الإتصال الجماهيري في عصر العولمة – سعد كاظم الطائي

الأسس والآليات

 الإتصال الجماهيري في عصر العولمة – سعد كاظم الطائي

يطلق على الاعلام عبارة الاتصال الجماهيري وذلك بسبب توجه هذا النوع من انواع الاتصال الى جماهير متعددة ومتنوعة في المستويات والاذواق والرغبات والقدرات وفي تعدد فئاتها العمرية فضلاً عن تواجدها في اماكن كثيرة ومتعددة وغير معروفة للقائم بالاتصال والذي يتوجه في غالب الاحيان برسائله الاتصالية الى هذه الفئات المتعددة من الجماهير من دون ان يعرف عنها الا الشيء القليل من المعلومات التفصيلية.

          فالاتصال الجماهيري يقوم على الانتاج المكثف والواسع للرسائل الاتصالية والمرتبطة باستعمال الوسائل التكنولوجيه من اجل نقل هذه الرسائل من المصدر الى المتلقي (الجمهور) والذي يكون عادة باعداد كبيرة جداً وفي اماكن متفرقة يصعب على المصدر حصرها او معرفتها. فالجمهور مجهول للمصدر في غالب الاحيان الا بعض المعلومات التي قد تكون قليلة والتي يحصل عليها بواسطة  مجموعة طرق منها مسوح الراي العام او اجراء الاتصالات المباشرة مع بعض اعضاء الجمهور او غيرها من الطرق.

العولمة.. المفهوم والابعاد

ينطوي مفهوم العولمة على جعل العالم كياناً واحداً بعيداً عن الحدود السياسية والجغرافية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية فهي تدعو الى فتح الحدود الجغرافية والاقتصادية والسياسية للدول امام حركة البضائع والسلع والافكار بدون فرض أي نوع من انواع الحواجز عليها والغاء العقبات والعراقيل التي تحول دون وصولها الى المصادر او الجهات التي تبغي الوصول اليها.

وتنطوي ظاهرة العولمة على انها ذات طبيعة سياسية واقتصادية لها ابعاد ايدلوجية واجتماعية معينة وتستخدم العولمة مجموعة من الادوات من اجل تحقيق اهدافها وانجاز الستراتيجيات التي تعمل على تنفيذها ومن هذه الادوات هي الوسائل الاعلامية والرسائل او الادوات الثقافية.

ان غاية العولمة وهدفها الاساس هو العمل على فتح الاسواق العالمية امام حركة البضائع المصنعة من قبل الشركات الانتاجية العالمية العملاقة والتي يكون اغلبها شركات عابرة للقوميات وهي تعد اضخم الكيانات الاقتصادية والانتاجية العالمية فمصالحها تخطى حدود دول بعينها لتطول هذه المصالح غالبية دول العالم ما دام هناك وجود للارباح وحصد مزيد من الدولارات فيها.

          فالغاية الاساسية هي ابتلاع المزيد من الحصص في الاسواق العالمية متخذين من الادوات الثقافية والاجتماعية والاعلامية وسائل لتذليل العقبات امامهم وتحقيق اهدافهم بواسطة الادوات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي لا تعدو فيه ان تكون اقتصادية بحته بغطاء او ادوات او وسائل سياسية اجتماعية، اعلامية، فكرية، ثقافية.

النظام الاعلامي العالمي في زمن العولمة

 يعاني النظام الاعلامي العالمي اصلاً قبل ظهور العولمة اختلالاً واضحاً وكبيراً في توازنه فهو يتمثل اصلاً بسيطرة مجموعة من الدول الغربية او ما تعرف اصطلاحاً بدول الشمال الصناعية على هذا النظام وتحركه وتنظمه وتوجهه بالاتجاه الذي تريد او تعمل عليه، مقابل طرف اخر هو بقية دول العالم التي ليست لها حصة نذكر في المشاركة في صنع هذا النظام وتوجيه آلياته او المشاركة في صنع مضمونه الا استقبال المضمونات التي تصنعها دول الشمال والتحرك وفق الاساليب والطرق التي تبتدعها الدول المتحكمة بالنظام الاعلامي العالمي في حين ان الدول النامية لا تمثل ثقلاً يذكر في هذا النظام.

