

نجوم على خشبة المسرح
أفلول سرديات فنية في عالم العتمة – قاسم المعمار
تأتي ادوات الاستفهام التي هي جزء من اساليب الطلب اللغوية على هيئتي اسماء او حروف لها دلالاتها الذاتية الزمانية والمكانية معاً فيها اكثر من مخرج ومسرى لولوج اجابة الحدث والافصاح وبالتالي الفائدة المعرفية التوثيقية للتفاصيل والسردية لما هية الحدث الزماني والمكاني وشخوصها..
- من هذا المفهوم التعليلي المنطقي استبين ملامح فترة زمنية حالمة عشتها قرابة ربع قرن من حياتي حينما جمعتني الصدفة ان نسكن عددا من المثقفين والادباء والفنانين في حي اعلام الدورة جنوب العاصمة بغداد في ظل اجواء اجتماعية وعلاقات جيدة غنية بالوفاء والمحبة … جلسات سمر وامسيات واستذكارات تاريخية للحياة وروادها .. نجوم تلألأت محياها في ناظري ملتقطيها سمعاً وبصراً وقراءة .. تحلوا مجالستهم خطوا حياتهم حب الخير للجميع ..
- عبر هذه الاحتسابات الزمنية لتلك اللقاءات والمشاهدات اختزنت ذاكرتي الشيء الكثير من ما حفلت به من مواقف وسير واحداث جميلة أثرتُ اليوم طرحها لجيل اليوم الذي قد غاب عنه الشيء الكثير من معرفة الماضي وتلاشيه وغربته وهذه حقيقة مؤلمة وقاصرة المعرفة تتجسد في الندوات واللقاءات وحتى التعليقات والمتابعات عبر العروض التلفزيونية والاذاعية التي غابت عن هذا الموروث الخالد.
هندسة وديكورات
- في هذا الحي الجميل باطلالة هندسية وديكورات بيوته والحدائق المحيطة وشوارعه الفرعية والعامة الفسيحة قد ازداته بهاءاً وتميزاً معماريا مما اصبح محط اعجاب الزائرين .. علاقات ود وتزواج واحترام لم تعرف شيئاً من الطائفية والعنصرية حتى حصل ما حصل ما بعد سنوات من التمزق الاجتماعي والعائلي والفتنة والتهجير والدمار التي اكلت الاخضر واليابس وراح ضحيتها عشرات الابرياء من كل الاطراف المتناحرة على لا شيء .. حب الذات المبطن بالحقد لتفتيت وحدة الوطن والامة بدافع خارجي مسموم. وهذا ما احس به الجميع فيما بعد في غمرة التأسف والانقياد والطوعية العمياء للافكار السود التي سادت البلد ائنذاك عتمة داكنة انجلت اثارها بالرجوع الى احكام العقل والقلب في اطاعة الخالق جل وعلا ومحبة الرسول محمد “ص” واحترام تقاليد واعراف المجتمع .ومن اجمل ذكرياتنا لتلك الفترة الزمنية التي عشناها معاً في هذا الحي الوديع ماكنا نسعد به حكايات وطرائف وادب جم من لدن اصدقاء العمر ابناء حارتنا من ادباء وفنانين كبار تألقت نجوميتهم منذ الستينات من القرن الماضي وما تلاها منهم خليل شوقي ووجدي العاني وطالب السعد وزهير عباس وسامي السراج ورشيد اشبلي وفوزي مهدي ومالك اليعقوبي ومهدي الجيلي وعبدالجبار الحكيم ويوسف سلمان وعلي العادلي وكريم عواد صاحب النكهة والنكتة البغدادية الاصيلة والكرم اليومي المعهود حيث لم يسلم صندوق سيارته الخلفي من الفاكهة والحلويات حينما يطل على جلساتنا وامسياتنا وهو بصحبة صديقنا القصاب محمد الجبوري الدائم الحضور باكلته الشعبية الباجة وملحقاتها .
