أغاني طائر المنفى للشاعر المغترب صباح سعيد الزبيدي
تزاوج الثقافتين العراقية والصربية
عبد الزهرة كريم
إن النتاج الشعري الابداعي لا يمكنه أن يكون صناعة لفظية معتمدة, بل تعد فضلا عن صياغاتها المتفوقة في المجال اللغوي وسيلة تعبيرية ذات وظائف نفسية,تظهر القدرات المتميزة للمبدع وتفوقه على تشكيل مفرداته الأبداعية وتطويع اللغة التي تمتثل في ذهنه أو لسانه, وتلح على الظهور بشكل تلقائي, ليصوغها في قالب أبداعي, يخلق فيها التفاعل والتأثير في متلقيه . وهذه الصياغة الشعرية في صورتها الشعرية, هي ما تؤدي الى أعادة التوازن والأنضباط للحالة النفسية لمبدعها, والمكان هذا الفضاء المفقود الذي يعجز الشاعر المغترب في الاستقرار فيه والشعور بالآمان , وحبه لموطنه الأصلي, مما جعله مصدراً شعرياً هاماً لمرجعيته في الصورة الشعرية, وما يمثله من أشواق وحب وسعادة واستقرار نفسي للروح الهائمة في فضاء غربتها . ومحاولته للأنسلاخ من مشاعر الاحباط والمعاناة والألم والشعور بالفقد والاحساس المرهف, مما يؤدي به الى التعبير عن كل تلك العواطف والمعاناة, والتعبير عنها وعن عوالمها وتصوراتها . والشاعر طائر يحلق في كل فضاء, يرسم بريشته احاسيسه . فترقص مع الفرح وتبكي مع الحزن, هذ التأثير على المجتمع لاسيما أذا قصد الشاعر المعنى الاسمى عن طريق حسّه المرهف المطلوب . وهو ما نتلمسه عن طريق أحساسه المرهف, وسبكه في صيغته المناسبة, وبذلك يلقي في قلب القارئ التأثير المطلوب . وهذا ما نتلمسه في نصوص الزبيدي في ديوانه (أغاني طائر المنفى) , وحديثه عم مكانه الذي ولد فيه وأنحدر منه ,وأعتزازه به مهما طال الفراق وبُعدت المسافات بينهما . فصورة (ميسان) التي قدمها الشاعر (صباح سعيد الزبيدي) تلخص جزئيات المكان العراقي ، بكونها الارض الخلفية للنص ، اذ تحولت كونا شعريا يمد المكان في تجلياته المختلفة ، بمعاني الحياة والإنتماء ، وتوحدت فيه، لتدل به على الإنسان . فهو لا يقيم علاقة أمتداد جغرافي بينها وبين الذات الشاعرة ، بل هي علاقة امتداد نفسي ووجداني ، يؤكد الإنتماء اليها ، ويوحد مصيرها بمصيره . وهذا التوحد يسمو بألم الفقد والتفجع لأجل العودة الى الارض (ميسان) :
بين السنابل، وشمس الحصاد الدافئة
وبين حدائق المطر..
وقفت يا ميسان ، يا رحم الارض
تقتلعين جذور المزيفيين
تسقين جسد العالم
دماء ابطالك
ميسان، إنت بين العاصفة والموج
مثل رعد مدفون…
مثل قمر أزرق..(1)
يسترجع الشاعر المكان / ميسان من واقعة الفقد ، وبه يحول الفقد الى معنى الفناء الذي يعيد الصورة الى معادلة الارض / الحياة ( وقفت يا ميسان يا رحم الارض / تقتلعين جذور المزييفين) ، أو معادلة الارض الوجود . وبفكرة الموت يتحول الجسد ترابا ، تتقاطع به الصورة الشعرية مع مفاهيم البعث والخصب ( تسقين جسد العالم دماء ابطالك) ميسان إنت بين العاصفة والموج / مثل رعد مدفون . . ) . فمفهوم الخصب الذي تبعثه لافتة التحدي بعيون الاطفال ، يلتقي في النص بأصوله الأسطورية ، دون الإشارة الى اسطورة بعينها ، ليقول:
تحمله عيون الاطفال
لافتة للتحدي / ميسان تصاعد صوتك
خارجا من سنين الاحتضار
عبر المقابر
عبر الاسوار الموحشة
التي تفرشها مدججا بالولادة ، وازهار الاعراس ميسان.(2)
فنجد هنا للمكان والزمان حضورهما في بناء مكونات االصورة الشعرية، واضفاء جو من الواقعية والغرائبية معا. فصرخ واحتج وتحدى الزمن والمسافات، وهي في كل تأملاتها تستوحي جغرافيا شعرية ، تنسج شبكة علاقات لغوية ، تتداخل عبر مفاهيمها بين الجسد والارض والموت .ومن ثم فإن هذه الجغرافيا تقوم على لغة مكانية هي الآخرى تقوم على التحويل . اذ يتحول الجسد الى مكان ينتج المكان ، أو بالاحرى يتجه من الموت / (تصاعد صوتك / خارجا من سنين الاحتضار/ عبر المقابر ) ليتحول الموت الى عتبة مكانية ، تنقل البعد المكاني من الجسد الى الارض، وتمنح الارض والذات ، معنى آخر للوجود وللزمن وللمكان . وعندما نعدّ الموت عتبة مكانية ، فإنه ايضا عتبة زمإنية ، اذ إنه الحد الفاصل بين مكانين وزمانين معاً . فهو فاصل بين الجسد والمكان . كما هو فاصل بين الوجود واللاوجود . والصورة الشعرية ، لخصت هنا معنى للوجود الإنساني ، بوجوده في أرضه . وذلك ما يولد معنى آخر يختصر فقدان الوطن / والارض ، بانتهاء الحياة . والتمسك بها، هو تمسك بالحياة .
