أنصار العُتمة – جليل وادي

كلام أبيض

أنصار العُتمة – جليل وادي

 

اذا لم يكن المعلم أولا، لن تشهد البلاد رقيا، لا تحتاج أمثال هذه المقولات الى تفسير او ايضاح، فهي من البديهيات التي أشار لها تاريخ البشرية وأثبتتها التجارب العالمية بمختلف اشكالها، بل حتى الذين يجافونها يدركون في قرارة أنفسهم أهميتها وقيمتها، والا بماذا نفسر حال دول لا يمكن مقارنتها بالعراق تصنف في سنين معدودات ضمن البلدان المتقدمة، نتأملها بقلوب مكتظة بالحسرات والقول أن يكون المعلم اولا يراد به ان يكون قيمة عليا، يتمثلها المجتمع ويحتذي بها، ذلك ان القيم معايير ضابطة للسلوك الاجتماعي،يُحتكم اليها في المواقف، وينظر من خلالها للامور، وهذا لن يتحقق مالم يتبوأ المعلم المرتبة الاولى في السلم الاجتماعي، ولكي يكون كذلك لابد ان تتعزز قيمته ماديا ومعنويا، واقدم المادي على المعنوي، لان المضمون المعنوي في القيم سرعان ما ينهار اذا لم يستند الى ما هو مادي، وبخاصة في المجتمعات التي لم تتوافر على تعليم كاف، فالمجتمعات المتخلفة تتحسس ما هو مادي أكثر من تحسسها لما هو معنوي، واظن ان الاحتكام الى معايير التقدم والتخلف يشير الى ان المجتمع العراقي مازال محسوبا في حقل التخلف، ومن يقول غير ذلك يجافي الحقيقة، او مصالحه تقتضي تسييس الامور، وعلى هذا فالأدوار المفترضة للمعلم تستوجب الارتقاء بحاله ماديا بما يحفظ كرامته، ويعلو به عما هو صغير الشأن، والأهم من كل ذلك جعله منشغلا بالعلم والتربية ولا شيء غيرهما، لابد ان يتشبع برسالته النبيلة ويكافح من اجل نقلها للأجيال الجديدة، فالمستقبل مشرقا كان او معتما مرهون بهذه الاجيال، فقد قيل ان الشباب عماد الامة، وانهم نصف الحاضر وكل المستقبل، وبذلك لا مستقبل آمنا لهذه الامة من دون دور فاعل للمعلم، فكيف له ان يقوم بمهامه والسياسيون يمعنون في اذلاله وارجاعه الى مؤخرة المجتمع، للاسف الشديد ان التاريخ الاجتماعي للمعلم مخجل للغاية بسبب العامل السياسي، حتى وصل به الامر في سنوات سابقة الاستحياء من الاعلان عن مهنته، لكي لا يكون مثار تندر الجهلة، فقد امتهن الكثير مما لا صلة له بمجاله، ومنها لا يتوافق مع مستواه، لكنه اجبر على ذلك لديمومة حياته، واذكركم بسنوات الحصار المقيتة يوم كان يقضي عامه الدراسي بالملابس الرثة ذاتها غير قادر على شراء غيرها. وبعد التغيير السياسي استبشرنا خيرا، وظُن ان التعليم والمعلم سيكون لهما شأن كبير، وصدّقنا مقولات السياسيين البراقة التي انتقدوا بها النظام السابق،واذا بهم يكتفون باذاقتنا حلاوة الطعام دون الاستمتاع بأكله، ومثال ذلك سعيهم الحثيث الى الغاء قانون الخدمة الجامعية الذي استعاد به الاستاذ بعضا من هيبته، بينما ينعمون هم بجميع الامتيازات التي تتيح لهم التمتع بمباهج الحياة، ويستكثرون عليه تقاعدا يتناسب مع سنين عجاف كابدها. لقد جاهد المعلم من الروضة الى الجامعة، وحالت ظروف يعرفها الجميع من ان يؤدي رسالته بالصورة التي يجب، لكنه استطاع في حدود ما تيسر ان ينير جانبا من العتمة التي اراد الاعداء ان تخيم على العراق، ويبدو ان البعض لم يرق له ذلك، فمرة يجردون المعلم من حقوقه، واخرى يزجون بعناصرهم المتخلفة للحصول على شهادات عليا، وثالثة يوفرون لمقاولين فرصة الاستثمار في التعليم، فاذا بالتعليم يشهد تراجعا مخيفا، بينما لم نر من الممسكين به علاجا ناجعا يتدارك ما لحقه من تدهور . أرجو ان يعترف القائمون على التعليم بهذه الحقيقة، ويتجنبون الادعاء بعكس ذلك تجميلا للعمل السياسي، وأول خطوة في التدارك ابعاد من وصفوهم بالمستشارين من التلاعب بمكانة المعلم، وتجنيبه استجداء المواقف المناصرة من برلمانيين لا يستحقون هذا المكان الرفيع، فبعضهم أنصار للعتمة وجلهم حصيلة التخلف يوم الهي المعلم بقوت العيال عن الانشغال بالدرس العلمي والتربوي.

ديالى