
(لاي- فاي ) الزمان (46)
الألقاب العلميّة في الجامعات العراقيّة وتفعيلاتها – عبد الرضا سلمان حساني
من الذاكرة
في العام 1988، شاركتُ -موفداً- في ندوة علميّة، هي (الندوة الدوليّة للتفريغ والعزل الكهربائي للفراغ) التي عُقدت في پاريس بحضور أكثر من 200 باحثاً من مختلف دول العالم. وضمن برنامج المؤتمر ، كانت هناك رحلتان علميتان إختياريتان. إخترتُ إحداهما الى مركز للبحوث العلميّة الواقع في أطراف پاريس وفيه بحوث متنوعة في فيزياء البلّورات والمواد، بالإضافة الى وجود معجّل جسيمات ذريّة. وصعدنا الى الحافلة بطابور ، وكان مكان جلوسي هو الصف الثاني خلف السائق ويجلس بجانبي رجل ذو لحية فيها قليل من الشيب. إستمرّ صعود الأشخاص الى الحافلة حسب الطابور سيراً كما هو مألوف. وما جلب إنتباهي هو أنّ جميع من صعد ومرّ بقربنا في الحافلة قد ألقى بالتحية على الشخص الذي بجانبي مصافحاً إيّاه ويزيد عددههم (عن 50).
وبعد حركة الحافلة، بدأتُ الحديث مع هذا الشخص بجانبي مازحاً:
قلتُ : أنت محظوظ !
..لماذا؟
قلتُ : أكثر من خمسين شخصاً ألقوا إليك التحيّة، وأنا لاأحد!
أجاب – ضاحكاً- هل تعرف لماذا؟
– طبعاً لا!
قال : لأنني (بوكسمان)..پروفسور في علم المواد، وشاركتُ بمؤتمرات دوليّة سابقة.
وإستمرّ حديث علميّ مهنيّ بيننا، وتخلله قليل من المزاح.
هذه مقدمة يمكن أن تحدد أبعاد اللقب العلمي (پروفسور) وإمتداداته الجغرافية في الوسط العلمي وأهمية ذلك. يعني، أكثر من خمسين باحثاً من مختلف دول العالم ألقوا بالسلام على هذا الپروفسور بجانبي. ونحن هنا كذلك
وأذكر هنا وأتذكّر عدد التدريسيين ممّن علّمونا وكانوا يحملون لقب (پروفسور في الفيزياء) في سنين السبعينات. فمثلاً، في سنتنا الأولى لدراسة الماجستير؛ لم يكن في قسم الفيزياء- كلية العلوم/ جامعة بغداد، سوى المرحوم أبو مكرم وهو الأستاذ الدكتور والفنان التشكيلي عبدالأمير عبدالكريم القزاز الذي كان رئيس القسم ويحمل لقب پروفسور- فيزياء، ثم تبعه من أساتذتنا الأكارم عدد قليل نال اللقب. وفي تلك السنين، كانت السمعة العلميّة للقسم تجتذب أساتذة زائرين من جمهورية مصر العربية وجامعات أمريكيّة وبريطانيّة ومن الهند وچيكوساوفاكيا. وكانت (مجلة كليّة العلوم) تحجز مكاناً في رفوف وفهارس جامعات أورپية رصينة، ومشاركة الملاكات العلمية في حملة تأليف وترجمة الكتب العلمية التي أطلقتها الوزارة بحوافز إستثنائية. أضف الى ذلك فرص البعثات والزمالات والإجازات الدراسية الى جامعات أميركا وأورپا الغربية حصريّاً وإهتمام المؤسسات الرسمية بذلك. والأستاذ الدكتور علي عطية عبدالله يتذكّر ذلك عندما أصبح رئيساً للقسم ليستمر القسم في وتائر عمل متصاعدة بالعناوين المشار اليها في أعلاه، والمعذرة من عدم ورود أسماء لامعةعديدة في هذا الإطار تحاشياً لإطالة ناعمة. ومن مدخلات معايير نيل اللقب العلمي في الجامعات العالميّة وما عرفناه من لقاءاتنا مع شخصيات علميّة معروفة في مؤتمرات وزيارات لمؤسسات رصينة في أميركا وأورپا وآسيا، عرفنا أنّ المنجزات التكنولوجيّة العلميّة المتميّزة هي مفاتيح التقديم لنيل اللقب العلمي بتفعيلات نشر البحوث وعددها ومنها مايصف تلك المنجزات العلميّة المتميزة التي تلقي الضوء على سيرة المتقدم وشخصيته بإختصاصه العلمي.
