بي
ن الماضي والحاضر
إزدواجية الشارع بشأن قطر -آيات الماجدي
في ظل الأزمة المتصاعدة التي تواجهها دولة قطر وحكومتها وقطع أغلب دول التعاون الخليجي علاقتها بها بل والوقوف موقفا مضاداً لها أيضاً ، نلاحظ تغييرا في وجهة نظر الشارع العراقي لقطر من دولة معادية وحاضنة للإرهاب الى دولة صديقة وداعمة للعراق.
ان التناقض الفكري والسلوكي لدى الفرد العراقي واضح وجلي منذ الأزل فالشخصية العراقية شخصية ازدواجية بحتة ، غالباً يعود هذا التناقض والازدواجية الى الخلل في القيم والمعتقدات والى التناقض بين الأفكار والأعمال التي يمارسها الفرد ،فنحن نرى الازدواجية الفكرية السياسية والاجتماعية والدينية متجلية في هذا الفرد، فلو ادرنا عقارب الزمن الى العصور السابقة نلاحظ ان هذا التناقض متجذر ومن صوره الواضحة التأييد الذي يظهره هذا الفرد للثورات الناصرة للمظلومية بلسانه فقط الا انه عندما يصبح الامر حقيقيا ويصل الى اعتاب منزله نراه يتراجع بلمح البصر عن آراءه الداعمة للحق ويتجه الى تبجيل السلطة بل والوقوف الفعلي ضد هذه الثورات.يقول الدكتور علي الوردي في ما يخص ازدواجية الشخصية العراقية ” أن المسلم العراقي من أشدّ الناس غضبا على من يفطر علنا وهو من أكثرهم افطارا “، ” وأن العراقي ، أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة اليها في خطاباته وكتاباته ، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ” ، ” وأنه أقل الناس تمسكا بالدين ، وأكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية ، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى ” ، وهو ” يلتهب حماسة اذا انتقد غيره في ما يخص المباديء السامية او رعاية العدل والعفو والرحمة ، ولكننا نراه من أسرع الناس الى الاعتداء على غيره ضربا ولكما حالما يرى الظروف المناسبة “.
فرد عراقي
وينبّه الوردي الى أن العراقي بهذه الصفات ” ليس منافقا أو مرائيا كما يحب البعض أن يسميه بذلك “.
ويضيف ” بل هو ، الفرد العراقي ، في الواقع ذو شخصيتين ، وهو اذ يعمل باحدى شخصيتيه ينسى ما فعل آنفا بالشخصية الأخرى . فهو اذ يدعو الى المثل العليا أو المباديء السامية ، مخلّص فيما يقول ، جاد فيما يدّعي . أما اذا بدر منه بعدئذ عكس ذلك ، فمردّه الى ظهور نفس أخرى فيه لا تدري ماذا قالت النفس الأولى وماذا فعلت “. انني اذ لا اتفق مع الدكتور الوردي في كثير من النقاط الا انه لا يخفى عنا ان هذه الازدواجية تظهر بشكل اوسع نسبياً في شخصية الفرد العراقي عن غيره، ورغم ان الازدواجية صفة ملاصقة للإنسان في كثير من الأحيان ومن دون ان يقصد او ينتبه ، الا ان الظروف من حروب وفقر وظلم واختلاف مفاجئ في طبيعة الحكم جعلت من الفرد العراقي متناقض فكرياً وسلوكياً بشكل كبير.
من المعروف ان اسم قطر قد ارتبط بالكثير من الجماعات الإرهابية والحركات الساعية لزعزعة أمن المنطقة والعراق بصورة رئيسية من حيث الدعم اللوجستي. ولا يخفى على الجميع الدور المدمر الذي أدته قناة الجزيرة القطرية في خلق واشعال الفتنة والطائفية بين أبناء الشعب العراقي الواحد، وقد واجه الشارع العراقي هذه التصرفات بإلقاء اللوم والمسؤولية عن كل الهجمات التفجيرية على”قطر” والخروج بمظاهرات عديدة ندد بها هذه التصرفات.
الان وبعد الأزمة التي تمر بها قطر والذي سببها الرئيسي تغيير سياسة الحكومة القطرية في عهد الامير تميم و رفضها دفع أموال للحكومة الامريكية فوفقاً لبعض التحليلات فإن الإدارة الأمريكية فرضت مبلغاً باهظا من المال على ثلاث دول خليجية من بينها قطر، ولماذا تلك الدول الثلاث بالذات؟ الإجابة لأنها أكبر الدول التي توجد بها قواعد أمريكية وأعداد كبيرة من المارينز، والتي عدها ترامب منذ بداية حملته الانتخابية خدمات للخليج و يجب ان لا تقدم مجاناً إذا ما فاز وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية.هنا مربط الفرس، الدول الثلاث وافقت، وبعد انتهاء الزيارة تنصلت قطر من وعودها وتركت الدولتين الأخريين، لذا كانت الحملة قوية والأحكام سريعة لأن ترامب لن ينتظر طويلاً للحصول على المال، وكذلك التوجه الواضح لقبول ايران كحليف رئيسي لقطر،الى جانب إيران، ذُكر اسم العراق كثيراً في الأزمة الحالية مع قطر ، فقد زعمت صحيفة عكاظ السعودية أن وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الذي زار بغداد أواخر الشهر الماضي والتقى رئيس الوزراء حيدر العبادي حيث تم الاتفاق بينهما على إعادة فتح السفارة القطرية، التقى في مقر إقامته في العاصمة العراقية مستشار الحكومة العراقية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، إذ اعتبرت السعودية عبر عكاظ أن اللقاء جاء في سياق ما سمته انقلاب أمير قطر تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، على الإجماع العربي والإسلامي وإعلان الرياض، وأنه انحياز كامل لإيران وميليشياتها في المنطقة، وأن أمير قطر ضرب عرض الحائط بالتضامن الخيلجي والعربي والإسلامي الذي تحقق في قمم العزم يجمعنا .
تغيير واضح
لقد صاحب هذا التغيير الواضح في السياسة القطرية صاحبه تغيير في وجهة نظر الشارع العراقي لها فقد انقلبت قطر في ليلة وضحاها من دولة معادية و حاضنة للارهاب الى دولة صديقة ومناصرة للشعب العراقي متناسين انهم وقبل فترة وجيزة كانوا يطلقون عليها دولة الارهاب ويحملونها دماء الشعب العراقي فهل ظهر خلاف ذلك الرأي ام ان الشارع نسي او تناسى ما كان يحكيه في وقت سابق ، لربما السبب الأوضح لهذا التغيير هو تعزيز العلاقات بين ايران وقطر وتغيير وجهة نظر الأخيرة حول سياسة ايران ، فلا يخفى ان غالبية الشارع تحت تأثير القيادات الدينية سواء (الحوزة الدينية في النجف الأشرف ) التي ترتبط بشكل او بآخر (بحوزة قم) او الميليشيات المرتبطة بـ(ولاية الفقيه) ، ولا ننسى الجانب العاطفي لشخصية الفرد العراقي والذي يجعله دائماً يقف مع من يعتقد أنه في حالة حصار او ضعف وتأثره بشعارات الأخوة والدين والعروبة .
في النهاية لا بد ان نفكر بالمصلحة العامة للبلد بعيداً عن المثاليات التي تجعلنا نعطي ما نستطيع بصعوبد الحصول عليه ، وكذلك الإبقاء (كشعب) على علاقاتنا بدول الجوار جيدة بدون تفاوت او تفضيل لأن رأي الشارع قد يؤثر سلباً او إيجاباً على مصالحنا بهذه الدول.


















