الأمم المتحدة:ظاهرة خطيرة مهملة في التنوع البيولوجي

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تشكّل‭ ‬الأنواع‭ ‬الغريبة‭ ‬الغازية‭ ‬تهديداً‭ ‬شبه‭ ‬خفيّ‭ ‬لكنّه‭ ‬قائم‭ ‬فعلياً،‭ ‬يتناوله‭ ‬تقرير‭ ‬يُصدره‭ ‬الاثنين‭ ‬المنبر‭ ‬الحكومي‭ ‬الدولي‭ ‬للعلوم‭ ‬والسياسات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التنوع البيولوجي‭ ‬وخدمات‭ ‬النظم‭ ‬الإيكولوجية‭ (‬IPBES‭) ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬التنبيه‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬سبل‭ ‬للتصدي‭ ‬لها‭. ‬فهذه‭ ‬الحيوانات‭ ‬أو‭ ‬النباتات‭ ‬الشديدة‭ ‬القابلية‭ ‬للتكيف‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬يُدخلها‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬ما‭ ‬طوعاً‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬إراديا،‭ ‬تتكاثر‭ ‬وتحل‭ ‬محل‭ ‬الأنواع‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬تُبعدها‭. ‬ويصل‭ ‬الأمر‭ ‬بالأنواع‭ ‬الغازية‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬تلك‭ ‬المحلية‭ ‬تنقرض،‭ ‬وتنجم‭ ‬عن‭ ‬دخولها‭ ‬تبعات‭ ‬عدة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬توقعها‭ ‬أو‭ ‬التنبّه‭ ‬لها‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

وأوضح‭ ‬المنبر‭ ‬الحكومي‭ ‬الدولي‭ ‬للعلوم‭ ‬والسياسات‭ ‬في‭ ‬مجال التنوع البيولوجي‭ ‬وخدمات‭ ‬النظم‭ ‬الإيكولوجية‭ ‬الذي‭ ‬يتألف‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬خبراء‭ ‬متعددي‭ ‬الجنسية‭ ‬يجتمعون‭ ‬تحت‭ ‬رعاية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أن‭ ‬الأنواع‭ ‬الغازية‭ ‬تُعدّ‭ ‬مع‭ ‬التغيّر‭ ‬المناخي‭ ‬والتلوث‭ ‬مثلاً،‭ ‬من‭ “‬العوامل‭ ‬المباشرة‭ ‬لتراجُع‭ ‬التنوع‭ ‬البيولوجي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭”.‬‮ ‬

واستند‭ ‬تقرير‭ ‬المجموعة‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬أعدّه‭ ‬86‭ ‬خبيراً‭ ‬دولياً‭ ‬من‭ ‬49‭ ‬دولة،‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬ألف‭ ‬دراسة‭ ‬مرجعية،‭ ‬تم‭ ‬تجميعها‭ ‬وتوليفها‭ ‬مدى‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬بتكلفة‭ ‬إجمالية‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬

وصدر‭ ‬التقرير‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬كونمينغ‭-‬مونتريال‭ ‬الذي‭ ‬حدد‭ ‬فيه‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لنفسه‭ ‬هدفاً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬معدل‭ ‬إدخال‭ ‬الأنواع‭ ‬الغريبة‭ ‬الغازية‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬بحلول‭ ‬سنة‭ ‬2030‭.‬

ولاحظ‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الأبحاث‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مونبلييه‭ ‬الفرنسية‭ ‬كريستوف‭ ‬ديان‭ ‬أن‭ “‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬كثيراً،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬تُعطى‭ ‬الأهمية‭ ‬الكافية إلا‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬العلماء،‮  ‬لكنها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تطرح‭ ‬مشكلة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬البيئي‭ ‬والصحي‭ ‬وحتى‭ ‬الاقتصادي‭”.‬‮ ‬‭ ‬وأوضح‭ ‬ديان‭ ‬أن‭ ‬استقرار‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬جديدة‭ “‬يغيّر‭ ‬البيئة‭ ‬المحلية،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عواقب‭ ‬لا‭ ‬‮ ‬يمكن‭ ‬تقديرها‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬انقراض‭ ‬بعض‭ ‬الأنواع‭ ‬المحلية‭”.‬

‮ ‬وتكثر‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ومنها‭ ‬طائر‭ ‬الدودو‭ ‬في‭ ‬موريشيوس‭ ‬الذي‭ ‬انقرض‭ ‬بسبب‭ ‬افتراسه‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬التي‭ ‬أتى‭ ‬بها‭ ‬المستوطنون‭ (‬كالجرذان‭ ‬والقطط‭ ‬والكلاب‭)‬،‭ ‬وجراد‭ ‬البحر‭ ‬الأميركي،‭ ‬وهو‭ ‬حيوان‭ ‬مفترس‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬المجاري‭ ‬المائية‭ ‬‮ ‬الفرنسية،‭ ‬والنحلة‭ ‬الطنانة‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬ظاهرياً‭ ‬غير‭ ‬مؤذية‭ ‬لكنها‭ ‬توشك‭ ‬على‭ ‬إبادة‭ ‬نظيرتها‭ ‬التشيلية‭ ‬بواسطة‭ ‬طفيليات‭ ‬تتسبب‭ ‬بنفوقها‭.‬

