أطلس عزران البغدادي .. النص الميتاسردي في مواجهة الواقع

أطلس عزران البغدادي .. النص الميتاسردي في مواجهة الواقع

خضر عواد الخزاعي

في زمن مستقطع من فنتازيا الواقع العراقي يُسطرالروائي خضير فليح الزيدي نصه الميتاسردي الجديد “أطلس عزران البغدادي” الصادر عن دار ميزوبوتاميا نهاية العام المنصرم 2015. لا ليوثقه فقط، بل ليضع نصه في مواجهة ساخنة مع واقع طالما عُرف بخصوصياته المتباينة والملتبسة، وأفضل ما يقال عن هذا النص، إنه نص بحثي عن تاريخ الأعراق التي استوطنت بلاد الرافدين بكل انتماءاتها المتنوعة، العرقية والأثنية، أو “بحث عن قيم أصيلة في عالم متفسخ” كما يسميه تودوروف، فكل شخوص الرواية كانوا ممسوسين بهواجس الرعب، التي هيمنت على مصائرهم. مع طموحاتهم البائسة بعالم، يكون في أدنى مستويات اللاوعي، عالم “طوباوي”. وبمبضع جراح ماهر، يَستل الزيدي، الوقائع الغامضة والسرية والمُلغزة التي رافقت شخوص روايته، ضمن مشهدية، اتسمت بالانفعال والتزوير والتهميش والاصطفافات العقائدية والدينية، لما انتابها بعد نيسان 2003 .من تداول ومرجعيات، حاولت أن تُجيرها، بعد أن تُفسرها وتحللها بالطريقة التي تراها مناسبة لمصالحها الخاصة، لذلك يعتبر النص، سفراً سردياً”Ethnology”مُسنداً بالوثيقة والصورة والمعلومة الخبرية والمخابراتية. عن عيّنات من أطياف تلك الجماعات،التي زيّنت الفسيفساء العراقية، فهناك الشيعي سامر، والسنيّة نورا، واليهوديأليس رغيد حزام،والبهائي طه ترتيب. والأرمني ناجي قطانو، والمسيحية جمان، وخالها الطيارمنير روفة. والسؤال الذي يتبادر الى ذهن القارىء، بعد قراءته النص. لو إن الكاتب عَمِدَ الى فصل “التوثيق” عن النص، هل كانت الرواية ستنجح؟ في هذا النص تبدو المهمة مستحيلة، كون “التوثيق” أصبح جزءاً أصيلاً من نسيج السرد، وهذا يُحسب للروائي الزيدي بالإضافة الى ما كان يتمتع به من خيال وفطنة أهَّلاه لإدارة نص شائك ومُعقد وخطير، جمع بين الواقعية والفانتازيا، لقد منحت أسلوبية “التوثيق” التي تميّزت بها كتابات الروائي الزيدي، خصوصية مواضعة النص والمحايدة. التي جعلته في كثير من الاحيان يبدو وكأنه متفرجاً لكوميديا سوداوية مسرحية “أما أنا داعيكم فأمر التفجير هذا جعلني أذهب في اليوم التالي باحثا عن اعداد مفقودة من مجلة النوارس لمعرفة الدافع للتفجير”.

يبدأ النص برسالة موثّقة، من نورا الشخصية الرئيسية في الرواية، الى الصحفي محمد رياض الوادي، رئيس تحرير مجلة “النوارس” والتي ستكون مفتتحاً لما يليها من رسائل، بين الروائي الزيدي، كاتب النص، ونورا، تسرد من خلالها تفاصيل العلاقة التي جمعت بينها وبين سامر، خلال عملهما في منظمة”أخوان الانسانية” للعثور على آخر يهودي عالق في بغداد”أليس رغيد حزام”. وهذه السردات التي جاءت على شكل خطابات، كان لها الأثر الكبير، في تشكيل بنية النص، سواءاً على مستوى الخطاب السردي، أو التجريب، أو الحبكة، وفي خلق مستويات ومقاربات، ساعدت في استنهاض القيّم الثيميّة للنص، التي تعددت بتعدد الشخوص والأحداث، حيث جعل منها الكاتب، الثيمة الرئيسية للنص.

وبعنوان خبري بارز، وبصورة سينمائية غاية في الغرابة،”طيور السطوح الواطئة تَفزّ من أبراجها وتطير مذعورة من دون ريش” يؤسس الزيدي لأول مرتكزات النص، في توقيت “زمكاني” ناجح، كون تلك الحادثة/Theme، تحولت الى نقطة ارتكاز مهمة جاذبة في النص، تمحورت حولها غائية النص. وهيّ البحث عن المتبقين من يهود العراق، كمشروع انساني تبنته منظمة”اخوان الإنسانية” الراعية لمجلة النوارس التي استهدفها الانفجار، وإن كانت المفارقة الرئيسية في النص أن الشخص المستهدف من عملية البحث”أليس رغيد حزام” أو “عامر موسى يوسف” قد اشتغل بالايام التي سبقت مقتله، مصححا لغوياً في نفس المجلة.