- اما شاعرنا الغريد محفوظ داود البصري دائم المفاجأة بقصائده الشعرية قبل نشهرها اعتزاز بالحضور الذين يكنون له كل حب وتقدير واستحسان عدا صديق عمره المعاند والمتصدي له الاديب محمد مهدي مبارك ففي كل قصيدة يستمكنه المبارك صياداً بـ(كزوته) الحنونة كما يصفها صديقنا الاستاذ الموسوعي شاكر المعروف ابو ابراهيم في مسودات مذكراته الجميلة .. وحين وفاة مبارك فقد الجميع صنوا وصديقا رجل العناد والتشرنق في آرائه وفلسفته الحياتية ..
حماية منطقة
- ومما استلطفه اليوم لاستذكار لهكذا في تلك الفترة وما تلاها ان ينظم ابناء المنطقة المهديات وحي الاعلام ما بعد السقوط مجاميع حماية من عبث السراق والخارجين عن القانون فكانت مدارسنا مراكز لهذه التجمعات الليلية لمواجهة اي طارئ والتي في احد ايامها شوهد شبحاً يحمل حقيبة يتخفى بين جدران المدرسة مما حدا بالجميع الى اعتماد مبدأ الانذار والمواجهة واذا بهذا الشيخ يظهر امام الاعين حاملا حقيبته وهو يصرخ (انا حماد) الكل يعرفني لكني بدون عمل ؟ كانت هذه الشخصية مختلة العقل تسبب للبعض والريبة فيخشاه ويبتعد عنه يجوب ليلاً الطرق والازقة حاملا حقيبته المزعجة وحينما طلب منه فتح الحقيبة دهش الحاضرون عندما شاهدوا مجموعة من الحصى والجمارة تملئها .
- ومن الوجوه الوسيمة الابوية الحنونة التي تألقت وجوديتها معنا صوتا وصورة ونكتة فنان الشعب الكوميدي الشعبي خليل الرفاعي ابو فارس وبصيحة صديقه استاذي المحبوب ايام التلمذة الابتدائية في مدينة طويريج نهاية الخمسينات من القرن الماضي محمد جواد اموري وهما يتشدقان بصوتهما الرخيم (ياحلو يااسمرو غنى لك السمر).. ثم ينفرد اموري بصوته الحزين نغمات عوده الجميل كي ينطلق برائعته الفراتية:
عد وانة عد ونشوف ياهو اكثر اهموم
من عمري سبع سنين وكليبي ملجوم
ولا نعرف سر هذه الاغنية اهي لوعة العشق ام لوعة الحياة . هذا الاستاذ الملحن كان يشرف على فرقتنا الانشادية في مدرستنا عام 1958-1961 . وكنا محط اعتزازه لجودة اصواتنا وحفظنا اللحن والاناشيد ..
- وهذا الحديث يذكرني بالرائع الفنان صباح السهل وحضوره المتذبذب لامسياتنا وما كان يمتعنا بصوته الجنوني الدافئ وادبه الجم وفي كثير من الاحيان كان يأخذني بسيارته الى عملي صباحاً وهو يدندن لحنا جديدا قد اعطي له بلاي وداع كانت تكمن لقاءاتنا الثلاثية بمعية صديق العمر الاعلامي كامل المالكي
- في احد الايام كان حديثنا ينصب على الطبيعة الاجتماعية لجنوب العراق وخاصة ما حظيت به مدينة الناصرية وريفها الجميل ببزوغ عشرات الفنانين والشعراء والممثلين والصحفيين والادباء اسهموا في دعم وارتقاء الحركة الفنية في العراق وكان لولب هذا المحور وتفاصيله الفنان وجدي العاني كونه عاش ردحاً من زمن شبابه في هذه المدينة بمعية والده ضابط شرطة المتصرفية ائنذاك (المحافظة حالياً) فهو العارفة بكل شاردة وواردة ويتعجب لحب اهلها وعاداتهم وله ذكريات جميلة هنالك ..