ومن المفيد أن أكتب هنا عن القبول في دراسة الماجستير في ذلك العام 1973 /1974، حيث شارك في الإختبار التنافسي أكثر من 80 متقدماً والعدد المطلوب للفيزياء سبعة طلبة فقط. كان الإمتحان تحريرياً في كل حقول الفيزياء، باللغة الإنگليزية، والمشاركون فيه كانوا من مختلف جامعات العراق. وحين ظهرت النتائج في الصحف المحليّة، كنّا ثلاثة من المقبولين (من 7) من خريجي جامعة البصرة لذلك العام، ولم يكن في الأسماء أيّ من خريجي جامعة بغداد لذلك العام.
تفعيلات معايير
إنّ أي ترقية علميّة تعني قدرة قياديّة مختبريّة للّقب العلمي الجديد لحاملي ألقاب مستويات أدنى والتي تبدأ من لقب وظيفي هو مساعد مختبر(معيد) ثم مدرّس مساعد ومدرس وأستاذ مساعد فأستاذ أو پروفسور. وفي السبعينات من القرن الماضي، كان هناك لقب أستاذ مشارك قبل لقب الأستاذيّة وأُلغي فيما بعد. وفي محتوى دقيق وهادف لما أقصده وتأسيساً على حقائق ومعطيات واقعيّة وإستنتاجات عمليّة، من المهم جداً إضافة معايير وشروط خارج محتويات إستمارة التقديم لنيل لقب پروفسور، وكذلك متباينات آلية تمديد الخدمة مابعد بلوغ سن التقاعد وإنتقائيّة الإختيار، وتفاصيلها موجودة لدينا، مثلما هو متّبع في الجامعات العالمية، حتى أوجدوا لقب آخر هو (پروفسور متميز) ويعيّن في وظيفة قياديّة علميّة في الجامعة وأقسامها، وقد عملتُ مع أحدهم لمدة ستة أشهر في جامعة ولاية فلوريدا الأمريكية ( عام 2015) وكان نائباً لرئيس الجامعة ورئيس قسم في نفس الوقت.
وعلى مدى سنوات خدمتنا الجامعيّة والبحثيّة التكنولوجيّة (أكثر من 40)، وحضورنا المؤتمرات العلميّة الدوليّة في أكثر من عشر دول وأكثر من مرّة في كل دولة، مثل أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا وهولنا وبلجيكا وسورية وزيارات علمية للصين ومصر والأردن ودبي ، وجدنا أن لقب پروفسور لايُمنح عن طريق نشر البحوث فقط وإنّما بتحقيق منجز علمي متميز أو أكثر، وإنّ هناك مقعد أو عدد من المقاعد يشغلها حاملوا اللقب في كلّ قسم بنصاب محدود، وأحياناً هناك من يستحق اللقب وينتظر لحين حصول شاغر بسبب تقاعد أحدهم أو المغادرة لسبب ما.
وأكرر ماكتبته سابقاً في أكثر من مقال وهو، أنّ من لايجيد قواعد اللغة، لايجيد قواعد العمل، وهنا نقصد الإختصاص العلمي الدقيق.
ولأنّها اللغة، فننتقل الى التفعيلات التي أظنّ أنّها متلازمة وملازمة لما عرضته في أعلاه لتجميل وتحميل المضمون. فبعض ممّا نتذكّره عن شِعر التفعيلات المؤثّر والمتأثّر هو؛
– تحرر من غنائيَة الشِعر القريض
– العزلة بسبب الغموض أحياناً
– يستخدم عدد أقل من بحور الشِعر المألوفة في الشِعر العمودي، فهل يريد البعض أن يمتاز أو يتميّز في الإختصاص العلمي الدقيق بجماليّة هكذا؟
وأسجّلهنا نقشاً ، كلّ الإحترام الوافر لأساتذتنا الشعراء، فمنهم تعلّمنا ومانزال ننهل من عطائهم وكذلك دعاء الرحمة والتقدير لمن أوصلنا لنيل الشهادات الأكاديميّة بضمنهم الوالدين.
سطور الختام
تعالي نلملم ماتبقى
من سنين
فهذا يوم نحسبه في أرقام العمر العابر للسبعين
وصيحات راكدة في الشفاه
ونظرات أخفاها خجل
مطويّ في الدفاتر،
أتعلمين؟
حقائبنا تاهت في مدن الغربة لاتعرفنا
وفقدنا كلّ دليل فيها
لم يبق إلاّ لقاء صباح بين ضفاف
ومرايا الموج ومرافىء
تنادينا للزورق
تعالي،
فالبصرة رغم عناء
ومعاناة ينشرها أغراب،
مازالت تلبس ثوب عثوق الطيبة
والنخل مثل فتاة تعشق..
{ پروفسور فيزياء الپلازما- عضو معهد الفيزياء في المملكة المتحدة)






















