

د. نزار محمود
قبل أيام نشر لي مقال في صحيفة الزمان/ الطبعة الدولية، تناول العلاقة بين الرجل الشرقي والمرأة الغربية، والذي ورد فيه شيء مبتسر عن مفهوم التربية.
أحد الاصدقاء القراء لفتت انتباهه عبارة وردت بهذا الخصوص في المقال، تقول: “لا يصلح واقعياً ان تجري تربية الطفل لغير مجتمعه”. الصديق يعيش في اوروبا، كما أنا، منذ ما يقرب من أربعة عقود من الزمن، وهو يعلم ويدرك عمق هذه الاشكالية بالنسبة للجالية العربية المسلمة على وجه الخصوص.
التربية، كما هو معروف عند الكثيرين، هي جهد ونشاط روحي وذهني ونفسي توجيهي للانسان في طفولته وصباه، يهدف الى تقويم فهمه وسلوكه من خلال ما يزرع فيه من قيم سلوكية ومهارات تعلمية وضوابط روحية وأخلاقية ونفسية، تساعده على التعامل مع الآخرين والمشاركة في بناء المجتمع وفق خصوصياته الثقافية على أمل النجاح في الحياة وعيشها بسعادة وسلام.
هذه المهمة يفهمها الوالدان واجباً مقدساً عليهم، لا بل ويمنحهم القانون الحق في ذلك.
ان اشكاليات التربية في بلدان الغربة تتنوع في جوانبها ودرجات أهميتها، نحاول تناول ما نجده من أهمها وفق محاور الحديث التالية:
⁃ القيم والعادات والتقاليد:
وربما كانت الأصعب في اشكاليات التربية لأسباب كثيرة، منها مفهوم القيم ودرجات أهميتها، وارتباطاتها بالجوانب الروحية والثقافية ذات خصوصيات الانحدار والانتماء، وضرورات العادات والتقاليد وعمليتها في الحياة. وفي هذا الخصوص تؤرق الآباء والأمهات جوانب الحياة الدينية والجنسية والسلوكية لدى الأبناء والبنات، وكذلك نتائجهم التعلمية.
⁃ مجالات التعلم وطبيعة العمل:
ان واحداً من اهداف التربية هو اعداد الانسان ذهنياً وبدنياً ونفسياً لممارسة مهنة ما، يشارك ابناء المجتمع من خلالها بخلق قيمة مضافة تعوض عن ما يستهلكه الانسان من سلع وخدمات في الحياة قدر الممكن والمستطاع، وفي اطار ظروف السوق السائدة والمتغيرة والمتطورة، من جهة، والتنافسية التعلمية والقدراتية من جهة أخرى. هذه المسألة تشكل عبئاً نفسياً في رغبة الوالدين وما زرعوه في أبنائهم من تلك الرغبة.
⁃ استعدادات الوالدين وميولهم:
نريد بها قدرة الوالدين وفهمهم لمرامي التربية عموماً وخصوصياتها في بلدان الغربة، ومدى تشددهم أو تفهمهم أو مرونتهم في ذلك.
⁃ تأثيرات البيئة والحاضنة المجتمعية:
لا يعيش المغترب المربي لوحده أو في المجتمع الذي نشأ فيه وتربى على قيمه وعاداته وسلوكياته، معتبراً اياها مقياس فعله التربوي وأمنيته، وانما في حاضنة اجتماعية ذات قيم ومفاهيم وسلوكيات تختلف عن ما تربى عليه ويتمناه. كما تشتمل الحاضنة على مؤسسات الضوابط القانونية للتربية وحدود حقوق التربية للوالدين.
⁃ استعدادات الاطفال وميولهم:
ورغم ما ذكرناه من جوانب تلعب استعدادات الطفل وميوله الذاتية دورها الحاسم في مجال تربيته وتعليمه.
وهذا ما يفسر اختلاف نتائج التربية بين أطفال ذات الأسرة الواحدة.
وبناءً على ما تقدم نجد ان التربية في بلدان العربة بالنسبة للعرب المسلمين، مثلاً، ليست بالأمر اليسير، لا بل انها مهمة صعبة في حال عدم تفهم خصوصياتها والتكيف معها والصبر عليها، دون افراط او تفريط حسب المستطاع.
ولكن ماذا عن مقولة:
” لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم “؟
على موقع islamqa.info على الانترنت وقعت على التالي في اطار الحديث عن المقولة الشائعة ونسبها الى الصحابي الجليل وخليفة المسلمين علي ابن ابي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، بأن هذا الكلام لا يعرف عنه ولا عن أحد من الصحابة أو غيرهم من السلف الصالح ، إنما يعرف من قول سقراط ، ولفظه : ” لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم “.
انظر: “إغاثة اللهفان” (2/ 265) ، ” الملل والنحل” للشهرستاني (2/144) .
وقيل : هو من قول أفلاطون ، انظر : “لباب الآداب” (ص237) ، ” التذكرة الحمدونية” (1/256)
وفي اطار استمرار الشرح نخلص الى ان هناك من القيم التربوية كالصدق والامانة والاخلاص وحب التعلم والعمل لا علاقة لها مباشرة بالزمن، وبالتالي لا يجب عدم الاهتمام بها أو التقليل من شأنها على مستوى الفرد والمجتمع.
اختتم بالعودة الى العبارة التي وردت في مقال سابق وأشرت اليها في بدء حديث اليوم، فأكرر انه طالما يعيش الطفل في مجتمع له خصوصياته التعلمية والقيمية والسلوكية فيجب مراعاة ذلك واقعياً وأخذه في الحسبان، دون أن يعني ذلك الاستسلام السلبي لتلك الخصوصيات طالما كان ذلك بعد السعي الى التوفيق بين مختلفات القيم والسلوكيات التربوية وفي حدود المستطاع، استهداءاً بقوله تعالى: “ لا يكلف الله نفساً الا وسعها”






















