التدريس… عندما يموت الشغف – هشام محمد عبدالله

 

أ.د. هشام محمد عبدالله

كثير من الاستبانات ونتائج الخبراء تقول أن أكثر صفة مهمة وضرورية لشخصية الأستاذ هي الحماس والشغف، فهما افضل الدوافع والحوافز على العطاء، بل هما من أفضل منشطات العقل وتحريك الفكر نحو البحث والإبداع وطلب الجِدّة، فترى الأستاذ يتوقّد نشاطاً وحيوية فيحوّل الصف الدراسي إلى واحة معرفة مزدانة بالعطاء المميز والفضاء الممتع، ولا يتوقف تأثير الحماس ومثله الشغف عند هذه الحدود، بل يتجاوز ذلك على المساحات الداخلية لهذا التدريسي، فعلى الرغم من الإرهاق والتعب الذي ينفقه في عملية التدريس إلا أنه يحقق لنفسه أماناً وسكينة ورضى داخلياً يهوّن التعب ويُسِرّ النفس.

امتلاك هذا التدريسي لهذه الصفة بحدّ ذاته رسالة متعددة الأغراض لطلبته، حين يرون فيه نموذج التفاني والإخلاص والرغبة الصادقة في تطويرهم، فمنهم من يخطط لتقليده والاقتداء به، ومنهم الذي ينتفع من حديثه، ومنهم من يقف مشدوهاً أمام سؤال نفسه: لماذا يفعل ذلك؟ ومن المؤكد أنهم لن يخطر ببالهم أن هذا العطاء المميز وهذا الحماس ليس محركه ودافعه الراتب الذي يتقاضاه، فهم يجدون غيره ممن يتقاضى راتبه وربما أكثر منه، ولكنه لا يبذل مثل ما يبذل هذا، أما ساعة المحاضرة فهي إما حبس مؤقت ينتظر مَنْ فيه الخلاص منه بفارغ الصبر، أو ساعة ترفيه وسياحة لا يودّ مَنْ فيها أن يغادرها، كل ذلك مردّه قدرة الأستاذ على تحسين أدائه وتطوير اساليبه وتوسيع معارفه.

ما الذي حدث فجأة لهذا الشغف حتى يخفت في نفس هذا الأستاذ؟ ما الظروف التي أماتت فيه الروح الحماسية؟ هل هو التقدّم بالسن؟ ربما، ولكن ثمة من تقدّم بهم السن ولا يزدادون إلا تألقاً، هل هو مستوى الطلبة القادمين الذين تزداد الفجوة بينهم وبينه ؟ ربما، ولكن التدريسي ذا الرسالة يرى في هذا النوع من الجيل فرصة للتغيير مواتية، والإنجاز الذي يتحقق معهم أولى وأكبر من جيل قد كبر على الخطأ وتجذّر فيه.
إنّ بعضاً من أسباب تلاشي الشغف سببه إداري، وبعضه علمي، وبعضه مادي أيضاً، فعندما تأتي التعليمات من مراجع عليا متأسسة على قيم غير علمية، ويُطالب الأستاذ الالتزام بها، مع أنها محض أخطاء ونتاج أمزجة “تزببت قبل أن تحصرم”، وظنّت أن المنصب الجديد يستدعي ويستلزم تغييراً لما هو موجود حتى لو كان صواباً، حينها يبدأ الشغف بالتراجع، والحماس يعتوره الفتور، عندما تتأسس التعليمات الجامعية على قرارات منبثقة من قليلي الخبرة، وما يمتلكونه لا يعدو أن يكونَ منصباً تسنّموه وفق اعتبارات (خاصة)، هناك يبدأ الشغف بالتراجع وتُغتَصَبُ كل تلك الحماسة وذلك الإشعاع، عندما تكون كتب الشكر لمتسنّمي المناصب مقتصَرَة، دون المحرّك الأول والحقيقي للإنجاز وهو الأستاذ الجامعي، حينئذٍ يدبّ الخور وتتراجع الهمم، وعندما تُؤكل حقوق التدريسي ويُماطلُ بها، وتكون البيروقراطية المقيتة مطبقة عليهم فقط، هناك نقول إننا في مرحلة خسارة الكفاءة الجامعية.
ليس من المنطق أن يتم تجاهل الخبرات المتراكمة والتركيز على الأفكار الشاردة وغير المدروسة، التي لا تكتسب قيمة لها إلا لأنهاصدرت من جناب المسؤول الفلاني أو العلاني.

الأستاذ الجامعي كيان مجبول على العطاء والتفاعل مع قيم المؤسسة الجامعية التي عرفها طالباً ثم استاذاً، ومن الطبيعي أن يعترض بما يمتلكه من هذه الخبرة المتقدمة على القرارات والتعليمات الارتجالية، وبدلاً من التريّث وتقويم تلك الخطوات والتوجهات وفق هذه الخبرة، تكون الإجراءات حاسمة بأنها (تعليمات وصدرت)، وكأنها نص مقدّس لا يناله النقد أو التعديل، هنا ثمة مأزق أمام الأستاذ فإما العمل بما يملي عليه ضميره العلمي ومهمته التربوية وهو ما يؤمن به، وإما التنازل عن هذه المهمة والتزام الصمت الذي سيوْدِي بشغفه وحماسته ورغبته المتّقدة في العطاء، في مثل هذه الحال من الطبيعي أن يتوزّع جمهور الأساتذة بين هذين الموقفين، فالنقد يُعدّ مخالفة انضباطية يحاسب عليه الأستاذ الجامعي خاصة أن التعليمات التي تستهدف تكميم الأفواه بدأت تزداد مع خضوع المناصب إلى معادلات المحاصصة وتقاسم النفوذ، والرضى والسكوت عن انهيار البنى التعليمية وفقدان المؤسسة الجامعية لا يحتمله كلّ أحد، حينئذ لن يكون هذا الشغف إلا ذكرى كانت ممارسة يوماً ما وتلاشت، والخاسر الأكبر هو الجيل المستهدف قبل أن يكون المتأثر هو الأستاذ ذاته.

لعلّ البيئة الآمنة والمريحة عاملٌ مهم في تعميق قيمة الشغف بالتعليم وتنميته، وتوفير البيئة والفضاء المريح يجعل الأستاذ الجامعي مرابطاً في موقعه الوظيفي، مستشعراً وجوده بهذا الفضاء المفعم بالمراجعات العلمية من الطلبة، والبيئة التي تجمع الزملاء تحت سقف واحد للتحاور والتفكير والتطوير هي من أهم اسباب بقاء حالة الشغف والتعلق بالمؤسسة الجامعية التي هي مصنع الأفكار وفضاء الإبداع، لذا فإن من أهم استراتيجيات القيادات الجامعية الوقوف والتريّث، وتقويم الأداء الفاعل وليس الأداء الشكلي الذي لا يعدو أن يكون استمارات يُطالب بملئها الأستاذ، دون أن تنبني عليها فكرة مقنعة ومبادرة متقدمة، وأهم أدوات التقويم هو توفير مستلزمات العطاء اللامحدود للتدريسي، والمستلزمات كما قلنا قد تأخذ مساراً اعتبارياً أو علمياً أو مادياً، وبخلاف ذلك، فإن المؤسسة الجامعية لن تكون أكثر من مكان مجردٍ من الروح تتحرّك فيه كائنات لا تأثير لها.