ولاحظت‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭”‬غلوبل‭ ‬تشينج‭ ‬بايولوجي‭”‬‮ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬أن‭ ‬الغزوات‭ ‬البيولوجية‭ ‬تهدد‭ ‬14‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ “‬التنوع‭ ‬الوظيفي‭” (‬الموطن‭ ‬والكتلة‭) ‬للثدييات‭ ‬متوقعة‭ ‬أن‭ ‬ينقرض‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمسين‭ ‬المقبلة‭ ‬ما‭ ‬نسبته‭ ‬27‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الطيور،‭ ‬أبرزها‭ ‬تلك‭ ‬المعرضة‭ ‬للخطر‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بصحة‭ ‬الإنسان،‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬التأثيرات‭ ‬قوية،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬مثلاً‭ ‬حال‭ ‬بعوضة‭ ‬النمر‭ ‬التي‭ ‬تتسبب‭ ‬‮ ‬بوباءي‭ ‬حمى‭ ‬الضنك‭ ‬وشيكونغونيا‭.‬

ولا‭ ‬تقلّ‭ ‬العواقب‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬المالي‭ ‬أهمية،‮ ‬إذ‭ ‬قدّرت‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭” ‬عام‭ ‬2021‭ ‬تكلفة‭ ‬أضرار‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬‮ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1970‭ ‬بنحو‭ ‬1288‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬ووصف‭ ‬ديان‭ ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬تنسيق‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬حجم‭ ‬الأضرار‭ ‬هذا‭ ‬بأنه‭ “‬مبلغ‭ ‬ضخم‭!”‬،‭ ‬مشيراً‭ “‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المقارنة‭”‬،‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ “‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬لمعظم‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭ ‬مجتمعة‭”. ‬وأفادت‭ ‬دراسة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬الفائت‭ ‬بأن‭ ‬حجم‭ ‬الأضرار‭ ‬مماثل‭ ‬تقريباً‭ ‬لتلك‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الزلازل‭ ‬أو‭ ‬الفيضانات‭.‬

وشرحت‭ ‬قاعدة‭ “‬إنفاكوست‭” (‬Invacost‭) ‬للبيانات‭ ‬التي‭ ‬يتولى‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬الفرنسي‭ ‬للأبحاث‭ ‬العلمية‭ ‬الدور‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬تنسيقها‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التكلفة‭ “‬تتضاعف‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬كل‭ ‬عقد‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1970‭” ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ “‬النفقات‭ ‬المستثمرة‭ ‬لتجنب‭ ‬هذه‭ ‬الغزوات‭ ‬أو‭ ‬ضبطها‭ ‬تتناقص‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬بما‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬مرات‭ ‬و100‭ ‬مرة‭”.‬

واشار‭ ‬المنبر‭ ‬الحكومي‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬التهديد‭ ‬المتزايد‭” ‬الذي‭ ‬تشكله‭ ‬الأنواع‭ ‬الغريبة‭ ‬الغازية‭ “‬غير‭ ‬مفهوم‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭”.‬

‮ ‬ويهدف‭ ‬تقريرها‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬مرجع‭ “‬موثوق‭ ‬به‭” ‬وإلى‭ “‬المساهمة‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬سد‭ ‬النواقص‭ ‬البالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬المعلومات‭ (‬عن‭ ‬الظاهرة‭)‬،‭ ‬ودعم‭ ‬صناع‭ ‬القرار،‭ ‬وتوعية‭ ‬العامّة‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬هيلين‭ ‬روي‭ ‬من‭ ‬المركز‭ ‬البريطاني‭ ‬للبيئة‭ ‬والهيدرولوجيا‭ ‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التقرير‭ ‬المنشور‭.‬

‭- ‬الغازية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬كذلك‭ -‬

ولا‭ ‬يتوافر‭ ‬سوى‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬التعدادات‭ ‬الرسمية‭. ‬وذكّر‭ ‬ديان‭ ‬بأن‭ ‬قاعدة‭ ‬البيانات‭ ‬العالمية‭ ‬للأنواع‭ ‬الغازية‭ ‬التي‭ ‬ينسقها‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬لحماية‭ ‬الطبيعة‭ ‬قدّرت‭ ‬عددها‭ ‬بـ‭ ‬1071‭ ‬نوعاً،‭ ‬لكنّ‭ ‬التغيّر‭ ‬المناخي‭ ‬يسرع‭ ‬انتقال‭ ‬الأنواع‭.‬

وقد‭ ‬تبقى‭ ‬التأثيرات‭ ‬الضارة‭ ‬غير‭ ‬ظاهرة‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة،‭ ‬وبعض‭ ‬الأنواع‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعتَبَر‭ ‬غازية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬مصنّفة‭ ‬كذلك‭ ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬لأن‭ ‬البيئة‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬تكيفت‭ ‬معها‭ ‬أو‭ ‬لكونها‭ ‬تنقرض‭ ‬من‭ ‬تلقائها‭.‬

وشدد‭ ‬ديان‭ ‬تالياً‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬عدم‭ ‬شيطنة‭ ‬الأنواع،‭ ‬إذ‭ “‬ليست‭ ‬بينها‭ +‬أنواع‭ ‬جيدة‭ ‬وأخرى‭ ‬سيئة‭+ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬المشكلة‭ ‬تنشأ‭ ‬من‭ ‬نزوحها،‭ ‬ولا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬النوع‭ ‬نفسه‭”.‬