
أنت في شارع المتنبي .. أنت في قلب الحدث – فوزي الاتروشي
مثل عاشقة حسناء غادرها الفرح ، وزال عن ظفائرها الطويلة الحناء والعطر ، هكذا تبدو بغداد من اثر التدمير والترييف و الخوف الذي ينشره الارهاب في مفاصلها ، حتى مر العيد واهلها يرددون بيت المتنبي : عيد باي حال عدت يا عيد ،لأمر مضى ام لأمر فيه تجديد لا جديد سوى مراكمة الامل بأن الغد الاجمل آت لا محالة.
في جولتي الاسبوعية مررت بمقاه اخرى افتقدتها منذ زمن ومنها مقهى كوكب الشرق ام كلثوم الذي اسسه مطلع السبعينات عبد المعين الموصلي في بداية شارع الرشيد والذي ما زال كما كان يجمع عشاق الفن الاصيل لام كلثوم ، ويدار منذ عام 2005 بادارة جديدة من قبل السيد سلام علي الهاشمي .
دخلت المقهى وهزني الشوق الى الاماكن التي كنت اجلس فيها وانا طالب في الكلية حيث لم يكن يمر يوم دون ان نستمتع ونطرب على اغاني علمتنا ان نحب الحياة اكثر ، و نعبر همومنا بيسر بوصفة غناء وموسيقى والحان في غاية الرقي . المقهى يحتوي مكتبة غنائية خاصة بام كلثوم تحتوي اكثر من 500 كاسيت ، والمقهى بانتظار ان تبت وزارة الثقافة بطلب اعتباره ضمن المقاهي التراثية الثقافية ، ووعدت ادارته خيرا لأنه يستحق ذلك بجدارة .
ثم عرجنا على مقهى (الزهاوي) المعطر بذكرى هذا الشاعر الكردي الكبير صاحب المعارك الادبية لصالح المرأة ، والتقدم الاجتماعي منذ عشرينات القرن الماضي ، و عانى الكثير مع فقهاء الجهل والتخلف ودعاة التكفير ، لكنه لم يخضع ولم يستسلم .لقد ظلم الشاعر في حياته وبعد رحيله و في عام 2013 اقدمت وزارة الثقافة على مساعدة الكاتب والصحفي الكبير (عبد المنعم الاعسم) الذي بذل جهدا كبيرا لجمع اثاره وتسليط الاضواء على محطات حياته الغنية بالعطاء ، والتي لم تنقذه من النقد الحاد حتى من المقربين منه ، لكونه احد اشهر دعاة حرية المرأة فقال قوله الشهير : ما اكثر الاخوان حين تعدهم ، لكنهم في النائبات قليل.
مقهى (الزهاوي) معلم تراثي وثقافي جميل مطعم بنكهة شاعر جميل هو (جميل صدقي الزهاوي) .
ثم كان اللقاء الاسبوعي الشيق في مقهى الشابندر الذي يعج باصحاب الفكر و الفن والشعر والقلم ، و تدور فيه النقاشات الادبية والسياسية على قدم وساق . فكل خبر عاجل تجده هناك بلا رتوش . كان الحديث ساخنا حول الانتصار على داعش في نينوى ، واستفتاء كردستان ، وشجب واستنكار لتصريح سعد المطلبي عضو مجلس محافظة بغداد حول سحب الجنسية من الكرد الفيليين في حالة وقوفهم مع استقلال الاقليم .فهذا السياسي الطارئ والجاهل لحقائق التاريخ و الجغرافية تعامى وتغافل وتناسى انه كناطح صخرة . فالكرد الفيليين اصلاء في مناطق سكناهم كما نخيل العراق وهم بكدهم ونضالهم و عطائهم اكبر واعظم من ان يستهين بهم سياسيون مراهقون متعجرفون عنصريون لا يفقهون الف باء السياسة.
شارع المتنبي كما قلت قلب الحدث ونبضه فهنا تلتقي بالمبدع والمؤلف و ترى اخر ما رأى النور من فكر وادب وفن . والجميل انك تلتقي بالمؤلف لتبدي له رأيا او نقدا او ملاحظة على هذا الاصدار او ذاك فتنشأ علاقة تواصل حميمة بين الكاتب والمتلقي والقاريء . ويطيب لي ان اشكر الصديق (عباس) صاحب مكتبة ومطبعة الجواهري الذي اقضي كل جمعة وقتا ممتعا عنده ، وقد سلمته مؤخرا مادة كتاب مصور عن فاجعة الايزيديين على يد داعش الارهابي المتوحش ويضم مجموعة كبيرة من الصور التي تعكس حجم وبشاعة هذه الجريمة المروعة .
وهكذا يبقى لشارع المتنبي ذلك الالق الذي لا يغيب فالمثقفون هناك على موعد مع المكان الثابت والحدث المتغير .
وكانت لي لقاءات حلوة هذا الاسبوع مع الصحفي في جريدة الزمان ياسين ياس ، والخطاط عبد نوار ، والفنان جمعة زغير عون . واخرين التقينا معهم على الالفة والمحبة و الكلمة الطيبة . ومن بين اهم ما اقتنيتها من كتب هذا الاسبوع رواية(الجريمة ، الفن ، وقاموس بغداد) للروائي العراقي المبدع علي بدر ، وكتاب مير بصري – سيرة وتراث للمؤلفة فاتن محيي محسن ، مير بصري شخصية يهودية عراقية ادى دورا رائعا في الحياة الثقافية العراقية ، لكن نصيبه من الاضطهاد والسجن لم يكن قليلا مثل اقرانه ، حتى هجرته عن العراق الى لندن والالم يعتصر قلبه فكتب من هناك كتابه الشهير (رحلة العمر من ضفاف دجلة الى وادي التايمز – ذكريات و خواطر) .
له عشرة كتب منها(اعلام الكرد والقومية الكردية) ، و (اعلام اليهود في العراق الحديث) ، و (اعلام الادب في العراق الحديث) ، و(اعلام التركمان والادب التركي في العراق الحديث) ، و(اعلام السياسة في العراق) ، اضافة الى الكثير من البحوث والمقالات . لقد كان مير بصري ، والشاعر انور شاؤول ، وسامي مورييه، وساسون حسقيل اول وزير مالية في العراق الحديث الذي هدم منزله التراثي مؤخرا مع كل الاسف ، وغيرهم اعمدة ثقافية خدمت العراق بوطنية خالصة ، و بايمان قوي راسخ ، وبعقول مكتنزة بالمعرفة و العلم .
ويقول (د. صادق حسن السوداني) عن (مير بصري) الشخصية المرموقة (بهجرته خسر العراق ثروة عراقية معطاء و ثرة غنية واصيلة وظل العراق في عقله وفؤاده ومشاعره ، بل ظل العراق عامة وبغداد خاصة عشقه ، وهذا والحق يقال حال كثير من يهود العراق الذين ارغموا على الهجرة).
ماذا بعد .. نقول اننا وطعم قهوة (الشابندر) في فمنا لا بد ان نقول شكرا محمد الخشالي فأنت جزء اخضر من بغداد حتى بعد ان افترسها الترييف والغبار والنفايات . فهل تقوم امانة بغداد بثورة اناقة وجمال ونظافة لتعيد الى نهارات بغداد ولياليها شيئا من احلام شهرزادها ؟.


