اعتمدت حبكة النص على عمليات المطاردة التي يتبناها “عزران” صاحب الحضور المكثف في النصف الاول من النص، والبحث الذي يقوم به الثنائي سامر ونورا، وهاتان العمليتان تتحولان بالتدريج الى سلسلة طويلة من عمليات الكر والفر بين شخوص الرواية، عزران يطارد سامر ونورا/سامر الشيعي ونورا السنيّة، يبحثون عن اليهودي أليس/ بكر السني يطارد سامر الشيعي/ أليس اليهودي يبحث عن داود ناصرية اليهودي/ جمان الأرمنية تبحث عن خالها المسيحي منير روفة/ عزران يبحث عن أليس/ بكر مطارد من السلطة.وسط هذه الحبكات المعقدة، يمسك الزيدي بالنص، بعد أن يموضعه في وقت مبكر من السرد، حين يطلق عليه “حوض أسماك الزينة” في مقاربة شاذة، لكنها معقولة في بعض جوانبها”كنا نعيش في حوض أسماك زينة بقدر مساحة بغداد كلها”.وكانت مهمة عزران، المُطلع على أطلسية الخريطة العراقية، والشخصية الغامضة،التي ينوع الكاتب في توصيفها، في أكثر من مكان “محسوس غير ملموس”أو”الشبح المثولوجي”أو”شبح الحياة البغدادية” أن يُراقب الجميع من خلف زجاج الحوض، رغم سذاجته التي كان يترجمها من خلال “آياته الأرضية” كأنه سلطة كونية مقاربة للسلطة الإلهية العليا، وفوق سلطة الكاتب، حين يضع السارد العليم، نفسه بموضع المتوسل”بودي أن أقول له:خذ شخوص الرواية كلهم، واترك لي سامر ونورا”.

تقانيا، كانت اللغة محوراً رئيسيا من محاور النص، بما فرضته من نظمها المعرفية ومزاجيتها على القارىء، فلقد كان الزيدي حريصاً في انتاج نص مطابق لمقتضيات الواقع العراقي المتنوع، رواية “بوليفونية” متعددة الأصوات، كما يصفها باختين، وحسناً فعل، لأنه لو جعل من اللغة الفصيحة لغةً للنص، لأضاع الكثير من “روح النص”الذي كان عامل اللغة، أحد الروافد المهمة في الافصاح عن كينونة حبكاته المتباينة، فتلك المزاوجة السلسة أو مايسميه رولان بارت “هسهسة اللغة” في إشارته الى “تشكيل يوتوبيا موسيقى المعنى”. جعلت من النص وفي أكثر من مكان، وكأنه قراءات السنية لحكايات بغدادية ليست قابلة للتصديق فقط،بل للمشاركة في إعادة صياغتها، بالطريقة المناسبة للمتلقي”أغاتي حتى لو انتهت هذه الحرب، ثاني يوم من الصبح تبدأ حرب جديدة، قدرنا نموت مثل الدجاج المشوي في افران الشوارع .. شنسوي أيويه انتو- قسمة مكتوبة”أو هذه المزواجة المختزلة لمشهد العنف اليومي”سامر عفية اخاف من هذا المنظر لنخرج بسرعة ارجوك..”هذه المزاوجة استخدمها الكاتب أيضاً كوسيلة من وسائل تغريب النص، كنص تجريبي ليس للمؤلف من سلطة عليه غير سلطة السرد”عزيزي المستع …كن حذراً عزيزي الناظر”.فيما كانت مستويات الخطاب السردي تتولى مهمة تفكيك نسيج النص، بطريقة حكائية، تنوعت بين “هو” السارد العليم و”انا” المتكلم الحاضرة على لسان أكثر من شخصية، حيث تختفي المسافة بينهما بين” إذ يصفه محمد رياض الوادي” كإشارة لضمير الغائب “هو” وبين الأنا الحاضرة بقوة، للتعبير عن الآخر بمستوى آخر من الخطابة”هو غير مرسوم عندي انا شخصياً”.