ويستمر الحوار الشعري في اظهار حالة البحث عن المكان المنشود ، والمفقود في الوقت نفسه . والإنتظار ، وفي مجال التوقع . فالمبدع، يبدأ بتفكيك الفضاء الى تفاصيله وجزئياته ، وهو ما يؤكد الرفض المؤسس لعملية البحث عن فضاء بديل . فيقول :
اتوقف بين المرافئ
والارصفة المهجورة /أنادي
يا ابناء الساحل والماء ، يا ابناء القمر المتموج
ثمة جزر مجروحة تهتف:
ملعون: من يدخل مملكة الصمت، ويختبئ…
ملعون، من يجلس فوق الصخر الساحلي، ويركع (3)وبعد إن سادت التناوبات في النص من صورة وصوت ومكان وزمان، والذي كان أو سيكون، حركة وثبات، وقول وفعل ورد فعل، وجد واستهزاء، وبعد سريان كل ذلك في جسد النص ينتهي المقطع في المكان ، وهو الفضاء / الحياة ، والوجود الفعلي ، ( فوق الصخر الساحلي) مثلما بدأ بهذا المكان الساحلي، وذلك ما يفسر لجوء الشاعر الى عنصر الماء/ الغائب واقعيا ، عن طريق ما يدل عليه (أنادي / يا أبناء الساحل والماء) ، ثم يلاحق صورة الماء الى ختام المشهد ، فيمزجه بالدماء(ثمة جزر مجروحة تهتف). وفي النهاية يطبق الصمت بانغلاق الفضاء وانفتاحه على صور واصوات تبقى تتجاوز قيود المكان والزمان ((حتى تلامس أوتار الذات (ذات النص والمتلقي) الصامتة لتعزف عليها ايقاعها )4)). ليشكل الشاعر بعد هذا فضاءه الشعري , ويحصل فيه حوار مع النفس، لتعميق الاحساس بالتمزق، والتناقض ، والصراع والغربة…
ويقدم الشاعر (صباح سعيد الزبيدي) سردا لحكاية متخيلة في خطابه للنهر الحزين، تقع بين فعلين حاضرين، يهيمنان على نسق النص الشعري، لكن ثمة استعارة سردية تضبط حدود الصورة الشعرية وتكمل فضاء القص خارج حدود الحكاية . يقول الشاعر :
امد يدي… واكتب اليك ايها النهر الحزين
كلما استغاثتنا…
لتكون إنت الشاهد
**
لإن الغربة قاتلة
اخبرت الريح إن تحمل إنتفاضات اليتامى
والثكالى في وطني الجريح . .
ونفتح ابواب الصمت القاتل . .
تحمل اصوات الرفض..
تطوف به سماء هذا العالم الحزين..
تحمل جوع الارض..
