أصدقاء الطوفان
د.رنا خالد
ان فهم ظاهرة التغير الاجتماعي والسياسي للشعوب يشبه الى حد كبير النظر الى مجرى الطوفان حيث ان تيار الطوفان السريع والمتدفق يزيح كل العوائق مهما تبدو خطرة او راسخة ولكن لايمكن التكهن بما يمكن للطوفان ان يغرق في طريقه. هذه المقدمة تذكرنا بتصريح السيد كوفي عنان مبعوث الامم المتحدة الخاص الى سوريا. السيد عنان اشار الى ان الربيع العربي في سوريا من الممكن ان يتحول الى طوفان سيغرق المنطقة في صراع طائفي خطير.
تصريح كوفي عنان جاء في معرض كلامه عن التناقضات الحادة بين القوى الكبرى في خصوص حل الأزمة في سوريا وبالأخص موقفي الولايات المتحدة وروسيا من الأزمة والذي انعكس سلبا على أجواء مؤتمر جنيف حول سوريا.
الواقع هو ان ما يجري صار يتجاوز قضية الربيع العربي الى انعكاسات ما يجري في المنطقة العربية على العلاقات بين القوى الكبرى التي لم تعد وسائط للحل في هذه القضايا بقدر كونها وسائط للتعقيد وهذا ما تدركه هذه القوى أكثر مما تدركه الشعوب العربية وحكوماتها. اضافة الى ذلك فان احداث الربيع العربي بدءا بتونس وانتهاءا بسوريا أثبتت ان مفاتيح الحل لم تعد بيد القوى الكبرى فحسب بل انها صارت في يد تلك القوى الإقليمية الاكثر تأثيرا على ارض الواقع حيث ان هذه القوى باتت تؤثر ماديا وفكريا على الجماهير المندفعة والمتعطشة للتغير. بل وان هذه القوى صارت مصدرا للإلهام ونموذجا للطموحات الشعبية.
نعم ايران وتركيا اليوم باتت تتصدر قائمة القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة وصار طوفان التغيير العربي ينشر الى النموذجين الإيراني والتركي في الحكم والديمقراطية اكثر من النظر الى النماذج الغربية.
عودا على ذي بدء تداخلات الصراع بين القوى الكبرى الدولية والقوى الإقليمية جعلت مهمة السيد عنان اكثر تعقيدا بل ومستقبل الحل الدولي لازمة سوريا أكثر غموض. عنان قدم مشروعه لحل الأزمة في سوريا في ست نقاط وارفق هذه الرؤيا بتوصيات كان من ابرزها اهمية إشراك ايران في حل الأزمة في سوريا. هذا الامر رفضته الولايات المتحدة جملتا وتفصيلا بل وتم استبعد ايران من مؤتمر جنيف على اعتبار ايران حليف وشريك لنظام الاسد الامر الذي انتقده عنان واعتبره تقصيرا من جانب القوى الكبرى التي تناست ان روسيا أيضاً تقدم الدعم اللوجستي للنظام السوري. من جانبها فان وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون رفضت مناقشة مقترح السيد عنان بإشراك ايران في حل الأزمة في سوريا بالمطلق بمعنى اخر الولايات المتحدة بالمفهوم الشعبي تفضل العمى على الشفاء بواسطة ايران.
القوى الكبرى تدرك ان إعطاء دور لإيران يعني ان ايران اليوم هي ليست محور الشر وليست الدولة المصدرة قائمة خارجين عن القانون الدولي، بل هي لاعب حاسم في إحلال السلام في الشرق الاوسط وباعتراف المنظمة الدولية والمجتمع الدولي. من جهتها ايران وعلى لسان سفير ايران في الامم المتحدة محمد خزائي انتقدت موقف القوى الكبرى في استبعاد ايران من مؤتمر جنيف حول سوريا وقال بانه استبعاد للاعب الوزن الثقيل في المنطقة. بل وندد بتجاهل الولايات المتحدة ثقل وتأثير ايران في المنطقة وقدرتها على أحلال السلام وإنهاء العنف فيها. اخيرا القوى الكبرى تدرك ان الطوفان العربي يبدو خطيرا في محطة سوريا. بل ويبدو ان مجراه الهادر تجاوز الحدود المتوقعة فصار لا يكتسح الأنظمة العربية الفاسدة والمتعفنة فحسب بل ان تجاوز ذلك ليتحول الى خطر يهدد بتصدع دور القوى الكبرى وثوابها بل ويحول أعدائها الى حلفاء أساسيين مشاركين في ارساء قواعد النظام الدولي الجديد الذي لطالما كان حكرا عليها. انه نفس الفعل الذي يجري في الدول العربية التي قلب الطوفان موازينها وحول أعداء الأنظمة العربية الى حكام نافذين، والمبعدين عن النظام السياسي الى لاعبين مؤثرين في اتخاذ القرار وأحداث التغيير… انه لا يمكن ان يكون ربيعا انه طوفان التغير الذي لا تنظر القوى الكبرى الى أعماقه كما هو الحال مع القوى الإقليمية الأقرب جغرافيا وديموغرافيا وهذا الامر الذي يحاول السيد عنان إيصاله الى المجتمع الدولي والقوى الكبرى. ولكن الحقيقة ان وقع الصراع الدولي في المنطقة يتجاوز النوايا الحسنة والدبلوماسية بطريقة السيد عنان انه صراع البقاء فيه لمن يناور الطوفان ويجعله حليفه….. وصديقه المخلص…. وقائده الملهم.
/7/2012 Issue 4241 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4241 التاريخ 3»7»2012
AZP07


















