البطاقة التموينية إلى أين المسير؟ – سيف الدين محمد الحديثي

البطاقة التموينية إلى أين المسير؟ –  سيف الدين محمد الحديثي

لقد مرت كثير من دول العالم بحروب أهلية داخلية وحروب إقليمية وحروب عالمية كان من نتائجها تدمير مدن ومؤسسات إنتاجية وخدمية وقتلت وأعاقت الآلاف من ساكنيها من البشر بدءاً بالحرب الاهلية في الولايات المتحدة الامريكية والحربين العالمية الاولى والثانية وحروب جنوب شرق اسيا والحرب الباردة التي أدت الى انهاء وتفكيك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وحروب منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي وتداعيات إحداث ما عرف بالربيع العربي في بعض الأقطار العربية ودخولها في اتون الإرهاب العالمي الذي دمر ما لم تدمره تلك الحروب ونتاجها الدمار الذي أصاب البنى التحتية ومؤسساتها الحكومية وقتل وتهجير ونزوح سكان غالبية مدنها أخذوا ينتظرون المساعدات والإعانات في مراكز إيواء لا تتوفر فيها أبسط متطلبات الحالة الإنسانية في أقطار أنعم الله عليها بالخيرات العديدة من ثروات طبيعية وزراعية وكان العراق اكثر حظاً من الدول الأخرى فيما اصاب أرضه وشعبه ومؤسساته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية جراء الغزو الذي تعرض اليه منذ نشأت أولى الحضارات في العالم على أرضه قبل اكثر من خمسة الاف عام  الحضارات الاكدية والسومرية والبابلية والاشورية هذا الغزو القادم من شرق وشمال شرقه جاءت غازية للتدمير والسلب وكان ماكان من تداعيات الظروف المعيشية والاجتماعية والثقافية في العراق على مر التأريخ.

هذه المقدمة كان لابد منها كمدخل لدراسة موضوعنا أعلاه ألا وهو مصير البطاقة التموينية التي بدأ العمل بها منذ عام 1996 من خلال الاتفاق بين الأمم المتحدة والعراق على ما عرف بمقايضة النفط بالغذاء و الدواء البرنامج الذي اعد واشرف على تنفيذه خبراء الأمم المتحدة الذي أتاح للعراق تصدير كميات من النفط الخام عبر منافذ التصدير في الخليج العربي والبحر المتوسط وبالكميات التي توفر موارد مالية تكفي لتغطية احتياجات العراق من المواد الغذائية والدواء ونفقات مكاتب الأمم المتحدة في العراق وخارجه والتي عرفت في حينها بسلة المواد الغذائية التي تشمل الطحين ،  الرز،  الشاي ،  الزيوت ،  المنظفات ،  حليب الأطفال واختير في حينها إن يكون احد البنوك الفرنسية BNP مركزا لتجميع العوائد المالية لصادرات النفط ومن خلالها يتم تغطية استيرادات المواد الغذائية والدواء التي أخذت اجهزة وزارة التجارة وبكفاءة عالية من تأمين وصول حصة المواطن شهريا وباسعار رمزية قدرها 250  دينارا عن كل مواطن وقد استلم المواطن في العراق حصته من سلة الغذاء 3-6  اشهر قبل نيسان /2003  ولم نسمع بان هذه المواد غير صالحة للاستهلاك االبشري او شابها شبهات الفساد المالي والاداري وبمتابعة من قبل فرق جوالة متخصصة تابعة لمكتب الامم المتحدة للغذاء في العراق التي تعرض لانفجار عنيف طال مديره وعشرات القتلى والجرحى بعد عام  2003 ولاسباب معروفة للقاصي والداني وحسب احصاءات البنك المركزي العراقي فان الرصيد الفائض المدور الموجود في البنك الفرنسي حتى نيسان/2003  كان بحدود 10 عشرة مليار دولار حيث تم نقله الى حساب العراق في البنك الفيدرالي الامريكي.