فالتوازن في النظام الاعلامي العالمي هو مختل اصلاً لصالح الدول الصناعية تاريخياً بفعل مجموعة كبيرة من العوامل السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية واللغوية والفكرية والايدلوجية فضلا عن العامل التاريخي الذي يتمثل باحتلال وسيطرة دول الشمال على غالبية دول الجنوب وما خلفه هذا الاحتلال من اثار ونتائج سلبية وخيمة شملت جميع الميادين في هذه المجتمعات وعندما جاءت ظاهرة العولمة بكل ما تحمله من واقع واهداف واليات وغايات ووسائل وحينما عملت الجهات التي تقف ورائها على تحقيقها كانت الكفة راجحة اصلاً وبشكل كبيراً جداً لدول الشمال الصناعية الغنية فعملت وبكل قوة على تحقيق هذه احد الاهداف، على تعميق الفجوة الاعلامية والمعلوماتية والثقافية بين الطرفيين وزيادة الاختلال الاعلامي بما يؤمن لها السيطرة الكاملة على كل المقدرات والوسائل الاعلامية العالمية النافذة والتحرك بكل حرية في الساحة الاعلامية الدولية وتوجيه وتحريك والتحكم بالنظام الاعلامي العالمي بشكل كامل وتوظيفه بالاتجاه الذي يحقق وينفذ الاهداف المرجوة من العولمة.

وبما ان الاعلام هو احد ابرز الادوات التي تستخدمها العولمة في تحقيق مراميها فان الجهات الواقفة ورائها حرصت وبشكل شديد على التحكم وبكل بدقة وتفصيلياً بحركة الاعلام العالمي سواء في آلياته او وسائله او مضموناته وجعلها تتماشى مع مضمونات وافكار والمحتويات التي تدعو اليها العولمة.

فنتج بذلك نظام اعلامي عالمي تتحكم فيه بضع شركات اعلامية احتكارية عابرة للقوميات تقوم اصلاً على ارتباطات اقتصادية وفكرية وايدلوجية مع الشركات الاحتكارية في المجالات الصناعية والانتاجية في دول الغرب بل ان الكثير منها هو مملوك اصلاً للشركات الصناعية الغربية ثم اتجه الاحتكار ليأخذ بعداً اخر ولتضيق الحلقة اكثر فاكثر لتسيطر على هذه الشركات الاعلامية غالبية كبيرة من الولايات المتحدة ولتجعل باقي الدول الغربية ورائها بمسافات شاسعة جداً وهذا ما يوضح واقع هذه الكارتلات العملاقة في الميادين الاعلامية والثقافية والفكرية وليتجه الاحتكار من سيطرة دول بعينها على النظام الاعلامي العالمي الى سيطرة شركات احتكارية معينة عابرة لحدود البلدان السياسية والمالية والاقتصادية والجغرافية ولتشكل ((سلطة ما)) على باقي العالم، وهنا تنبع مكامن الخطر.

          وتسيطر الشركات الاعلامية الامريكية على الساحة الاعلامية العالمية بشكل شبه كامل ثم تاتي بعدها الشركات الاوربية الغربية، حيث يبلغ مجموع الشركات الامريكية الاولى من بين المجموع الكلي للشركات العملاقة العاملة في مجال الاعلام 39) ) شركة وتتوزع (25) شركة على دول اوربا الغربية وثمانية شركات يابانية.

