والتشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ودرجة التغيير فيها ؟ أم في إزالة مظاهر الفساد والتخلف العام في مقومات التنمية العامة ؟
عملية التنمية
إن كان يُقصد بالمجتمع الجديد (عملية التنمية ) فمن أين البداية ؟ وإن كان يُقصد به (ميادين التنمية ) فهل أن هذه الميادين محدودة أم إنها شاملة ؟ وهل إن قوانين التنمية قابلة للتغيير أم إنها جامدة ؟* من خلال هذه التساؤلات نأتي إلى حقيقة علمية ثابتة هي أن المجتمع يتكون من عدة مؤسسات وتشكيلات مختلفة قابلة للتغيير والتطور وفق منظور تنموي اقتصادي شامل يُقصد به ( ميادين التنمية ) التي يقودها القانون بتشريعات حصينة معززة بالوعي القانوني والاقتصادي الذي يقود عملية التنمية بطريقة حيوية متجددة ، لذلك لا يمكن أن يكون القانون جامداً لأن جموده يتعارض مع حركة التنمية من جهة و مصلحة الفرد والمجتمع والأمة من جهة أخرى .من هذا المنطلق أصبح للتشريع مهمة أساسية في عملية التنمية وبناء المجتمع هي إعادة النظر في القيم والمفاهيم السائدة في المجتمع من خلال تعديل وتغيير الضوابط السلوكية للأفراد ، وإعادة النظر في القواعد التي تحكم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لبناء القديمة وفق معايير قيمية جديدة قائمة على الوعي الاقتصادي الذي يساهم في بناء العملية التنموية ، والوعي القانوني الذي يساهم في مكافحة الجريمة ، والوعي الاجتماعي الذي يساهم في إيجاد مفاهيم جديدة لبناء مجتمع جديد . إن الشيء الرئيس في هذه المساهمات المترابطة هو إرادة الترابط الجدلي بين الوعي الاقتصادي والاجتماعي والقانوني الذي يفرز لنا المواطن الجديد ، والمجتمع الجديد ، ومقومات الدولة الحضارية الجديدة التي تدافع وتحافظ على العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ليأخذ القانون دوره في بناء المجتمع وتطوير العملية التنموية ومكافحة الجريمة ، ولتحقيق هذه المهمات لا بد من المستلزمات التالية :
أ – الحاجة إلى عملية التغيير في سلوك الأفراد للدفاع عن المجتمع والحياة والقانون وعملية التنمية ، وهذه الحاجة لا تتم إلاّ عن طريق الوعي الاجتماعي والاقتصادي والقانوني ، لأن هذا يؤدي إلى تعميق العلاقة بين صاحب الحق والجهات المسؤولة .
ب – تعميق العلاقة بين الحقوق والواجبات والسبب في ذلك يعود إلى تحديد شرعيته أو لا شرعية الممارسات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع ، وهذا بدوره يؤدي إلى الشعور بالمطالب الحقوقية الجديدة ، وقبول القوانين أو تعديلها وفق المعطيات المعاصرة التي تحيط بالمجتمع الجديد .
ج – تعميق الشعور بالعدل والمساواة ، والمصالح المشتركة بين الناس ، ومعرفة فوائدها أو أضـــــــرارها ، عدالتها أو ظلمها .
د – تعميق الوعي الثقافي الشخصي الذي يؤدي إلى حب الناس لاقتناء الأشياء الحياتية الضرورية ، واعتبارها جزءاً من حقوقهم الأساسية ، وهذا بدوره يؤدي إلى تقوية عوامل النقد والمناقشة والحوار الذي يقوم على احترام القانون وترسيخ عوامل الإقناع .
من خلال هذه المستلزمات اتسع النشاط الاقتصادي الذي أدى إلى ظهور قواعد وتشريعات قانونية جديدة، أدت إلى تضييق مساحات الإجرام وتحجيم الجريمة وتطوير وسائل مكافحتها وتقليل مخاطرها ، وتفجير دور الفرد في عملية البناء الشامل للمجتمع والدولة والتنمية ، ومســاهمته في عملية تنظيم الإنتاج والدفاع عن حقوقه .


