- مرة حدثت صدفة زادتني ثقة بنفسي وانا اتحدث مع الفنان الكبير خليل شوقي حول مسألة فنية متناقضة شغلت بالي اريد الافصاح عنها تكررت اكثر من مرة في المسلسل الخالد الذئب وعيون المدينة خاصة في الملبس و الاكسسوارات تحديدها كان فيه شيء في وقتها من دقة الملاحظة قال انا اشكرك . ما دمت دائم الحضور والملاحظة . هذه علامات وردية ستكون في مستقبلك الاعلامي كان هذا الفنان الكبير يحل ضيفاً كريما عزيزا على ابناء مناطق المهديات في مناسباتهم الافراح والاتراح بزيه العربي الاصيل الكوفية والعقال والعباءة وبصحبة مجموعة من الاصدقاء .
- وفي مرة قرأ لي الشاعر الصديق محفوظ داود البصري ابيات من احدى قصائده غير المنشودة والتي لم اعرف مصيرها بعد وفاته يبدأها ..
قصائد قصائد قصائد
مصائب مصائب مصائب
- سير ذاتية –
- لا يستطيع احد ان يجد الفنان وجدي العاني انفراديا دون تألق زوجته الفنانة هناء عبدالقادر معه دائماً في التبضع في اسواق المنطقة .
- الفنان كريم عواد لم يكن له خلفة طيلة حياته الا انه تميز بالوفاء لزوجته دون غيرها .
- الفنان زهير عباس توفي فجأة بالسكتة القلبية وهو يمسك سلم الطائرة لتأدية الحج لبيت الله الحرام في مطار بغداد الدولي .
- توفي الفنان سامي السراج في الاردن بعد معاناته من مرض عضال في احد مستشفيات العاصمة عمان .
- الفنان الماكيير علي العادلي قرر ختام حياته ان يقيم مع زوجته ام فراس اليابانية وبناته في اليابان وكان له ما اراد .
- من مداعبات الفنان الدكتور طالب عبدالحسن فرحان تعمده الغياب عن الحضور وقلة مشاهدته الا انه فاجئنا بعد فترة زمنية حصوله بتميز شهادة الدكتوراه وهو المخرج المتخصص بالبرامج والاعمال الدينية في التلفزيون والاذاعة وهو اول من اوجد الاعلام الديني …
- نجوم اعلامية هي الاخرى كنا نعاتب قلة حضورهم العزيز على الجميع فهم الصحفي اللامع عبدالرسول عبد الحسين والمصورين البارعين منذر جميل وقاسم عباس والمذيعين الدكتور خيري صالح ومقداد مراد وغازي فيصل وعامر رشيد ونضال سالم ويوسف سلمان واخرين من سكنة هذا الحي الاعلامي الا بمناسبات الافراح والاتراح .. ما زالت بذور المحبة والوفاء والدموع تنهمر حين اللقاء …
حلاوة الصباح
ما زال ذاك الصباح الباكر المزهو بحفر اسس بيوتنا الجديدة في هذا الحي مقرونا بقفشات فناننا فوزي مهدي تنهال على الادبية المبدعة (باسمة الشوك ام قصيد ) وهي تقود سيارتها ” الفوكس واكن ” ونحن الثلاثة متجهين صوب الدورة فلقد شهدت هذه العربة منا الكثير من المناقب المضحكة منها وضع السبع عيون والسبح وقطع القماش الاخضر والحرز والادعية الواقية للسحر والعين مقابل تبجحاتام قصيد بأن ( ركتها ) محروسة من السحر والحسد وهي تضحك قائلة ( ترة الدنيا ماتسو بدون هذه العنتكية الما تعجبكم ) وحينما وصلنا مواقع العمل اطل علينا شرطي من تنفيذ البياع وهو لدائرة التنفيذ لاستلام بدلات ايجار اراضيهم طيلة استثماها من قبل الشركة الاجنبية المقيمة عليها .. وقد سد هذا المبلغ الخلة وحاجات كثيرة لانجاز البناء …
– كنا في بعد شاسع عن الادب الاوربي ولكن المترجم الاسباني القدير عبدالجبار الحكيم ينفرد لنا بين الحين والاخر بحلة قشيبة من ترجمة الادب الاسباني وخاصة في مجال القصة والمسرحية والادب الشعبي مما قرب لنا هذا النوع من الادب بنوعية الشعري والنثري وحببه الينا .
