رحلة الصوت الشجي من البصرة إلى بغداد
الفن العراقي ضحية المتاجرة والابتعاد عن الجذور

بغداد – هدير الجبوري
تتحدث الفنانة أمل خضير في حوارٍ مع صحيفة “الزمان”، عن مسيرة فنية حافلة بالتميز والأصالة، امتدت لعقودٍ وأغنت الأغنية العراقية بروحها وصوتها الفريد. أمل خضير، التي بدأت رحلتها من البصرة وعاشت بوجدان جمهورها منذ أول ظهور لها، تفتح قلبها للحديث عن بداياتها، وتأثرها بالرائدات العراقيات، ودورها في الكورس العراقي وصولاً إلى تألقها كمطربة مستقلة.
تروي خضير مواقفها الصريحة تجاه المتغيرات التي شهدها الفن العراقي اليوم، وما تعتبره “متاجرة” قد أضعف من قيمة الفن الأصيل وأثّر على مسيرة الأجيال الشابة.
في هذا اللقاء، نستعرض محطات من ذكرياتها، رؤيتها للأغنية العراقية، وآمالها لمستقبل فن يحمل هوية وعمق العراق. تتناول الفنانة أيضاً تجاربها في التمثيل وعلاقتها بأختها الفنانة سليمة خضير، التي كانت دعماً روحياً لها طوال مسيرتها الفنية. وتُظهر كلمات أمل خضير حبها العميق للفن العراقي وإصرارها على الحفاظ على أصالته وسط تحديات العصر، معبّرة عن أملها في استمرار الإبداع والتجديد دون التفريط في الجذور الفنية الأصيلة.

- الفنانة أمل خضير، حدثينا عن الفترة الأولى من حياتك ليتعرف جمهور القراء عليك من خلال حديثك عنها.
بدأت في البصرة التي هي مسقط رأسي ونشأتي. ومن خلال المدرسة، كانت لي مشاركات عديدة في الحفلات المدرسية التي كانت تقام في ذاك الوقت. كانت البداية من هناك، حيث تم اكتشاف موهبتي وجمال صوتي.
- بدأت الغناء في المدرسة كما ذكرت، فهل كنت كباقي أقرانك، هل بدأت ميولك الغنائية الحقيقية تتوضح في فترة الطفولة والدراسة؟ وبأي عمر كان ذلك؟.
ظهرت موهبتي الغنائية في عمر السبع سنوات، وفي نفس الفترة كنت أشارك في الاحتفالات التي تقام بالمناسبات الوطنية، وقد سجلت أغنية “على درب الهوى” من كلمات صابر هضير وألحان مجيد العلي في البصرة، وأنا في السابعة من عمري، وكانت تبث في إذاعة بغداد. هذه كانت المرحلة الأولى في مشواري الفني، حيث كنت أغني أغاني للمطربات العراقيات والعربيات وأنا في تلك السن الصغيرة.
- الانطلاقة الأولى لدخولك عالم الفن كانت في البصرة أم بغداد؟ وكيف استطعتِ الدخول لهذا العالم ومتى؟.
كانت البداية في بغداد من خلال برنامج “ركن الهواة”، فقد كان هو المنفذ الذي دخلت منه لعالم الغناء والفن. وكان من أنجح البرامج التلفزيونية آنذاك، وقد خرج منه العديد من المطربين الذين أصبحوا نجوماً مثل الفنان الدكتور فاضل عواد، وسعدون جابر، وآخرين كثيرين.

- هل ترين أن برنامج “ركن الهواة” كان الحاضن الحقيقي لمواهب أغلب المطربين العراقيين الذين أصبحوا نجوماً فيما بعد؟ وهل كان كذلك بالنسبة لك؟
نعم، هو كان كما قلت الحاضن الحقيقي لموهبتي ولموهبة غيري من الزملاء المطربين العراقيين.
- متى بدأتِ الغناء بشكل منفرد، وبدأ يتكون لك لوناً خاصاً بك وأصبحتِ مطربة معتمدة؟.
في منتصف العام 1965 تم قبولي كعضو في الكورس أو فرقة الإنشاد العراقية. ومن خلال تواجدي في الكورس، كنت أسجل على حدة الأغاني الفردية لملحنين عمالقة مثل فاروق هلال، وأحمد الخليل، ورضا علي، وغيرهم. وهذه أعتبرها المرحلة الثانية في مشواري الفني، حيث بدأتُ في الاعتماد على نفسي كمطربة منفردة وليس ضمن كورس أو فرقة إنشادية.