سياسة اقتصادية

اما بعد عام 2003  وما ترشح من سياسات تجارية واقتصادية تارة تقوم على خصخصة منشات  القطاعات الانتاجية وبيعها للنشاط الخاص من خلال اشاعة الاخذ بسياسة الاقتصاد الحر واقتصاد السوق ومن خلالها سيزدهر الاقتصاد العراقي وتتعاظم قدراته الانتاجية من السلع والخدمات بما يضفي الى الغاء البطاقة التموينية التي عدت في حينها سبة للنظام السابق وتارة اخرى يدعون الى بقاءها مع زيادة كميات ونوعيات السلة الغذائية لتصل الى  12 مادة فيها المحــــــــــمر والمشمر والسابوح والناطوح والبـــــاحوث وتارة ثالثة يشاع أن الحكومة ســـــــتقوم بتوزيع اموال نقدية شهريا على المواطن بدلا من الســــــــــلع الغذائية التي اصحـــــابها التقنين في العدد حتى تراوح عددها ثلاث مواد وليســت بصورة مستمرة وانما متقطـــــــــعة شهريا وشابها ما شابها من ملاحظات كثــــيرة منها :-

  • تقنين أي اقلال عدد ونوعيات المواد الغذائية الموزعة وليس شهريا وانما كلما توفرت في مخازن التجارة على الرغم من ان جميع الموازنات السنوية منذ عام 2003 وحتى الان هناك رصيد مالي كاف لتغطية نفقات استيراد سلع البطاقة التموينية حيث خصص المبالغ للسنوات من  2003 ولغاية 2017  ندرج بعضا منها : 2007  3928  مليار دينار و 2011 4000  مليار دينار و 2013 4917 مليار دينار و 2016 2470  مليار دينار و 2017 1693 مليار دينار بالاضافة الى مايدفعه المواطنين شهريا حتى ولو استلم مادة واحدة.
  • تردي النوعيات المستوردة من هذه السلع سواء من مناشئها الانتاجية أم من مراكز تسويقية في دول أخرى والتي كان البعض منها غير صالح للاستهلاك البشري كالرز والشاي والزيوت والطحين.
  • رافق استيرادات وزارة التجارة من سلع البطاقة التموينية الكثير من العقود الوهمية ورشا وعمولات وسماسرة طالت كبار المسؤولين في الدولة ولا تزال على عينك ياتاجر.
  • حتى عام 2003 كانت البطاقة التموينية تطبع في مركز حاسبة وزارة التجارة بكفاءة عالية ومع كل المتغيرات التي تطرأ على افراد الاسر ومن خلال سيطرة مركزية غير قابلة للتزوير أو تسرب بطاقات الى اشخاص غير معنيين كما حصل بعد عام 2003 حيث تم نقل الطابعة الى خارج العراق وهذا يحقق الرشاوي والعمولات ومصاريف الايفاد والسفر والتكاليف التي تدفع بالدولار الى جهات خارج العراق.
  • منذ عدة سنوات المواطن العراقي يسمع تصريحات من مسؤولين في وزارتي المالية والتجارة عن اصرار صندوق النقد الدولي على الزام الحكومة العراقية أما بالغاء البطاقة التموينية جملة وتفصيلاً أو ان تكون حصراً على الاسر التي تعيش دون مستوى الفقر وهي تتزايد سنويا حسب احصاءات وزارة التخطيط المتواضعة بالاضافة الى تعاظم ظاهرتي التضخم الجامح والبطالة بكل انواعها .

وبالتالي فان البطاقة التموينية لا تزال مركونة في غرفة العناية المركزة تحتضر بدون أجهزة انعاش وعلاج وفي غرف اخرى يتم التعامل بالعقود الوهمية والعمولات والرشا والفساد المالي والاداري في حسرة على ايام زمان كان المواطن العراقي يستلم سلة المواد الغذائية من مناشئ عالمية جيدة وهو يردد لا حظيت بالجزة ولا بالخروف أو لا بالعنب ولا بسلته والعلاج و الاصلاح ممكن وليس بالبعيد لكن الاصلاح يجب ان لا يكون بأيدي الاشخاص الذين طالتهم شبهات الفساد المالي والإداري وانما باصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة حتى من المتقاعدين الذين كانوا يعملون في وزارة التجارة.