نقطة عتاب
– ترى اين هم ابناء الفرقة القومية للسينما والمسرح و41 تموز والمسرح الحديث والحر والطليعة والعمالي والرافدين والزبانية مع بقية زملائهم فنانوا المحافظات اللائي تلألأت نجوميتهم منذ الاربعينات من القرن الماضي رغم قلة وفقر مسارحنا ووسائل الاتصال والمشاهدة .. لكن هذا الرعيل الرائع الصادق المؤمن برسالته الفنية قد حقق النجاح محليا وعربيا ودوليا نال الكثير من الاوسمة والالقاب والتكريم .. احقاً نغفل النخلة والجيران والدبخانة وايدك بالدهن والعربة والحصان وورد جوري وبيت الطين .
وسلسلة طويلة من الانتاج المتميز فنياً تأليفا واخراجاً وتمثيلاً شخوص تكتنزهم ذاكرتنا محبة واحتراماً حتى غدت العديد من المسرحيات تعرض على مدى السنة .. كنا نشاهد المسرح الجاد والمسرح التجاري (الشعبي) وكانا رافدان معاً يغذيان الاعلام بالشيء الجميل والمواقف والحلول للمشاكل الاجتماعية .. كنت احد المتابعين لمشاهدة عروضها اضافة الى المهرجانات الفنية المتنوعة في الرسم والنحت والندوات الثقافية والادبية والمعارض وقد حملت قيماً مادية ومعنوية وترسخت في عقول وقلوب الناس .. ترى املاً متفائلاً ان يؤسس متحفاً وطنياً لتلك المسيرة التراثية لمختلف الفنون الاعلامية ورموزها وروادها الذين وهبوا حياتهم من اجل اعلاء الفن العراقي الجميل ..
- ومن الجدير بالاشارة ان استذكر دور واهمية المسرح المدرسي الذي كنا نعيش اجواءه ابان الخمسينات وما تلاها من تلاشى وذهب ادراج الرياح اليوم .. ففي كل مدرسة مسرح ومشرف فني متخصص هنالك جدولة زمنية للمهرجانات المدرسية الفنية والرياضية والثقافية وما احوجنا ان نعير وتعيد هذه الرعاية التربوية والانطلاق بها من جديد كانت هذه مبعث احدى فصول احاديثنا في تل الامسيات الجميلة ..
- لايدوم الا وجه الخالق الكريم … بعد هذا الكم من سنوات الحياة يأخذ الجفاف بالزحف نحو شاطئها وتدلهم ظلمة الافتراق يوعزها البعض الى الحسد واخر الى القدر.. النتيجة التي خرجت بها مؤخرا وانا اتفحص تلك بيوتات هذا الحي الحزينة على رموزها وقد وطئت اكثريتها الغربة .. حسرات وحسرات .. تصاعدت في صدري مبعثها الشوق والحنين لتلك الاطلة والاصوات الغالية لم تبقى منها الا النزر القليل وصوت حسين نعمة يشجيني مردداً غريبة الروح .. غريبة الروح ..
- اطال الله عمر من يعيش اليوم بين ثنايا الحياة وشفي من رقد على سرير الموت البطئ ورحمته الواسعة لم توسدتهم عتمة القبور .. قدموا جل حياتهم كرما وشهامة وارتقاء لمجد وطنهم وامتهم وانسانيتهم … لابد ان يكون هنالك متحف حافل لرمزيتهم ومزار تعريفي للاجيال بهم …
بلادي وان شحت عليَّ عزيزة
- حقاً انها سرديات فنية في عالم العتمة افلت نجوميتها .. ولكن يبقى الامل مفتوح..























