البصّون يرأس صحيفتي الرأي والجماهير الناطقتين باسم عبد الكريم قاسم

البصّون يرأس صحيفتي الرأي والجماهير الناطقتين باسم عبد الكريم قاسم
دجلة استقطب أثرياء اليهود ومشروع برج بغداد دفع السلطة الحكومية إلى تأميم المقبرة اليهودية عام 1959
نسيم قزاز
ترجمة صباح ناجي الشيخلي
تأميم المقبرة اليهودية
خيمت مصادرة المقبرة اليهودية القديمة من لدن السلطات، على الحقبة المشرقة في حياة اليهود في ظل نظام حكم قاسم. تقع هذه المقبرة التي استعملتها الطائفة طوال مئات السنين، حتى مستهل الخمسينات في أطراف بغداد الشرقية. ومع تعاظم حركة التطور والبناء، أحيطت المقبرة بالبنايات، المشاغل والمحال، إذ امتدت في الحقيقة على منطقة واسعة داخل المدينة. وأراد عبد الكريم قاسم أن يشيد في بغداد برجا مماثلا للصرح الذي أقامه جمال عبد الناصر في قلب القاهرة. وتوجه قاسم لغرض إقامة البرج، إلى خبراء سوفييت إذ قرروا أن المكان المناسب لإقامته هو المقبرة اليهودية. ودعا إليه في عام 1961 الحاخام ساسون خضوري رئيس الطائفة وأمره بإخلاء المقبرة ونقل رفاة المدفونين فيها إلى المقبرة الجديدة التي منحت للطائفة في سنة 1945 والكائنة في أقصى المدينة والتي بقيت فارغة دون استعمال منذ ذلك الوقت. ولم تجد نفعا احتجاجات أبناء الطائفة اليهودية ورئيسها، إذ اضطر اليهود إلى نقل رفاة آبائهم وأقربائهم على عجل، في نهاية الصيف الملتهب، من خلال مشاعر الإحباط والحزن كي يتمكنوا من تسليمها إلى السلطات قبل الرابع عشر من شهر تموز من السنة ذاتها.
قلق اليهود
لم تنقل جميع بقايا الرفاة. وقلق اليهود، ولاسيما على إخلاء رفاة أقربائهم. ودمرت بقية القبور ومن بينها قبر الأشقاء ضحايا أعمال الشغب التي جرت ضد يهود بغداد في شهر حزيران 1941، تلك الأعمال التي عرفت باسم الفرهود.
لم ينفذ برنامج قاسم وبقيت أرض المقبرة فارغة خلال سنوات عدة بوصفها شاهدا أبكم وأطرش على الحيف والاستبداد.
قبل نقل الهياكل العظمية والرفاة من المقبرة، قلقت الطائفة من إحاطتهم بسور يصل ارتفاعه إلى حوالي أربعة أمتار وكلف بناؤه آلاف الدنانير. ومُنح مواطنو العاصمة قبل حرب الأيام الستة حرية التصرف، الذين حصلوا في زمن قاسم على قطع أراضٍ في المنطقة لإقامة بيوتهم وقد بدأوا بهدم السور بمنهجية بغية أخذ الطابوق لاستعماله في البناء حتى اختفى السور تماما.
أثر تأميم المقبرة بشكل أشد في يهود عديدين. وقد عبَر مئير بصري عن حزنه حول هدم قبر والده المدفون في سنة 1927، بأبيات قصيدة نظمها في سنة 1968 بعنوان فراق القبر ، وعاد في سنة 1977 برثاء والده بقصيدة أخرى.
نشاط سياسيّ
ابتعد اليهود المتبقون في العراق بعد الهجرة الجماعية، عن السياسة ناهيك عن مجموعة من الشيوعيين الذين زجوا في السجون ثم أبعدوا إلى إسرائيل عند انتهاء مدة حبسهم. وطبقا لذلك، فقد أنقذهم هذا التصرف من نكبات وكوارث كانت من نصيب جماعات وأبناء الطوائف الأخرى التي كانت متورطة في الحوادث والانقلابات التي عمت العراق في حقبة حكم قاسم، مثل تمرد الشواف الموالي للحركة الناصرية الذي حدث في الثامن إلى العاشر من شهر آذار عام 1959 في الموصل، وقد قمع بوحشية، أو المذبحة التي قام بها الشيوعيون ومؤيدوهم بعد ذلك ضد التركمان في كركوك وفي أماكن أخرى. وكان المجال السياسي الوحيد الذي أهتم فيه اليهود هو الصحافة ، وتميز نشاطهم هنا أيضا بحذر شديد. وأهتم ثلاثة صحفيون يهود بهذه المهنة وهم مراد العماري، سليم البصون ونعيم تويق. وقد ذُكرت علاقات الأخير ودوره بوصفه حلقة وصل بين نائب الزعيم وصفي طاهر الذي عُد من المقربين إلى عبد الكريم قاسم، وبين كامل الجادرجي. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، أن طويق كان ناشطا جدا في كتابة المقالات الصحفية للحزب الوطني الديمقراطي الذي انضم إليه في سنة 1946، ولم تتوقف علاقاته مع الجادرجي عندما أغلقت صحيفة الأهالي أيضا بعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم في سنة 1963. وقد واصل تقديم مساعدته بكتابة تصريحاته واحتجاجاته ضد سياسة نظام الحكم في حقبة عبد السلام عارف دون ذكر اسمه. وعموما، امتنع الصحفيون اليهود في حقبة قاسم، شأنها شأن الحقب التي سبقتها، عن الإشارة إلى أسمائهم على المقالات التي كتبوها.
