الأسيرة لعلي الحديثي

الأسيرة لعلي الحديثي

ثيمة كافية للإقناع

محسن الطوخي

عالم علي الحديثي زاخر بالأخيلة والصور والمتعة، يكتب بريشة فنان تشكيلي، ويحلق بمهارة بين المطلقات، يوظف الرمز بحرفيته المعهودة، لكنه لا يغفل ضرورة اتساق الصورة الكلية مع السياق الواقعي، فالقارئ الذى لا يدرك دلالات الرموز لا تفوته متعة الحكاية،  فالنص زاخر بالحركة والترقب، والقارئ يشارك في الصراع الدائر، ويتابع محاولات الراوي في إيجاد وسيلة لإنقاذ الأنثى التي يتحلق حولها الوحوش، تحلقهم حول فريسة، وتخيب محاولات الراوي، محاولة بعد أخرى وهو معنى في المقام الأول بألا يقدم على ما يشي بمكانه، حتى يكتشف الوحوش وجوده، فيتحولون إليه يهاجمونه، ولم يكن ما أثار فزعه وارتباكه هجومهم المباغت، بقدر ما لاحظه من أن قائدهم فى الهجوم لم يكن إلا الأسيرة ذاتها الذى أنفق كل الوقت وعرض حياته للخطر من أجل محاولة استخلاصها من بين أيديهم، وهي نهاية مباغتة تثير الدهشة، إلا أن النص يدخر مفاجأة أكثر إدهاشاً، فما أعاق الراوي عن محاولة الفرار نجاة بنفسه، لم يكن سوى الأسيجة التي أحاط نفسه به بهدف إخفائه عن أعين الوحوش.

تلك التيمة بذاتها كافية لإمتاع القارئ وإثارة دهشته، لكن النص يملك أفقاً أبعد للتأويل، فما العناصر التي استخدمها الحديثي إلا رموز يقوم كل منها بدور محدد في الرؤية الفلسفية التي يريد طرحها، وهى رؤية تستعرض مأزق الإنسان الذى يسعى إلى إدراك المطلق ولا يملك سوى أداة قاصرة لا يسعها إلا التعامل مع الأشياء المادية الملموسة، تلك هي القضية التي تستحوذ على خلفية النص، لكن النص يملك أفقاً أقرب، وهو أزمة العقل الحر في مواجهة الدوجما، والقضية الأخيرة هي ما سنصرف جهدنا لتعرف ملامحها..

يدور النص فى بيئة وزمان يمنحان القارئ إيحاء بنشأة الإنسان في بدائيته، وهى بيئة تحقق عنصرين بالغَي الأهمية للدخول إلى النص، فهي أولا تتفق مع قدم القضية التي شغلت الإنسان منذ بدايات تشكل العقل الواعي المدرك خارج ذاته، وتمنحنا من ناحية ثانية التصور الصحيح الذى تمثله الأنثى في السياق الرمزي الذى استخدمت فيه، فهي مناط الرغبة ومحل الصراع، لكونها جائزة الذكر الأقوى القادر على الاستحواذ، ولكونها حاملة النسل ووسيلة امتداد الأثر، وهي في النص تقوم بالدور نفسه فى السياق الرمزي، فهي الأفق المعرفي المنشود، ويمكن تناولها باعتبارها المطلق، أو الحقيقة، أو الغاية، ومنذ أدرك الإنسان حاجته إلى قوة مطلقة فقد وقعت تلك القوة أسيرة الدوجما، فلم يخل عصر من العصور من محاولة احتكارها، وتوظيفها لمنفعة شخص أو جماعة، بدءاً من الساحر لدى الجماعات البشرية البدائية، مروراً بالكنيسة الكثوليكية فى العصور الوسطى، انتهاء بالجماعات التكفيرية المعاصرة التي تشوه الإسلام وتوظفه لخدمة السياسة.

فالوحوش إذن إنما يمثلون تلك الدوجما، فهم يحيطون بالمطلق كما يحيط الهنود الحمر بضحاياهم، وهى صورة تجسد الدعاية الهوليودية التي درجت على تشويه صورة الهندي الأحمر، لكن يكفينا أنها أدت دورها فى النص وأدت المعنى المنشود.

أما الراوي فهو يجسد صورة الإنسان المتنور الذى وجد مثالا له على الأرض في كل مراحل التاريخ، الإنسان المتنور الذى يسعى لتحرير المطلق بمعنى إطلاق حرية الاعتقاد، والمحاولات التي لجأ إليها الراوي فى سعية لتحرير الأسيرة تمثل تاريخ الجنس البشرى في سعيه لإجلاء فكرة المطلق وتحريرها من أسر محتكريها، ويلاحظ القارئ التدرج في السعي من اللجوء إلى العقل، ثم إلى القلب، ثم إلى الكلمات التي تمزج العقل بالقلب في الانتاج الفكري الإنساني.

