إدارة التوحش
كثير منا سمع بنظرية ( إدارة التوحش ) وقليل للأسف فهم معناها أو معظم تفاصيلها ولكن الغريب ان الكثير من البسطاء اللذين سمعوا عنها أدركوا معناها الحقيقي وغايتها كما هي تماما دون يعرفوا أصحابها . والذين لم تتح لهم معرفة هذه النظرية أكتب هذه الكلمات .
1- نظرية (إدارة التوحش) ببساطة هي الإجراءات والفعاليات والأساليب التي يفترض إتباعها في إدارة البلاد والعباد في مرحلة سقوط الأنظمة السياسية القائمة . وتفترض النظرية ان أصحاب هذا الأمر هم مجموعة او مجاميع بعينها هم في الغالب (مجموعات دينية اسلامية متطرفة) هدفها السيطرة التامة وتلبية حاجات الناس من توفير الطعام والعلاج ، وحفظ الأمن والقضاء بين الناس الذين يعيشون في تلك المناطق وتأمين الحدود من خلال تلك المجموعات لردع كل من يحاول التجاوز عليها إضافة إلى إقامة تحصينات دفاعية ووقائية . وقد ترتقي إدارة احتياجات الناس من طعام وعلاج إلى تحمل مسؤولية تقديم خدمات مثل التعليم، وقد يرتقي حفظ الأمن وتأمين الحدود للعمل على توسيع منطقة التوحش و(إدارة التوحش) هي المرحلة التي تسبق إقامة الدولة الإسلامية ولو ان تنظيم (داعش) أعلن دولته وعين خليفتها وهم في خضم مرحلة إدارة التوحش .
2- في واقع الأمر ان هذه النظرية ليست اختراعا لمدعيها ولمتبنيها من الاسلاميين الجدد (المتطرفين عقائديا) بل هي في الواقع نظرية غربية صهيونية بامتياز وهي نفسها (نظرية إدارة الفوضى الخلاقة) مع تعديلات سيئة ومقيتة .
3- النظريتان كلتاهما تعتمدان على فرضية سقوط النظام القائم مع كامل قيمة ومنظومته السياسية والأخلاقية والثقافية لخلق بدائل , مع اختلاف بسيط هو ان نظرية ( إدارة التوحش) هي من ستفرض تلك المنظومة السياسية والأخلاقية والثقافية البديلة , حسب متبنياتهم العقائدية ورؤاهم المذهبية الخاصة . بينما نظرية ( الفوضى الخلاقة ) لا تحدد شكل البديل ولا تفرضه وإنما تترك الأمور تسير باتجاه بلورة مفاهيم جديدة يختارها أهل المناطق مع توجيهات خفية ودفع باتجاه مصالح معينة .
4- ولكن الاختلافات الأخطر لدى أصحاب التوحش هي تعديلاتهم الأكثر شرا وسوادا مقارنة بأي نظرية شريرة سبقتها . بل ان الكارثة العظمى هي في توظيف الدين لتبرير كل هذه التعديلات الشيطانية الشاذة متكئين على تراث كبير من الانحراف والتعصب . ومن تعديلاتهم أو إضافاتهم الخطيرة هو إنهم وفي نظريتهم يعدون العدة لتكوين قوى وإمكانات باستطاعتها مستقبلا الإغارة والحرب ومعاداة واستعداء العالم القريب و البعيد واعتبارهم مع أموالهم وأراضيهم وأبنائهم وبناتهم غنائم وأهداف مستقبلية يجب تحقيقها كلما كانت الاستعدادات جاهزة والإمكانات متحققة مع تبرير شرعي مقنع لأصحاب التوجهات المماثلة بان الاخر أما ان يكون مشركا ومنافقا ومرتدا أو كافرا . وهذا الأمر وحده سيكون مبررا لا يلام عليه أهل الغرب أو الشرق في جعل المسلمين دائما أعداء وأهدافا منظورة ولا سيما إنهم اليوم هم أصحاب القدرة والتمكين .
5- لا تعتمد هذه النظرية أبدا لا من بعيد ولا قريب أسلوب ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ولا ( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) ولا يتخذون أي سبيل دعوي عقلي أو نقلي الا في حالات العجز والضعف . ويكون عملهم الأساس هو بذل الوسع وما يمكن لتهيئة الوضع في مكان ما لتحويله الى منطقة توحش وعملهم هذا يسمى لديهم (شوكة النكاية والإنهاك ) وهي مرحلة تسبق في العادة مرحلة إدارة التوحش في حالة إذا كان في حسابات من يقوم بالنكاية أن التوحش سيحدث ومن ثم الإعداد لإدارته. ولذلك فهم يعتبرون مناطق الاضطرابات والقلاقل والتمرد وأعمال القتل والتدمير وأوقاتها هي الأمكنة والأزمنة الملائمة لانتعاشهم وانتعاش أفكارهم وأفعالهم . ولن تجد لهم أي أثر في البلدان القوية المتماسكة الا كخلايا نائمة جامدة في انتظار وقوع كوارث أو حروب أو اضطرابات يمكن استغلالها في حينها .
6- المرحلة الأخيرة لنظرية ( إدارة التوحش ) هي شوكة التمكين والتي بموجبها سيتمكن أصحاب هذه النظرية بناء دولة الخلافة وهي مرحلة قد نتكلم عنها في مرة مقبلة ان شاء الله .
كاظم سرحان شناوة
