وأسهم سليم البصون، الذي عُد هو أيضا من المنتسبين إلى الحزب الوطني الديمقراطي عند تشكيله في سنة 1946، في دفع الأهداف التي نادى بها الحزب إلى أمام بكتابة وتحرير شبكة واسعة من صحف الحزب أو تلك التي كانت قريبة منها في الآراء. وكانت بين تلك الصحف، صحيفة البلاد الخاصة برفائيل بطي، التي بدأ البصون العمل فيها منذ سنة 1954 وحتى إسقاط نظام الحكم الملكي في 1958. وعُين البصون في زمن نظام حكم قاسم، رئيس تحرير لصحيفتين اللتين كانتا الناطقتين باسم قاسم نفسه وهما صحيفة الرأي للشاعر محمد مهدي الجواهري وصحيفة الجماهير ، وقد عمل بعد ذلك في صحيفة الأخبار .
محاولة اغتيال
وفي أثناء محاولة اغتيال قاسم في السابع من تشرين الأول 1959، أعتقل سليم البصون بأمر من القائد العسكري بتهمة خرق النظام العام والتسبب بأضرار لأنظمة الحكم العربية . وقد أبعد إلى بلدة السماوة الكائنة في جنوب العراق وأطلق سراحه بعد مضي حوالي شهر ونصف بأمر من قاسم نفسه. وفي الوقت نفسه جرت محاولة اغتياله أيضا. ووقعت محاولة أخرى لاغتياله في سنة 1964 بعد سقوط نظام حكم عبد الكريم قاسم وتولي عبد السلام عارف السلطة، وقد أضطر للاختفاء لمدة ما. وفي عام 1973 اعتقلته السلطات البعثية وأنقذه تدخل بعض الأصدقاء.
الحياة الاجتماعية
كذلك عُد مراد العماري من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي وقد أعتقل هو أيضا لمدة ما، بعد سقوط نظام حكم قاسم، في الثاني من شهر آذار 1963 وأطلق سراحه بعد مرور أكثر من شهرين تقريبا، وبدقة أكبر في الحادي عشر من أيار عام 1963، بعد أن تعهد بالبقاء في العراق لمدة خمس سنوات. في سنة 1959، تأسست نقابة الصحفيين لأول مرة، وعُد الصحفيون اليهود الثلاثة من أعضائها وطبقا لأقوال العماري، كان هو من بين أولئك الذين طالبوا بتأسيسها. وحظي آنذاك كل واحد من الثلاثة بقطعة أرض قرب قصر الزهور ، ضمن تلك القطع المخصصة لأعضاء النقابة. وجرى الانضمام إلى النقابة من خلال رغبة حرة دون أي تدخل من جانب السلطات. وصل عمل الصحفيين اليهود في العراق إلى نهايته في سنة 1963 بعد تسنم عبد السلام عارف السلطة. وقد توجهوا إلى أعمال أخرى فقد عمل مراد العماري، حتى هجرته إلى إسرائيل في عام 1971، في وكالة ولو للسيارات، وجد نعيم تويق عملا له في مذخر الرافدين للأدوية، حتى هجرته إلى البلاد في عام 1973، وعمل سليم البصون في شركة اوتوكار حتى سنة 1971. واستأنف في هذه السنة نشاطه بوصفه صحفيا في مجلة الطليعة حتى هجرته إلى إسرائيل في سنة 1973.
اغتنى يهود كثر في حقبة قاسم وانتقلوا للسكن في بيوت فارهة. وانضمت اسر يهودية غنية، بعد غلق نواديهم في حقبة الحكم الملكي، إلى نوادٍ مختلطة عُد أعضاؤها من الاسر المسيحية والمسلمة من الطبقة الراقية. وعُدت في حقبة قاسم أربعة نوادٍي اجتماعية مثل تلك التي استطاع اليهود الانتساب إليها وهي المنصور الذي أقيم آنذاك وعد الأحدث، الكائن على بعد 25 كم غرب جانب الكرخ الجانب الغربي من بغداد ، نادي العلوية الذي كان في السابق نادٍ بريطاني ثم انتقل إلى الحكومة، نادي اكروبوليس الذي شيد مجددا قرب منطقة المسبح، ونادي التجار الذي عُد عدد من التجار اليهود من مؤسسيه، وبعد تأسيسه انضم إليه تجار يهود كثر.