وتعبر لإنه سياج العصر الزائف
وعلى الرغم من وضوح لغة النص، وتكثيف صورته الشعرية الا أننا نلمح فيه جمالية التجربة، التي جمع فيها عناصر السرد، بذكاء وانتقاء، على نحو أبداعي، مما جعل من هذه الرسالة اللفظية الموجزة المكثفة، اثراً فنيا وجماليا يثير الأريحية في النفس، على الرغم مما فيها من نغمات حزن واسى لمرارة الغربة، فالراوي الشعري يفتح عين استهلاله، بتسليط كاميرة خطابه، فتركز عدسات تصويرها على يد مدت لتكتب رسالة الحزن، والاستغاثة الى ذلك النهر البعيد في جغرافيته عن البطل الشخصية المحورية، فيكون هو الشاهد على ذلك الحزن، وتلك الاستغاثة في الغربة، فعملت دينامية الافعال المضارعة المتلاحقة (اخبرت، تفتح، تحمل ، تطوف،تعبر) ذات النفس الدرامي، على اخضاع المشهد الصوري المتكون، تكونا مسرحيا، لفضاء زماني مشخص، في حدود الحيز المكاني الواسع الذي يشغله، امتداد لفضاء النص الذي تطوف به ، فأعطى تلك الصورة الشعرية في تشكيلها الحكاية السرد – شعرية،
وهي تقوم على تسريب هذا الحس من الفضاء الشعري الى فضاء التلقي، فصرخ في أذنه هذا الهتاف الذي أنهى به دائرته الزمنية:
مواكب اليتامى والثكالى تسير على ضفافك الجريحة
وتهتف :
يا دجلة..
ننتظر انتفاضتك.. / يا دجلة… / اتعبني صمتك!
فهنا الشاعر همس في ذهن المتلقي، في مقدمة النص، بأنه بعث برسالة الاستغاثة الى نهره الحزين، ومن ثم أفصح عن اسم هذا النهر، فاضاء به، فضاء الصورة، وارتسم اطارها الهندسي، المنغلق على صوت مُتعب، يصرخ صامتا من وجعه .
وفي ظل الاجواء التي تحيط بالفضاءات الفنتازية في البنية الشعرية ولشدة احتماليتها، وتنوع التأملات الفنتازيا في أبعادها والتي تفرض على المتلقي إن يستدعي في ذاكرته تلك المصادر الواقعية، ليربط بينها وبين الحالة الشعورية للشاعر، فيتقابل مع صوت الشاعر الراصد، لهذه الفضاءات ، فتكشفها عنه المشاهد السردية للصورة الشعرية وهو ما يجعل حضور المكان فضلاً عن أبعاده ومستوياته المختلفة ، حضوراً جمالياً ، يتأسس على عالم متخيل ، وكوناً شعرياً تتــــــــبادل فيه العناصر والادوار .
بل إن الجسد يتحول الى مكان خفي ، ويصبح من ضمن المكونات الجغرافية لجماليات الارض .
يقول صباح سعيد:
ارحل الى ابواب الخليج
الى الحب الساحلي المستفيق في المرافئ المجروحة
الى الرمل الدامي ، الى موج ولهب
إذ صوت النوارس
يتساقط فوق الحجر الليلي
ويحطم كل التماثيل الرملية (5)
ينطلق (صباح) بنا في رحلة الى فضائه الذي لا يحده البصر بحدود، كأنه يقول إنها رحلة العمر البحرية، في شواطئها المجروحة، وبين الوجود واللاوجود ، هو مجال بحث الذات عن عوالمها ، وفضاءاتها وهو صراع يبحث بين الظواهر ، عن وجهه وعن مرفئ يتخطى زمن الحاضر البائس الى زمن الغد الموعود ( الى الحب الساحلي المستفيق) بفضاءات ، تحقق إنسجام (الإنا) والـ(نحن) مع العــــــــالم الخارجي .
فتصوير هذه الحياة المسرودة شعريا،التي يخوض فيها صاحبها متناقضات شتى من لين، وعنف، وبراءة واثم ونعمة ومحبة، الا إن سرعان ما يعود الشاعر هنا الى التخبط بين الشك واليقين، ليقف على عتبة التحول في هذا المكان المتخلخل في ثباته ويشدد الشاعر على استمرارية الزمن الحاضر فيه ، إنه ما يزال على العتبة لم يتجاوزها :
في عتبة السور الرملي
يجلس الملح الأخرس فوق سلالم الجرح
ينام على خبز الفقراء / يرسم في ساحات الخيبة،
لوحات التراجع… / ولكن، من بين الجذور المائية / خرجت ترفع علم النقاوة وسيف النهار الاتي
هذا البحث عن (النهار/الفضاء ) يتحول الى قراءة واعية للواقع ،تميز بين عالمين، حاضر / واقع بين (عتبة السور الرملي / وساحات الخيبة) ، وغد ينتظر النبوءة ، ويحاور المتوقع (ولكن من بين الجذور المائية / خرجت ترفع على النقاوة / وسيف النهار الآتي) . وعند تأثيث النص الشعري بالعوالم الفنتازية ، يبعث النص توتر الذات الشاعرة ، والـ(نحن) عبر الجدل القائم بين عالمين متقابلين ، عالم واقعي مظاهره محدودة ، أسيرة . وهو عالم مرفوض لا ينسجم و مواقف الذات ، وطموحها (برسم لوحات التراجع) وبين عالم بديل يشكله حلم الشاعر المغترب ، لكنه غير مُمكّن حالياً، وإنما عالم مُمكّن في البعيد ، ينتظر(سيف النهار الآتي) . فدلالة الافعال( يجلس، ينام، يرسم) على استمرارية الزمن الحاضر وهو في عتبة لا طريق بعدها . اشارة الى الفقراء (في ساحات الخذلان والخسران) ليظهر النص ، عناصر الرؤيا ، إنطلاقا من مواقف الذات . وهذا التفكيك يقوم على ثنائية الحضور والغياب التي يؤسسها تعارض المواقف ، وتقابل الاشياء ، والأماكن والصور(6).
