أمي ودار البقاء – عبد المحسن عباس الوائلي

أمي ودار البقاء – عبد المحسن عباس الوائلي

 

ان فراق الام وموتها جرح لايندمل.. قد يقول البعض يمكن ان يكون لقاء بعد فراق ولكن قلي بربك لماذا تفارق امك؟ لامهما قلت لايقبل عذرك لان هنالك شيئاً اقوى من والدتك اثر عليك اذن انت فضلت عليها احدا وهذا عار عليك وخيم اما الموت فهو فوق ارادتنا فيعز عليّ حقا ان ارى اولادي واحفادي وامي ماتت بحسرتها لم تعرف أي شيء غير اهتمامها بنا وايمانها بالخالق الجليل صافية القدمين ثوبها ممزق ويشهد الله لم ار غيره والدي يكد ويكدح من اجل لقمة العيش عمله شاق جدا وهو لايملك ايضا دشداشة من قماش الجوبان الابيض وهو ارخص الاقمشة يغسل ثوبه ويلبسه فقر لو تحدث عنه لكذبني اقرب الناس لي لما يروه الان من النعم والخدمات التي لاتصدق ولن نستحقها ولكن من لطف الله واليوم اريد اخاطب اعز الناس لنفسي وبودي اكتب يوميا عنها ان لم اقل كل كتاباتي فحينما يكتب المرء عن امه تتلاحق الكلمات وتنساب الحروف وتلتقي على الربيع المدامع.. ماذا يحدث عن امه؟! صاحبة الروح والجسد الماثلة امامه في بيت من نعيم وامي لم تعرف النعيم عاشت وماتت بفقر وجوع وحرمان وامل كان يراودها ان تراني اكبر وتتم فرحتها حينما اتزوج وهذا اجمل احلامها ولكنها لم تحقق أي حلم فقد اصابها مرض التدرن الرئوي وماتت وتركتني مرغمة وانا طفل صغير لازلت في الصف الخامس ابتدائي ولم يكن لدي اخ العب معه غير اختي الوحيدة التي تصغرني بعامين وعانيت ما عانيت اما الان لاتفارقني ذكراها وابكي كثيرا في خلوتي واقول ليتك يا امي تعلمين وترين بأم عينيك بأنني تزوجت وهاهم اولادي تخرجوا من الكليات فهذا جمال رئيس مهندسين اخوانه ضباط برتب عالية ورابعهم عيسى والبنات الثلاة تزوجن والكل عندهم ذرية انهم اطفال كالورود بعيني لم ار اجمل منهم احبهم حب لايوصف احبهم ضعفين حبي انا وحبك انت واقول ماذا يضر القدر لو توانى عنك لترين ابنك واولاده ايها المظلومة الصابرة ماذا رأيت والله لم انسك ابدا حيث تحدثني عنك بعض الخالات بأنك مت والف حسرة بقلبك ولم يتحقق شيء من امالك تحقق امال الكثير للنساء وهن لم يكن بحنانك وعطفك ورقتك وزهدك وتدينك وصبرك اقسم بأنك لم تفلحي في عمرك كله لم يصادفك يوم في حياتك من شرب قدم من الماء البارد في عز الصيف ولانسمة هواء باردة بل تحملني البرد القارس والحر الشديد وانت حافية القديم لاتملكين غير ثوب واحد ولم تتناولي لقمة هنية تمتعت بها غيرك بغير حق ورأت كل النعم وهي غير راضة هذه هي الحياة يا امي انها قسمة ضيزى فكم يا امي من ابناء يتساقطون اما سيل الرصاص ويدوعون امهاتهم بدون استئذان؟! ام عن اسر مشتتة في كل بقاع الارض ولاتستطيع ان يجتمع تحت سقف واحد وهؤلاء النائمون على الصخر وفي اكواخ الصفيح وعلى ارصفة الشوارع ومن لايجدون أي راحة وهم راضون بما قسم الله لهم والبعض الاخر في نعيم وبكل ما تعني هذه الكلمة لكنهم يتذمرون انهم لايحبون مشاهد الفرح عند الاخرين يريدونها لهم وحدهم وعلى حساب غيرهم فليقهر الكيبر وتتنهد العجوز ويتم الفراق فبهذا يتلذذ الغير ولكن الله بالمرصاد يا امي فحاشا لوجه الكريم ان يحرمنا حرمانا اخر بعد حرماننا منك ولازلت اردد كلمات شكسبير وانك لم تعرفين عنه شيئا فهنيئا لك كأن ايمانك مطلق بالله عز جلاله ونبيه محمد (ص) والصالحين وكل الناس المتدينين والخيرين لاتفهمين حيث يقول “لايوجد في العالم وسادة انهم من حضن الام ولا وردة اجمل من ثغرها” فاعذريني يا امي واعذرك فأن فقدنا بعضنا البعض لم يكن باختيارنا ولكنها لعبت الاقدار فها انا ارى وجهين وكلاهما يؤلمني وجه مشرق مليء بالفرح والسرور يراه الذين ينعمون بدفء الامومة ويقطفون من حدائق قلبها الكبير قصائد الشعر والانابق وهذا يؤلمني لانني محروم منه ووجه غارق في الحزن والكآبة يراه الذين حرموا حنان امهاتهم وانتزعوا من اجفانها دون رحمة او شفقة وانا من هؤلاء فدعيني اشاركهم احزانهم والامهم.. امي كم اني مشتاق اليك ولكني لا اعلم ماذا تخبئ لي الاقدار فاذا تركت الدنيا واتيت لبطن امي وامك الارض وادفن فيها هل لي لقاء معك ام لا؟ هل هو دائم او زائل؟! لاشك اطلاقا بأن الله يرحمك كثيرا برحمته لمظلوميتك وتعويضا عن حرمانك من الكثير ولكن ماهو مصيري انا؟ اني من المؤمنين بكل قوة برحمة الله تعالت قدرته وحاشا لوجه الكريم من ان يعذبني فيزداد عذابك فلأجلك ومن اجل دعائك اما رحمة الله فهي اكبر من حنان الام لولدها وهذا يكفي ويزداد يقيني بأنني سألقاك بخير في دار البقاء بعد ترك دار الخراب مهما عمرت وزخرفت فأنها فانية.