إشكالية محمد حيّاوي – شاعر يرسم بالكلمات لتأويل الواقع – حمدي العطار

إشكالية محمد حيّاوي – شاعر يرسم بالكلمات لتأويل الواقع – حمدي العطار

أذا سلمنا بأن وظيفة الأدب لم تعد (إصلاحية) وأخلاقية فقط بل هناك مهمة فلسفية في مخيلة الكاتب يحب أن يوصلها الى قارئه نكون قد وضعنا قدمنا في الاتجاه الصحيح لفهم (الأدب الإشكالي) الملتصق بالفلسفة والانثروبولوجيا أكثر مما تلتصق بالأخلاق وتكون انعكاسا للواقع! لقد أكد “ريفاتير” حول العلاقة بين الروائي والنص والقارئ، بان القارئ “يحرر الكتاب من صمته بأن يفتحه ويبدأ بالقراءة” عندها يقع في فخ النص ومن ثم يسير نحو هدف الروائي الذي خطط له الكاتب فيكون على حد تعبير “ريفاتير” –  سجين وعي المؤلف -.

عقيدة النص

محمد حياوي واقعيا يمثل إشكالية بين الروائيين والكتاب ،فأكثر المبدعين حينما يعانون من الاغتراب داخل أوطانهم وتسنح لهم الفرصة ان يغادروا الوطن وخطورته وقيوده التي تعيق الإبداع والإنتاج تكون البيئة الأخرى حاضنة لموهبتهم ومكانا خصبا لغزارة إنتاجهم ،كان صديقنا الروائي المبدع (جنان الحلاوي) في نهاية السبعينات من القرن الماضي يهمس في أذني(سأهرب من العراق ،وعندما أكون في الخارج سأكتب روايات بلغة البلد الذي سوف أعيش فيه)! لكن جنان أستمر يكتب بلغته العربية وعن العراق ومدينته البصرة، لكن حياوي وهو المغترب في هولندة لأكثر من 20 سنة هاربا من دكتاتورية صدام حسين بدلا من ان ينطلق بلبل الإبداع مغردا بقصصه وبروايته يقول “كنت عاطلا عن الكتابة ” و”مخيلتي خارج مناخها”وهو يشيد بقدرة المجتمعات المتناقضة على خلق (روايات عظيمة)! وبمجرد عودته للعراق كتب العديد من الروايات ،استرد قريحته ونشطت مخيلته وهو يرى العراق (الجديد) بكل تناقضاته ومشاكله السياسية والأمنية والاقتصادية ،يرى غياب الوحدة الوطنية والشحن الطائفي ومخاطر الإرهاب وتهديد العراق كدولة موحدة تجمع النسيج الاجتماعي المتنوع ليعبر عن الحياة في العراق وما أصابها من تشوهات عديدة بأن البشر فيها (موتى أحياء) ،وبذلك لم تكن الكتابة عن هذا الواقع مجرد (انعكاسا له) أو تصوير مجسم لتناقضاته بل أختار أسلوب حديث يعنى بقدرة التأويل المبتكر للواقع من خلال إجراء المسح والفحص والتساؤل المشروع عند أبطال روايته لينقل (عقدة النص) الى استجابة قارئه (السجين) كما ذكرنا بين دفتي هذه الرواية ،فمهمة القارئ لرواية (خان الشابندر) – التي صدرت من  دار الآداب  للنشر والتوزيع سنة 2015- مهمته ليس القراءة والتمتع بالإحداث والشخصيات بل بالتركيز للبحث عن (الهدف  الموجود في الرواية) .

لغة الثقافة

أستخدم الروائي “محمد حياوي” تكنيكا في اللغة التي كتب فيها روايته يمكن أن نسميه “خطاب الثقافة ” وهو الأسلوب المثمر لتأويل النص عند القارئ ،فيجد القارئ همومه ومعاناته ومشاعره في النص بالإضافة الى قدرة  هذه اللغة في الرواية على خلق القلق والهواجس وتزعزع (القناعات) ،لنتمعن كثيرا فيما كتبه الروائي في الصفحة الأولى من الرواية لنرى الى ماذا يمهد الكاتب لقارئه