- في أي عام وبأي أغنية ترى أمل خضير فيها انطلاقتها الحقيقية في عالم الغناء؟
البداية كانت في منتصف الستينات، واستمررت في تسجيل الأغاني والمشاركات في البرامج التلفزيونية والإذاعية. وفي العام 1974 كانت انطلاقتي الحقيقية من خلال مشاركتي مع الفرقة القومية للفنون الشعبية كمطربة للفرقة.
- أنتِ الأخت الشقيقة للفنانة الكبيرة سليمة خضير. هل تأثرتِ بها وبأسلوبها الفني؟ وما كان تأثير وجودها في حياتك؟.
نعم، اختي الفنانة الكبيرة سليمة خضير لها الفضل بعد الله سبحانه وتعالى. فهي من أخذت بيدي وساندتني دائماً، وكانت بمثابة الأم الروحية لي. ربي يحفظها لي.
- هل كانت لديك محاولات تمثيلية في الفن العراقي بعيداً عن الغناء؟.
نعم، كان لي مشاركات في التمثيل، لكن فقط في المسرحيات التي كانت بعيدة عن الغناء. حيث كانت تجاربي في المسرحيات التمثيلية ولم تكن ضمن المسرحيات الغنائية.
- مع أي ملحنين تعاملتِ، ومن كان له النصيب الأكبر في تلحين أغانيك؟.
تعاملت مع جميع ملحني ذاك الزمن تقريباً، وأفتخر بهم جميعاً. وأكثر من تعاونت معهم كان عباس جميل، و محمد جواد أموري، و عقيل عبد السلام .
- كم عدد المسرحيات العراقية التي شاركتِ فيها؟.
شاركت في مجموعة من المسرحيات التي بلغت تقريباً خمسة. من بينها: مسرحية “تراب”، “فوانيس”، “الكاع”، “طنطل”، و”السدرة”. كما شاركت في مسرحية للأطفال هي “علاء الدين والمصباح السحري”.
- أين تجدين أمل خضير مكانها اليوم في الغناء العراقي؟ وهل ترى أن المطرب العراقي قد طالته التهميش؟
أجد نفسي الآن، وبلا غرور، في المكان الأول في الوسط الفني الغنائي العراقي، ولا يمكن أن يُهمش المطربون الرواد والعمالقة. هم من أسسوا الفن الحقيقي، وهم الإعلام الذي يظل يضيء الفن الناصع. يا للأسف، المجتمع والأوساط الفنية الآن تتجه نحو المتاجرة بلا رقابة أو محاسبة، وهذا ما يفرغ الساحة الغنائية من الفن الأصيل. لكن في النهاية، لا يصح إلا الصحيح.
- بعد هذا المشوار الفني الطويل والمميز، ماذا تتمنين اليوم على المستوى الشخصي والفني؟ وهل تشعرين بالرضا عن نفسك؟
الحمد لله، أنا مقتنعة بما وصلت إليه على مستوى الفن. وأماني كثيرة، لكن أكبر أمنية هي تمام الصحة والعافية، وهذا أهم ما أتمناه لي ولكل الناس.
- لو عاد الزمن بأمل خضير إلى الوراء، ماذا كانت تتمنى أن تصبح غير كونها مغنية؟.
أولاً، الزمن لا يمكن أن يعود. كانت أمنياتي أن أكون مذيعة أو معلمة، لكن كل شيء بيد الله، وليس كل ما يشتهيه المرء يدركه. كما تقولون “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، أليس كذلك؟
- الفنانة الكبيرة أمل خضير، شكراً لكِ على هذا الحوار الجميل. تقبلي تحيات واحترام كل كادر الزمان لكِ.
بلغوا محبتي واحترامي الكبيرين لكل كادر جريدة “الزمان” ولكل جمهوري في العراق.