وفي طروحاته “Ethnology” أفرد الروائي الزيدي فصولاً طويلة من تاريخ العراق في جانبه “تاريخ الأعراق”، لما تميّز به المجتمع العراقي من خصوصية تكويناته السكانية، وإن كانت حصة الأسد من نصيب الجالية اليهودية، أو ما يسميه أليس اليهودي”الخميرة اليهودية”كفكرة انسانية، ليس لها علاقة بإسرائيل أو الصهيونية، بما تركته من أثر عميق في البيئة العراقية، وما شابَ ذلك التاريخ. وما انتهت اليه الجالية اليهودية، وكانت الوثيقة الاخبارية التي استخدمها الزيدي في المؤتمر الذي أقامته “مؤسسة دنكور الثقافية” في لندن بحضور رئيس منظمة “اخوان الانسانية”اركان الموسوي، ونخبة من اليهود العراقيين المهاجرين. والطبقة المخملية للمجتمع الانكليزي، وعرض فلم”لاعبو كرة الطائرة”مسرحا مهما للافاضة عن هذا الحضور التاريخي المكثف والمؤثر، وما تركوه من إرث حضاري وتراثي في الحياة البغدادية، سواءا كجالية أو شخصيات موهوبة، قدمت خدماتها للعراق بدون مقابل،”كعائلة دنكور وخلاصجي، والياهو، وشماسي، ومناحيم دانييل، الذي منح بيته لإقامة الملك فيصل الاول حين مجيئه للعراق، وأسس أول ملجأ لأيتام المسلمين في العراق، ووزير المالية في أول حكومة وطنية، ساسون حسقيل. والقاضي داود سمرة، والطبيب جاكي عبود” مع تقديم بعض الخلاصات عن الطقوس اليهودية، ومعارفهم الدينية كجماعة “شومري متسفا”وهم جماعة يهودية تسعى للحفاظ على الشريعة الأصيلة لليهود، وفي مستوى سردي/حكائي ينتقل السارد الى واقعة تاريخية مهمة وخطيرة، في تاريخ العراق الحديث، وهي حادثة هروب الطيار المسيحي “منير روفا” بطائرة الميك 21 الى اسرائيل، بأسلوب سردي، تميز بالتداخل الصوتي ليمنح الحادثة الكثير من الشفافية ويخرجها من حمولاتها الايدولوجية، التي رافقتها طوال عقود من السنين، ودخول موفق لشخصية “جمان الأرمنية” ابنة ناجي قطانو، وأمها، في محاولتها اخراج والدها من العراق، ثم يليه فصل آخر مهم لمكوِّن مجتمعي ديني آخر من مكونات العراق، وهم “البهائيين” ممثلين بشخصية”طه ترتيب” الذي يكتشف أليس في وقت متأخر انه كان بهائيا مع اكتشافة للرمز البهائي 19 .خلال لعبة الدومينو، وما تَحصَّل عليه من معلومات من الصحافي محمد الوادي. بموجزات سردية، تتبعت تاريخ هذه الطائفة، بتأسيسها، ورموزها، وطقوسها. ومراكز عباداتها، وما تعرضت له هذه الشريحة الأثنية، من عمليات مطاردة وإقصاء وتقتيل.

في رواية”اطلس عزران البغدادي” كتب الروائي خضير فليح الزيدي نصاً سردياً. أراد له أن يكون، أداة لاستجلاء كينونة الحياة البغدادية، وأسرارها الغامضة. كسيمياء معادلة للحياة العراقية، بكل تنوعاتها، فاختار لها عنواناً معرفياً، حرصَ شكلياً على جعله يرتبط برمز مموه غير مُعرَّف”عزران” لكنه حاضر بكثافة في حياة البغداديين، كهاجس نفسي، أطَّر الشخصية الشخصية العراقية، بالسمات التي عرفت بها”الخوف،الشجاعة المطلقة، الثقة، الريبة، الطيبة، العناد، الانبساط، الانزواء في أقصى حدود الذاتية”ولم يكن “أطلس عزران البغدادي” إلا امتداد لأطالِس أخرى، /أطلس سامر ونورا/ أطلس أليس رغيد حزام/أطلس جمان/ أطلس ناجي قطانو/ وهي أطالِس لا تقل عنه غموضاً ومواظبة، في الكشف عن الخبايا العميقة لهذه الشخصية، التي قادت بالنهاية الى بلورة كينونتها، التي عُرفت بخصوصية مزاجيتها الجامعة،للطرافة والمرارة، وفي نص هيمنت عليه الصورة. والوثائقية ووجهات النظر المتعددة، وبلغة زاوجت بين الخطاب السردي واليومي. لامس الزيدي الواقع العراقي بعين مجهرية، وفكر ملم بحيثيات هذا الواقع، ليقدم الخلاصة، لما ينتظرنا من مصير.ونحن نقف في أحلك الساعات، لنعاين مصيرنا الذي تحدد سلفاً”حيث الجميع أنا وشخوص الرواية والبشر الماشين بصف الحائط كنا نعوم سويةً في حوض أسماك زينة كبير نسبياً بعدما وصلنا الى لحظة انسداد تاريخي مقرف للخروج من مستنقع هذا الحوض الاسن”.

“أطلس عزران البغدادي” نص تجريبي كبير، ونافذة سردية، نطل من خلالها على منجز جديد، بالتأكيد سيترك بصمته العميقة والمؤثرة، بين النتاجات المتميزة للسردية العراقية بعد 2003. كمرجعية “Bibliography”وثقت وبجرأة مراحل غامضة وخطيرة من تاريخ العراق الحديث.