ويورد لنا باخور كورجي الذي بقي في العراق حتى مستهل السبعينات، وصفاً مفصلا عن الحياة الاجتماعية وشكل قضاء الأوقات للطبقة الميسورة من يهود العراق في تلك الحقبة جاء فيه
تقيم الاسر اليهودية بين الحين والآخر حفلات واحتفاء داخل فللهم. وتقدم الدعوة إلى عشرات الضيوف من الاسر الأخرى لحضور تلك الحفلات، إذ تقدم فيها الأكلات والأطعمة اللذيذة التي أعدها طباخون حرفيون. ويصل الضيوف وهم مرتدون ثيابا وفقا لآخر متطلبات الموضة بسيارات فخمة…. ويقيم آخرون حفلات خاصة من خلال التنزه في نهر دجلة بواسطة قوارب ذات محركات تمخر عباب مجرى النهر، إذ يتمتعون بمناظر ضفاف النهر المغطاة بالخضرة، وبالورود وبصفوف الأشجار المكتظة… ويقيم الضيوف وسط مناظر الطبيعة الساحرة حفلات رقص، عزف وغناء ويستمتعون بشهية كبيرة لتناول السمك المسكوف من نوع الشبوط المتواجدة في أنهار العراق بوفرة. كذلك يشير مئير بصري إلى أن اليهود قد اعتادوا في الحقبة ذاتها قضاء ساعات متواصلة في حضن الطبيعة وعلى ضفاف النهر والقيام بنزهات وزيارات لمختلف مدن العراق. واعتادت السلطات في تلك الحقبة تقديم دعوة لرجال أعمال وشخصيات بارزة من بين اليهود للمشاركة في استقبالات رسمية، يحضرها أحيانا قاسم شخصيا. وفي الحقيقة، لم يكن في ذلك تجديد ما، لأنه كانت تقدم دعوات لرؤوساء الطائفة لحضور المناسبات الرسمية في حقبة الحكم الملكي أيضا. غير أن التغيير في مشاركة اليهود في تلك الحوادث، كان يكمن في إظهارها في الصحافة المحلية ووسائل الاتصال. ونشرتْ الصحافة، على سبيل المثال التهنئة التي بعثها الحاخام ساسون خضوري إلى الجنرال قاسم في 24 اذار 1960 بمناسبة حلول عيد الأضحى. ورد اليهود على معاملة قاسم الايجابية لهم، بالاعتراف بالجميل معربين عن ذلك في شتى المناسبات. وأكثر الحاخام ساسون خضوري رئيس الطائفة من إجراء الزيارات لرؤوساء السلطة وللجنرال قاسم نفسه أيضا، بل أقام صلوات خاصة لسلامة الزعيم. لقد أجرى رئيس الطائفة اليهودية أول زيارةٍ لقاسم خلال الشهر الأول من الثورة في مبنى وزارة الدفاع التي اتخذها قاسم بوصفها محل سكن له. وقدّم الحاخام ساسون خضوري في هذه الزيارة تهنئة الطائفة اليهودية لرئيس الجمهورية، مثلما عمل باقي رؤوساء الطوائف والمحافل المختلفة في العراق. وعندما جُرح قاسم، في محاولة الاغتيال التي تعرض لها، والتي نفذها أعضاء حزب البعث في السابع من تشرين الأول عام 1959، اعتاد الحاخام ساسون خضوري زيارته في مستشفى العلوية التي رقد فيها إثر الإصابة. وكان يقدم له في كل مرة هدية متواضعة. وقدم له في إحدى الزيارات تميمة وهي عبارة عن رق دُونت عليه بالعبرية تهنئة وتمنيات بشفائه، وكانت التميمة موضوعة داخل غلاف مصنوع من الذهب الخالص. استلم قاسم التميمة قبَلها ثلاث قبلات ووضعها على صدره. أفادت الصحافة العراقية في تموز من عام 1959، قبل أسبوع من يوم اندلاع الثورة أنه سيجتمع في يوم الرابع عشر من تموز أبناء الطائفة الموسوية برئاسة الحاخام ساسون خضوري لإقامة صلاة خاصة بسلامة الجمهورية العراقية، لشعبها، لجيشها وازدهارها ولتطورها الاقتصادي، وكذلك لسلامة الزعيم عبد الكريم قاسم. السلطات اعتادت في تلك الحقبة تقديم دعوة لرجال أعمال وشخصيات بارزة من بين اليهود للمشاركة في استقبالات رسمية، يحضرها أحيانا قاسم شخصيا. وفي الحقيقة، لم يكن في ذلك تجديد ما، لأنه كانت تقدم دعوات لرؤوساء الطائفة لحضور المناسبات الرسمية في حقبة الحكم الملكي أيضا. غير أن التغيير في مشاركة اليهود في تلك الحوادث، كان يكمن في إظهارها في الصحافة المحلية ووسائل الاتصال. ونشرتْ الصحافة، على سبيل المثال التهنئة التي بعثها الحاخام ساسون خضوري إلى الجنرال قاسم في 24 اذار 1960 بمناسبة حلول عيد الأضحى.
/7/2012 Issue 4241 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4241 التاريخ 3»7»2012
AZP07