“- ان أحببتنا ،ولو لبعض الوقت،لن نتركك تغادر سالما

قالت هند ذات ليلة ضاجة بالقبل وأنفجارات القنابل المدوية تلك العبارة،قبل أن تردف:-

– لكننا سننقذ روحك من الغرق والتحطم  / – اي غرق؟ / -الغرق في الحياة الفاسدة حيث يلتهم عقلك روحك .ولكن ،مع ذلك سنحبك كما لم يفعل أحد من قبل..وسنحدثك عن القصص والحكايا/ – أية قصص ؟/  القصص التي لم يسمع بها أحد من قبل ،أو لم يرغب أحد بسماعها .. سنفتح لك كنوز صدورنا الحانية،ونأخذك الى آخر الخيال .. قبل أن نعيدك سالما الى الأرض !”

هذا الحوار يوحي للقارئ بأن هناك أشياء سيكتشفها مثل البطل “علي موحان” والذي لم يذكره الكاتب في البداية وهو يملك مواصفات الراوئي (صحفي وكاتب ،مغترب عن العراق لأكثر من 20 سنة ) اما المتحدثة فهي عاهرة في احد بيوت الدعارة بالميدان اسمها (هند) ،وهي يمكن ان نطلق عليها (عاهرة مثقفة) او كما تسميها القوادة (أم صبيح)- معقدة- فالثقافة والتعقيد صفتان متلازمتان في مجتمعنا ، مدرسة جغرافية تعرضت الى الموت في الانتفاضة سنة 1990 عندما كانوا مسافرين من الناصرية الى بغداد ليعرضوا ابنتهم سارة على احد الأطباء في بغداد أنزلهم قوات الحرس الجمهوري  واراد ان ينفذ بهم الإعدام رميا  بالرصاص(المقابر الجماعية)  ونقذهم زوجها “فدفعنا زوجي باتجاه الساقية ورمى بجسده فوقنا وانحشرت سارة بيني وبينه ” ،المرة الثانية التي تتعرض فيها للموت هو عندما احتل الأمريكان العراق وعملت مترجمة مع وحدة هندسة صغيرة تابعة للجيش النيوزيلاندي ،وهناك تعرفت الى مارك”وما ان سافرت الوحدة الى البصرة حتى داهمت إحدى الميليشيات بيتي،واعتقلوني بتهمة التعاون مع المحتلين … وفي الصباح أخرجني اثنان من رجال الميليشيا واصطحباني الى مكان وسط القصب والبردي عند حافة الهور وأطلقوا النار فوق رأسي فوقعت على الأرض وانا اعتقد قد مت ..ثم اقترب احدهم وطلب مني هامسا بأن أهرب عبر الأهوار ،ولا أدع احد يراني”وتستمر هند تحكي قصتها المؤلمة الى (علي ) حسب طلبه حتى وصولها الى بيت الدعارة تحت أشراف (أم صبيح)

أهمية المكان  في الرواية

حاول الروائي بما يملك من خيال في مجال الرسم والتشكيل إن يترجم هذا الخيال بالتعبير عن الكلمات ،ليضع أداوت التأويل عند القارئ ،فمنذ الغلاف الذي نعتقد بأن الروائي هو من صممه الى عنوان الرواية “خان الشابندر” وهو أيضا مكان مهم في وسط بغداد يعبر عنه الكاتب بهذا الأسلوب المثير “كان مجر قد حدثني في لقاءاتنا المتباعدة عن خان الشابندر وعمله فيه، وكيف كان بمثابة بورصة للفضة تحدد فيه الأسعار بشكل يومي، عندما تجلب سبائك المعدن الثمين بواسطة السفن حتى شريعة القشلة،ومن هناك يحملونها على ظهور الحمير حتى الخان” وهناك وصف لمنطقة الصدرية حيث يلتقي بالبنت الصغيرة التي تبيع البسكويت ،،ووصف لمنطقة الجريدة حيث يعمل كصحفي بالجريدة ،والروائي يعشق بغداد وإحياءها فيتكلم عن بغداد وكأنه يصف عشيقته برغم مما أصابها من تشويه بفعل “ممارسات الدكتاتورية،،وبشاعة الإرهاب والانفلات الأمني”