وقد بلغ الاختلال حداً ان كفة الترجيح الاعلامي اصبحت للولايات المتحدة بشكل كبير جداً بعد ما كانت لصالح الدول الغربية بشكل عام مقابل بقية دول العالم، ومن المفارقات ان بعض الدول الغربية اخذت تشتكي من سيادة الاعلام الامريكي على الساحة الاعلامية العالمية واكتسابه للنظام الاعلامي العالمي وهذا ما بدأت تشتكي منه فرنسا من سيادة المضمونات والاشكال والافكار والاساليب الامريكية على محتويات وسائل الاعلام بشكل عام وسيادة اللغة الانكليزية لهذه المحتويات مقابل انحسار استعمالات اللغة الفرنسية وهو ما اصبح يهدد ثقافات ولغات بقية دول العالم ومن ضمنها الدول الغربية الاقرب اليها في المنظومة الايدلوجية والسياسية والثقافية والفكرية. فما بالك ببقية دول العالم.

مضمونات البرامج والمواد الاعلامية

من المتفق عليه ان مضمونات وسائل الاعلام هي مواد ثقافية وفكرية تتفق مع قيم المجتمع الذي انتجت فيه فما يناسب مجتمع ما لا يناسب المجتمعات الاخرى بالضرورة وذلك بسبب التنوع الثقافي والحضاري والفكري للمجتمعات الانسانية.

وبما ان الدول الغربية وبالذات الولايات المتحدة تسيطر بصورة تامة على مضمونات الكثير من وسائل الاعلام في العالم عن طريق تزويدها بالكثير من البرامج والمسلسلات والافلام والمواد الاعلامية الاخرى لا بل ان التقليد لها وصل الى درجة اتباع نفس الافكار لطرق واساليب اعداد وصياغة وتقديم هذه البرامج واستنتاج الافكار الهامة واعادة تطبيقها باشكال مشوهة في بعض الاحيان. أي ان التقليد وصل الى درجة تامة فتعدى الحدود والمقاييس وقتل قابلية او ملكة الابداع في الاعلام المقابل.

والملاحظ ان مضمونات البرامج والمواد الاعلامية اخذت تزيد من التركيز على محتويات العنف والجريمة والكوميديا والجنس والعمل على تغليب قيم الندية والمنافسة في الكثير من برامجها وتغليب روحية المجازفة من خلال برامج المسابقات.

واتسم الكثير من المضمونات بالهبوط الذي وصل الى درجة الاسفاف والاستخفاف بعقلية المتلقي في بعض الاحيان فيما ذهب الكثير من البرامج والمواد الاعلامية الى محاولة تسليع كل شيء بما فيها الانسان والافكار والثقافات والقيم وذلك عن طريق (تعليب) كل شيء والعمل على جعله (سلعة) تباع وتشتري في سوق مفتوحة كبيرة ميدانه كل العالم. وكانت الاعلانات التي اغرقت جميع وسائل الاعلام اقوى هذه الوسائل في ذلك.

فعملت على دفع المتلقي الى الاستهلاك المفرط وغير العقلاني في بعض الاحيان. وعملت الكثير من البرامج والمواد الاعلامية على التركيز على الافكار الغربية (وبالذات الامريكية) وذلك عن طريق التأكيد على قيم الفردية والبراغماتية والمادية.

فعملت بذلك على نشر هذه الافكار والمضمونات عن طريق تصدير البرامج والمواد الاعلامية الى بقية دول العالم والوصول بها الى بقية المجتمعات العالمية وهذا ما لايتفق وقيم وثقافات الكثير من هذه المجتمعات لاسيما المجتمعات في الدول النامية التي تتعارض ثقافات البعض منها بالكامل مع هذه الافكار مما تسبب في احداث تصادم فكري وثقافي معها وعمل في بعض الاحيان الى احداث تغريب ثقافي فيها وهو يتعارض تماماً مع عملية النمو او التنمية التي تسعى الى احداثها في مجتمعاتها.

