
هاشتاك الناس
أهل الكهف – ياس خضير البياتي
يبدو أنني أخطأتُ العنوان حين كتبتُ عن أقسام الإعلام التقليدي والرقمي، وكان ينبغي أن أكتب: “دليل النجاة في الكهف الأكاديمي”. فالقوم هناك لا يحتاجون إلى تطوير مناهج أو تحديث استوديوهات أو مراجعة لوائح؛ إنهم يحتاجون فقط إلى وسادةٍ أكثر نعومة كي يواصلوا نومهم العميق بلا إزعاج.
كتبتُ مقالاتٍ ونشرتُ أخرى على فيسبوك، تحدثتُ فيها عن فجوةٍ بين ما يُدرَّس وما يجري في العالم، وعن إعلامٍ رقمي يركض بسرعة الضوء مقابل أقسامٍ جامعية تمشي بعكاز طباشيرٍ مكسور. انتظرتُ نقاشاً أو اعتراضاً، لكن الصدى كان صمتاً، لا يقطعه سوى شخيرٍ أكاديميٍّ رتيب.
لذلك، حين كتبتُ المقالة، جاءت التعليقات على المنشور قليلة وخجولة ومترددة، بينما كانت على الخاص أكثر صراحة وشجاعة، تحمل تشريحاً مؤلماً للواقع وكشفاً لانتهاكات وخللٍ واضح، لكن دون جرأة على إعلان ذلك علناً.
تمنيتُ لو نُشرت تلك الآراء بصوتٍ مرتفع حتى تصل إلى من يملك القرار. لم يجرؤ أحدٌ علنا أن يعارضني صراحةً أو يؤيدني بوضوح؛ بل جاءت الردود إيحاءً وتمشي الكلام على أطرافه، وكأن الحقيقة تحتاج إلى مترجمٍ دبلوماسي.
أحدهم كتب لي بالسر: في أقسام الإعلام تُدرَّس “الإستراتيجيات الرقمية” بلا إنترنت، وتُناقش “الخوارزميات” بخوف من الحاسوب، بينما المختبرات متاحف قديمة. وعند طرح أي تغيير يُقابل بحجة أن “الأمور تمشي”، لكنها تمشي إلى الخلف.
لا أدري: أهو الخوف، أم اليأس، أم ازدواجية بين القول والفعل تجعلنا نبرع في الخطابة ونفشل في التغيير؟ أم أن المشكلة حين نربط المؤسسة بالأشخاص لا بالعمل الجماعي، فنقيس تطورها بوجود هذا أو ذاك؟
اعترفُ – دون حاجةٍ إلى محاضر جلساتٍ مختومة – أن لدينا مؤتمراتٍ تُقام لتُسجَّل في سيرة الجامعة أكثر مما تُقام لإنتاج المعرفة، ومجالس أكاديمية تنتظر كلمة المستثمر الأخيرة للموافقة الجماعية دون نقاش. ولدينا مقترحاتٌ مصقولة تعكس مهارة الصياغة لا صدق الفكرة، وأخبارٌ رنّانة تتكاثر في مواقع الجامعات والصحف تُبشّر بولادة أقسامٍ ومجالس “مبتكرة”، لكنها سرعان ما تنكشف كفقاعاتٍ أنيقة، منتفخة بالخطاب وسريعة الزوال عند أول احتكاكٍ بالحقيقة، لتبقى النهاية سؤالاً واحداً: هل كنّا نعمل… أم نُجيد تمثيل العمل؟
وهكذا، بينما العالم يركض خلف شاشاته الذكية، يواصل أهل الكهف سباتهم الوثير، مطمئنين إلى أن الضجيج الخارجي لن يخترق جدران نومهم… فالنوم، في بعض الجامعات أو لدى البعض ، أصبح أعلى درجات “اليقظة”.
yaaas@hotmail.com

















