الإحتفاء بالتشكيلي الرائد رافع جاسم
سيرة فنية طويلة ما بين الرسم والديكور
علي إبراهـيم الدليمي
اقامت دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة، على إحدى قاعاتها، المعرض الإستعادي للتشكيلي رافع جاسم، الذي ضم مجموعة ما تبقى من أعماله الذي رسمها قبل أن يضعف بصره، فضلاً عن مجموعة أخرى من مقتنيات المتحف الوطني للفن الحديث، كما أقيمت على هامش المعرض ندوة نقدية عن مسيرته الفنية، قدمها كل من الناقد د. جواد الزيدي والنحات منذر علي والناقد والكاتب.
ويعد الفنان رافع جاسم من جيل ما بعد الرواد، وقد شكل، باسلوبه المتميز، لبنة متبلورة في صرح الفن العراقي المعاصر، إذ بدأ مسيرته الأبداعية مبكراً، ومنذ بداية الخمسينيات من خلال مشاركاته المكثفة في المعارض المحلية، وجدير بالذكر أن في أول خطوة نحو إحتراف فن الرسم للفنان رافع جاسم في مشاركته وهو ما زال طالباً، وقد شاهده في المعرض الذي أقيم في المركز الإجتماعي في منطقة تل محمد، الملك فيصل الثاني في عام 1955 وقرر إرساله إلى الهند للإطلاع على منمنمات الفن الهندي والديكور الجداري عن كثب، وفي عام 1962 عين في دائرة الإذاعة والتلفزيون، مصمماً للديكور ورساماً، وفي عام 1966 أرسل في دورة إلى مصر بمعهد التدريب التلفزيوني العربي، ونال درجة الإمتياز على المشاركين من جميع أنحاء الوطن العربي، كما أسهم في تأسيس قسم الديكور في ليبيا عام 1969 وأنتدب معهم لمدة سنة واحدة.
وتتميز أعمال الفنان رافع جاسم، بهيمنة اللونين الأصفر والبرتقالي على سطح ومفردات موضوعاته عموماً، متمتعة بخصوصية الإستفادة الكلية من عملية إنعكاس الضوء والظل مع بعضهما لإبراز زوايا المكان وتحديد الزمان، فهو منذ سنين طويلة يشتغل على هذا المنوال، متلذلذاً بصياغة التفنن بجمالية الضوء والظل ومساقطهما على الأشياء البارزة والكتل المتنوعة، فهذان المتضادان المتلازمان يكمل جمالهما الآخر، قد شغل فعلاً حياة وتأمل الفنان رافع جاسم.. وبذلك قد رسم هوية إسلوبه الواضح.. وأصبح البصمة الشخصية في تقديم أعماله الفنية، فضلاً عن انه قد أستمد من البيئة البغدادية، حيث بيوتاتها وأزقتها.. حياتها اليومية، مقاهيها، أسواقها، فولكلورها، ألعاب أطفالها… كما استلهم بكثرة مشاهد خيالية من واقع أهوار جنوب العراق الجميلة، بألوانها الشرقية الرائعة، وقد رسم من ذلك عشرات اللوحات الإجتماعية والسياسية الرائعة، وجميعها مقتناة داخل العراق وخارجه.
وقد كتب الناقد عادل كامل في تجربة الفنان رافع جاسم: لم يكن الفتى الذي ترعرع في غابات البرتقال والنخيل، وتعلق بأسرار الأرض وأنشغل بموضوعات الإنسان، إلا الفنان رافع جاسم، الذي ظهرت أولى تجاربه بالرسم في أكثر سنوات التشكيل العراقي تدشيناً للحداثة- بمعناها التجريبي والمتقدم في مطلع خمسينيات القرن العشرين.
لكن رافع جاسم سيخط لمصيره الفني، مع فن الرسم العمل في قسم التصميم “الديكور” في تلفزيون بغداد، فقد كانت العلاقة بين الهندسة والشغف بالألوان قد صاغها ببناء أشكاله الجدلية بين شاعرية الرسم ودراما المسرح بما يتضمنه من مضامين فكرية ذات صلة بالإتجاه التركيبي, وتوحيد تنوعها برؤيته المعمارية والرمزية المستمدة من البيئة العراقية، الأمر الذي سمح له أن يجد مصيره في الفن وفي الوقت نفسه أن يتشبث بالرسم, بالرغم من تعرضه إلى خلل في “البصر” كاد يعزله عن عالم الألوان وجماليات التصوير، لكن رهافته وإرادته وصبره تحولت في ذلك المأزق إلى إصرار نادر بإستكمال مشروعه الإبداعي فكان يرسم بذاكرة بصرية مستعادة وديناميكية ومتخفية منحت نصوصه الفنية عالماً متفرداً زاخراً بالأصوات والعلاقات والعلامات برهنت بإنحيازها لخطابه الفني وخصائصه المتفردة بعيداً عن موجة محاكاة النماذج المستعارة أو إستنساخها.
لقد كانت مسيرته الفنية عبر أكثر من ستين عاماً تحدياً وتمسكاً بأكثر الأدوات رهافة حساسية في فن الرسم والتوغل عشقاً في عالمه الفسيح.
وبهذا يكون رافع جاسم قد برهن أن الفن وحده كما هو لغز القلب لا يعرفان الدحض ولا الموت وأنهما سيقترنان بهوية الفنان وبتدشيناته الدائمة.
الفنان في سطور
مواليد بغداد عام 1939 شارك في أول معرض للرسوم مع مجموعة من صفوف مدرسته الناشئين وذلك عام 1955 في المركز الإجتماعي في بغداد وكذلك عام 1956 ثم مارس نشاطه الفني على يد الأستاذ خليل العزاوي مدرس الرسم في المتوسطة الغربية والذي كان رئيسا لقسم الديكور أيضا.
نال وسام تقدير من تلفزيون العراق في مجال الديكور عام 1976 وحصل على شهادة الابداع التلفزيوني في مجال الديكور ايضا من المهرجان الاول لتلفزيون العراق في عام 2000 كما حصل على عدة شهادات تقديرية في مجال الفن التشكيلي ونال الجائزة الثانية من معرض الفن العراقي المعاصر عام 2000 ايضا وسام الفن من نقابة الفنانين.
رسم مئات اللوحات وجميعها مقتناة داخل العراق وفي العديد من بلدان العالم.كما رسم مئات التصاميم لبرامج التلفزيون في العراق وخارجه والكثير من فقرات المنوعات التلفزيونية من برامج ثقافية ومنوعات ومسلسلات درامية.
اقام احد عشر معرضا شخصيا ومعرضين مشتركين من الفنانة نجاة حداد أقيمت في المركز الثقافي الألماني 1968-1969 ومعرض على قاعة الارشاد في البصرة عام 1969 وجمعية التشكيليين عام 1971 والمركز الثقافي الفرنسي عام 1974 ونادي العلوية للاعوام 1976-1977-1978-1979 وفي قاعة المتحـــــف الوطني للفن الحديث وعلى قاعة منتدى الفنانين في التأميم عام 1984 وعلى قاعة الرواق عام 1992 وعلى قاعة العلــوية للفنون عام 1994.
عضو في كل من جمعية التشكيليين ونقابة الفنانين العراقيين.
