الشعر عند (صباح) لم يتخل َ عن تجربته الاحتجاجية منذ أن أطل علينا بنصوصه الأبداعية من عمر النجربة الشعرية , وكانت مرجعيته التراثية وجغرافية المكان الأصلي أي – وطنه وأرضه الأم – واضحة ومثمرة في خلق الصورة الشعرية الناطقة بفضائها الواقعي والمتخيل والذي تؤدي الى رحلة في دواخل ومكنونات النفس , والتي أحاط بها النص عبر الثنائيات اللفظية والتي تمثل رؤية المبدع للوجود وهو يخاطب الآخر (المتلقي) محدثاً الأثر المطلوب .
صباح الزيبيدي
شاعر وكاتب ومترجم واعلامي عراقي مستقل .. ولد عام 1956 في مدينة العمارة بجنوب العراق .. يكتب الشعر باللغتين العربية والصربية وترجم من العربية الى الصربية ومن الصربية الى العربية قصائد لشعراء عرب وصرب ومن جمهوريات يوغسلافيا السابقة … يعيش ويعمل في بلغراد – صربيا. يمارس مهنة الصحافة والاعلام من تاريخ 2007 كمدير لمركز ميزوبوتاميا الاعلامي في بلغراد والذي يمارس نشاطة كوكالة للصحافة.. وتم نشر تقاريره الصحفية والاعلامية ومقابلاته وحواراته مع شخصيات عديدة واخبار من صربيا في وسائل الاعلام العراقية والعربية والصربية والاجنبية.مدير مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد والذي يمارس نشاطة كناشر. حصل على عدة جوائز وشهادات تقديرية في مسابقات للشعر الصربى وفي مدن صربية عديدة كذلك تم اقامة احتفائيات عديدة له في العراق / النجف الاشرف – بيت الشعر، مدينة العمارة – ثانوية المتميزين وفي صربيا في مدن كثيرة وتم نقل هذه الاحتفائيات تلفزيونيا واجرت معه قنوات تلفزيونية في بلغراد ومدن صربية اخرى لقاءات عديدة . صدرت له مجموعة شعرية بعنوان (اغاني طائر المنفى) مؤسسة النبراس للطباعة والنشر والتوزيع في النجف الأشرف ومن منشورات طائر الفينيق / بيت الشعر في النجف الاشرف / العراق ..عام 2008. (أطياف حالمة) مجموعة شعرية صدرت يوم 09.11.2011 باللغة العربية الناشر مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد – (الرحيل )… مجموعة شعرية صدرت يوم 05.11.2012 باللغة الصربية الناشر مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد. (زهرة الاوركيد) … مجموعة شعرية صدرت يوم 11.06.2013 باللغة العربية الناشر مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.(صــلي لأجلِــنا) …
مجموعة شعرية صدرت يوم 31.07.2014 باللغة الصربية الناشر مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد. صدر يوم 02.10.2014 كتابه ” الثامن 8″ مختارات شعرية مترجمة الى اللغة العربية لشعراء من دول يوغسلافيا السابقة الناشر مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد.العنوان في صربيا / بلغراد
(1) أغاني طائر المنفى ,صباح سعيد الزبيدي ,ص 22 .
(2) ,(3) نفسه ,ص 22 – 30 .
(4)نفسه ص 29 .
(5) ديوإن اغإني طائر المنفى ، قصيدة: اصوات في خنادق الخليج)، صباح سعيد الزبيدي ,ص30 .
(6) ينظر: الرمزية والرومإنتيكية في الشعر اللبنإني، امية حمدإن، دار الرشيد – العراق ، 1981? ص45.
(7) ديوإن اغإني طائر المنفى، ص20.
(8) الإنسإنيات ( دراسات اسلوبية)، د. نهلة محمد واخرون، مجلة ايمإن البصرة ، 2007 ص127 .