وهو عندما تناول العقل قرنه بالجدران، وهى حقيقة تعبر عن قصور العقل، وعجزه عن تجاوز حدود الماديات، فهو خلق ليعمل من خلال أطر منطقية، ولا يمكنه التجاوز عن طلب البرهان، ولذلك لا تلبث الجدران أن تتهاوى فوق الراوي مهددة بكشفه لأعدائه، أما شجرة القلب، وهى الجديرة في ظنه بأن تحقق مبتغاه، إذ تتفوق على العقل في قدرتها على الاطمئنان دون دليل مادي ملموس، فهي لا تخلو من مخاطر، إذ لم تلبث أن تحولت إلى هباء منثور ما أن مرت ريح خفيفة، فبقدر ما للقلب من شغف، وهوى للجمال والفتنة، فهو في الوقت ذاته لا يصمد للأعاصير والفتن، وهو متقلب بين الإعراض والإقبال بمنأى عن المنطق، القلب والعقل إذن على طرفي نقيض، يعجز كلاهما عن تحقيق غاية الراوي، فليلجأ إذن إلى الكلمات، والكلمات بما نتجه من فكر إنساني يمزج بين وظيفتَي العقل والقلب بدت الوسيلة المثلى في ظن الراوي لتحقيق غايته، ولذلك فقد راح يصنع منها الليلة تلو الليلة سياجاً يخفيه عن أعين الوحوش، لكن الكلمات بدلا من أن تخفيه فقد أسرته، وصرفت ذهنه عن قضيته الأساسية، حتى لقد شوهت المطلق ذاته، فحولته من غاية تبتغى، إلى وحش ينبغي الفرار منه، والرؤية في الخاتمة تشاؤمية، فهي توحي بأن تراث الفكر الإنساني بدلاً من أن يحرر الإنسان، ويطلق حرية الفكر والاعتقاد، فقد حوله إلى أسير يرتعد فرقاً محاولا الهروب من ذات الغاية التي كان يسعى إليها.

نص جميل، من كاتب مثقف جميل، يعرف كيف يوظف المعنى والصورة ليحقق لقارئه المتعة على مستوى التلقي.

نص القصة

بغزارة العرق يتصبّب منها، مقلّبة نظراتها بين الوحوش التي كونت حولها حلقة لا باب لها.. أشبه بحلقات هنود الحمر حول ضحاياها، بينما كنت أنا واقفا على مسافة ليست بالبعيدة عنهم وإن لم يروني، مرتقبا اللحظة التي أحاول إنقاذها فيها، اختبأتُ خلف جدران العقل الذي أغراني بعظمته ومتاهاته.. ولكن ما إن وقفت حتى تهاوت فوقي من دون أن استطيع فعل شيء، ولّيت هارباً وأنا بين الخوف من أن يروني والحيرة في البحث عن طريقة لإنقاذها، تنفست الصعداء حينما لاحت لي شجرة تجمع بين الضخامة والكبر والجمال والفتنة، فما راودني شك بأنها شجرة القلب، كانت كافية لأختفي خلفها من دون وجل، وبرغم استتاري الكامل عنهم إلاّ أنني كنت أضم بعضي إلى بعض ولكن ماذا جرى ؟

هبت رياح خفيفة، فإذا بالشجرة هباء منثور، كأنها ورقة يابسة اعتصرتها يد أحدهم، إلى أين اذهب؟ أين المفر؟.. صرت أمامهم، لا يفصلني عنهم شيء، ولولا انشغالهم بأسيرتهم لرأوني لا محالة، أيقنت أنني مرئي بمجرد أن ينتهوا من رقصهم وهرجهم.

– عظيم..

صرخت بصوت كاد يسمع، عندما خطرت في ذهني فكرة أن أبني سياجاً من كلماتي أتوارى خلفه، لم أتباطأ مشمراً عن ثياب الجد ورحت أبني.. أبني.. ليالي تلو ليالٍ، حتى شغلني عن الأسيرة نفسها، ناسياً وأنا في نشوة البناء جدار العقل الذي تهاوى، وشجرة القلب التي صارت في طي الذكريات، فجأة ولما قاربت من الانتهاء وكان سياجاً عظيما لم أشعر إلاّ بالوحوش تتجه نحوي، وما أثار استغرابي أن الذي ترأسهم هي الأسيرة ذاتها.. ارتبكت.. فزعت.. ماذا افعل؟ لم أجد إلاّ أن أسلّم قدمي للريح، ولكن فوجئت بالسياج الذي بنيته قد حال بيني وبين الهروب..