ملامح عملية الاتصال الجماهيري في ظل العولمة

–        تعاني عملية الاتصال الجماهيري في ظل العولمة من تسطيح وتسليع وتفريغ شبه كامل لمضومات المواد والبرامج التي تبثها للجمهور فهي تهدف اساساً الى الحصول على الارباح بغض النظر عن الاهداف المثالية لعملية الاتصال الجماهيري والتي تتمثل بالاخبار والاعلام والتثقيف ونشر الوعي بين الطبقات والمستويات المتنوعة للجمهور.

–        يعاني النظام الاعلامي العالمي في ظل العولمة من اختلال كبير جداً من ناحية كم وسائل الاعلام على اختلاف انواعها ومن ناحية مضمونات ومواد وبرامج هذه الوسائل لصالح الدول الغربية وتحديداً الولايات المتحدة، الامر الذي تسبب بطبع النظام الاعلامي العالمي بالطابع الامريكي من ناحية الشكل والاسلوب والمحتوى والقيم والاهداف والنتائج مما يشكل خطراً محدقاً بالثقافات الاخرى ويقضي على ميزة التنوع الثقافي والفكري.

–        التمركز العالي والسيطرة الكاملة للاحتكارات وللشركات الاعلامية العملاقة على وسائل الاعلام مما تسبب في الحد بشكل كبير ان لم يكن بالكامل على التعددية في طرح الآراء وجهات النظر من خلال تعدد المصادر والانماط الفكرية والايدلوجية لوسائل الاعلام.

–        الاستخدام الكبير جداً لاخر التطورات في تكنولوجيا وسائل الاتصال وتنامي الدمج بشكل واسع ومتزايد جداً في القطاعات الاعلامية والمعلوماتية والاتصالية مما افرز قطاعاً واحداً ناتج عن عملية الدمج هذه الامر الذي سيزيد بشكل واسع جداً من حضور وسائل الاعلام وتلازمها مع الجمهور في مختلف مناحي حياته.

–        الاعتماد المفرط للمتلقي على اختلاف مستوياتهم التعليمية والفكرية والثقافية وطبقاتهم الاقتصادية وفئاتهم العمرية على وسائل الاتصال الجماهيري واعتبارها الوسيلة التي لا استغناء عنها في حياتهم.

–        الارتباط الجنيني بين الشركات الرأسمالية العملاقة وبين شركات الاعلام الامر الذي امتد لحد تملك هذه الشركات لاسهم وسائل الاعلام او حتى تملكها بالكامل.

وقد نتج ذلك عن ادراك الشركات الرأسمالية لاهمية الاتصال الجماهيري ودوره في التاثير على الجماهير بمختلف مستوياتها ومن اجل العمل على توظيف هذه القوة المتعاظمة التأثير على الناس (الاعلام) لصالح اهدافها وما تسعى الى الوصول اليه من مطامح.

– السلبية الكبيرة لمعظم الدول النامية فيها يخص واقعها الاتصالي فقد اصبحت هذه الدول مجرد متلقي للكثير من مواد الاتصال الجماهيري الغربية سواء بطريق مباشر من خلال استقبال وسائل الاعلام الغربية او بطريق غير مباشر من خلال وسائل اعلامها الوطنية. مما ادى الى التأثير بصورة سلبية كبيرة على مستويات الجمهور الثقافية والفكرية وتحويله بشكل واسع عن ثقافته الوطنية والتاثير بمضمونات مواد الاتصال الجماهيري الغربية بما تحمله من افكار ومحتويات واساليب وانماط قد لا تتفق كثيراً او قليلاً مع ثقافته الوطنية. الامر الذي جعل واقع عملية الاتصال الجماهيري العالمية تتجه باتجاه واحد من دول الشمال الصناعية الى دول الجنوب النامية من دون توفر عوامل او قواعد او اسس للتفاعل بينهما ولتكون بذلك عملية الاتصال الجماهيري احادية الاتجاه وعدم توفر مشاركة حقيقية وفاعلة لمجتمعات الدول النامية فيها.