 قصص بائعة الجنس

لا أظن بأن أي مثقف يكون قد اضطر الى زيارة بيوت الدعارة وعندما يختلي بإحداهن لا يسألها بجدية “لماذا تمارسين الدعارة”؟ وبالتأكيد هذا السؤال يستفزهن ويثير أعصابهن ويردن بالسخرية ويستعجلن الزبون بممارسة الجنس لأن الوقت عندهم من ذهب!! وقد يكون لهذا السؤال عند التقدميين او المثقفين الماركسيين نابع من تراثهم حيث ان “روزا ” المناضلة الشيوعية  عملت جاهدة لتوعية العاهرات وإدخالهم في التنظيم السياسي برغم من اعتراض لينين على هذا النشاط وعده مضيعة للوقت موجها” روزا “بأن تلفتت الى المرأة العاملة وليس الى العاهرة! الروائي يبني روايته على ثيمة رغبة البطل (علي موحان) في معرفة واستقصاء المعلومات وقصص كل عاهرة في بيت ام صبيح وتتبع حياتهن للوصول الى احتراف بيع الجسد من اجل بحث اجتماعي ،لذا نرى الرواية بالإضافة الى شخصية علي موحان لا نرى الا نساء اغلبهن عاهرات (هند –  ضوية- إخلاص) بالإضافة الى شخصية الصحفية زميلة علي (بثينة) ولا يظهر في الرواية عنصر الرجال سوى مرة واحدة (صديقه) الذي ارشده الى بيت الدعارة ولم يذكر اسمه  ، وسالم الذي من المفروض ان يكون ميتا بالإعدام ومجر حارس خان الشابندر والرجل المصري مصلح المدفأة في الصدرية ! ولا تخلو الراوية من الفقرات المثيرة جنسيا “عدت لوعيي كما لو كنت مغيبا أو مغمى علي،ليطالعني وجهها الحسن قريبا جدا هذه المرة ..سمرتها المدافة بنور الشمس،ورموشها الطويلة المغرقة بالكحل،وشفتاها المتفرجتان تتوعدان شفتي،ثم أحسست بلسانها الرشيق يتقلب فوق لساني بحذاقة” كانت بين ثنايا الرواية كيف يتم ابتزاز بيوت الدعارة من قبل المليشيات الدينية متمثلة بالملا خليل ،ولا يقف الأمر عند الابتزاز المالي بل يتعدى الى الاستغلال الجنسي لنرى قوة السخرية السوداء  التي يعبر عنها الروائي في هذا المقطع “قدم شيخ ملتح من جماعتهم الى المنزل..ا فخيرته ام صبيح بين الفتيات وقفن صفا أمامه … وبعد تمعن وتفحص اختار اخلاص (لوصه) ..فدخل معها في غرفتها .. وعندما خلعت ملابسها ،نهرها وطلب منها أن تحتشم ..تقول لوصة ..فاحتشمت مندهشة ..ثم أقترب مني وقال :أريد جماعا شرعيا .. سألته لوصة .. يعني كيف شيخنا ؟..تقول :فجلس على الأرض ،وطلب مني أن أجلس أمامه ،وقال رددي ورائي..وصار يقول ..زوجتك نفسي أنا العاقلة البالغة ..ثم قطع حديثه وسألها ..ما أسمك .. فأجابته أسمي لوصة ! قال أستغفر الله العظيم ..لوصة بنت مجر ..فقال رددي ورائي ..زوجتك نفسي  على مهر معجل قدره دينار واحد ومهر مؤخر قدره عشرة دنانير ..فرددت وراءه ..ما أن لامس عضوه فخذها حتى أطلق شخيرا ونهض معيدا جلبابه ..وقبل أن يخرج ،قال لها أنت طالق بالثلاثة يا لوصة بنت مجر،وخرج ..فنادت وراءه الملعونة :والمؤخر يا شيخ؟”

قراءة رواية (خان الشابندر) لا تعطي قارئها حكاية لها بداية ونهاية واحداث وشخصيات محددة، هي تعطي القارئ شكوكا في تلك الإحداث وقلقا على مصير الشخصيات التي يمكن ان تكون موجودة أو من صنع خيال البطل ،الأسلوب الدائري في التلاعب بالزمن والمكان يجيد أدارته الروائي “محمد حياوي” لما امتلكه من حرفية في كتابة الرواية الاشكالية.

.