

الموصل – حكم ناطق الكاتب
في حدث استثنائي يعيد الحياة إلى المشهد الثقافي العريق لمدينة الموصل، احتضنت المدينة يوم 16 تشرين الأول 2024 المهرجان السنوي الثاني لفن الخط العربي والزخرفة، بتنظيم من المركز الثقافي العراقي للخط العربي والزخرفة الإسلامية في نينوى.
عكست الفعالية التزام الخطاطين والمهتمين بإحياء تراث الحرف العربي الأصيل، حيث توافد المشاركون من مختلف مناطق الشمال العراقي ليعرضوا أعمالاً تنبض بجماليات الخط والزخرفة. مثّل المهرجان لقاءً بين الأجيال، وحلقة وصل بين الموروث الفني القديم والإبداع المعاصر، ما يعكس استمرار هذه الفنون عبر الزمن كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية العربية.

إرث الروّاد ومواكبة المعاصرين: تواصل عبر الأجيال
كان للمهرجان جانب احتفائي خاص بالخطاطين الرواد، ممن أثروا المشهد الفني عبر العقود السابقة، ومن بينهم الخطاط الراحل يوسف ذنون وباسم ذنون وعمار الرفاعي، الذين رسّخوا قيم الدقة والصبر والإتقان في هذا الفن. كما تميزت الفعالية بمشاركة أعمال مجموعة من الخطاطين الذين تتلمذوا على يد كبار أساتذة الخط، لا سيما الخطاط التركي المخضرم حامد الآمدي. وقد حصل بعض الفنانين العراقيين، مثل عباس الطائي وطالب العزاوي وفرح عدنان، على إجازات من الآمدي، ومنهم أيضاً المرحوم حسن قاسم حبش وسالم عبد الهادي ووعد الله محمد وعبد الرزاق الحمداني وفريال العمري. هؤلاء الفنانون نقلوا أصول هذا الفن العريق إلى جيل جديد، وعملوا على صقل المواهب الناشئة، مؤكدين أن فن الخط ليس مجرد ممارسة تقنية بل تجربة روحية تتطلب الصبر والتأمل.

الزخرفة والخط: تكامل جمالي وإبداع بصري
تميّزت الأعمال المعروضة في المهرجان بمزيج من الخط العربي والزخرفة الإسلامية، في مشهد يجسد الانسجام بين الحرف والتكوين البصري، فقد أُحيطت النصوص بأطر زخرفية دقيقة، معظمها من الزخارف النباتية المذهبة، ما أضفى أبعاداً فنية غاية في الجمال، ولم تكن الزخرفة مجرد عنصر تجميلي، بل ساهمت في تعزيز البُعد التعبيري للنصوص، مانحة إياها روحانية وسحراً خاصاً.

أظهرت بعض الأعمال ميلاً واضحاً إلى استكشاف أساليب زخرفية جديدة، حيث تميزت بمزج الحداثة بالتقليد، كما تجلّت لمسات فنية خاصة في أعمال الخطاطات المشاركات، اللواتي ركزن على التزيين الدقيق والاعتناء بالتفاصيل، عبر تضمين أفاريز مطرزة ومذهبة حول النصوص، مما جعل اللوحات أشبه بقطع فنية مكتملة العناصر.
الفن كرسالة: نصوص تعكس التعايش وتعزز الهوية
عكست النصوص التي اختارها الفنانون التزاماً بالقيم الإنسانية مثل التسامح والتعايش السلمي لتنسجم مع الروح المعاصرة التي تسعى لإعادة بناء المجتمع وترسيخ قيم المحبة والتآخي بعد سنوات من التحديات التي عاشتها الموصل، و بهذا، لم تكن الأعمال مجرد لوحات زخرفية، بل رسائل ثقافية تعبر عن الانتماء لهوية عربية متجددة تتفاعل بإيجابية مع واقعها.

دعم الشباب والناشئين
إحدى أهم محاور المهرجان كانت إتاحة الفرصة للمواهب الناشئة من طلبة معاهد وكليات الفنون الجميلة، ليعرضوا أعمالهم إلى جانب إنتاجات كبار الفنانين.
هذا الدمج بين الخبرة والشباب لم يكن عشوائياً، بل هدف إلى خلق حوار بين الأجيال وضمان استمرارية الإبداع، فالاحتكاك المباشر مع الرواد يمنح الطلبة فرصة للتعلم وتطوير مهاراتهم، كما يعزز ثقتهم في قدرتهم على المساهمة في الحفاظ على هذا التراث الفني.

جلسات حوارية ومحاضرات
في إطار المهرجان، أُقيمت جلسة حوارية ومحاضرة بعنوان “أثر خطاطي الموصل في حفظ المدرسة البغدادية للخط العربي (521-736هـ / 1127-1432م)”، قدّمها الدكتور عامر الجميلي.
استعرضت المحاضرة أبرز محطات تطور الخط العربي خلال تلك الفترة، مع تسليط الضوء على دور خطاطي الموصل في ترسيخ المدرسة البغدادية التي امتازت بخصائص أسلوبية مميزة.
تلت المحاضرة جلسة نقاشية موسعة، شارك فيها فنانون ومتخصصون، ناقشوا خلالها الهوية الفنية لمدينة الموصل ودور الخطاطين في التعبير عن هذه الهوية من خلال أعمالهم. كان النقاش مثمراً وبناءً، حيث أكد المشاركون على أهمية استمرار هذه الجهود الفنية وتوظيفها في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الصاعدة.

تكريم المبدعين وإشادة بالجهود
اختُتمت الفعاليات بتوزيع الشهادات التقديرية وقلائد الإبداع على المشاركين، تقديراً لجهودهم في إنجاح هذه التظاهرة الفنية، و أشرف على التكريم فالح الدوري، الأمين العام للمركز العام في بغداد، إلى جانب الدكتور رعد الحسيني، مدير المركز في الموصل، وحكم الكاتب، أمين سر المركز والمسؤول الإعلامي.

رسالة المهرجان
يجسد المهرجان رؤية واضحة لمستقبل الخط العربي والزخرفة الإسلامية، حيث يبرز أهمية هذه الفنون ليس فقط كجزء من التراث، بل أيضاً كأداة فاعلة في تعزيز الحوار والتسامح. فإتقان الحرف العربي يتطلب صبراً ومثابرة، تماماً كما يتطلب الحفاظ على الهوية الثقافية جهداً مستمراً.
وبهذا المهرجان، تؤكد الموصل على دورها الرائد في إحياء الفنون التراثية، وتثبت أن الفن يمكن أن يكون جسراً للتواصل بين الأجيال، ووسيلة لإعادة بناء المجتمع بروح منفتحة على التغيير، لكنها متمسكة بجذورها الثقافية.


























