أشجان السنين وقلق الشباب – عبد المحسن عباس الوائلي

أشجان السنين وقلق الشباب – عبد المحسن عباس الوائلي

قساوة السنين وأوجاعها وآلامها وغدرها وشرها ولا أقول خيرها، هي قلق يتماشى في قلبي، وهذا القلق نشأ معي فهو صديقي واعده مباركا فهو دليل … دليل إحساس فمنذ بداية شبابي أن وجد لي شباب كنت ارى نفسي أوفر حظاً لأني قلق فإن الشباب في ذاته قلق لأن كيانه عامر بالقوة التي تبحث عن مخرج وأرى الشباب المطمئن تماماً “الراضي بكل شيء” القانع بكل شيء هو في الحقيقة إنسان أدركته الشيخوخة قبل الأوان وكنت ولا زلت أرحب بهذا القلق لحاجتي إليه لذا فإنا سعيد بقلقي لأنه يدفعني لأفكر وأحلم وأتأمل فالعمر لا ينتهي حتى ينتهي الأمل فأن الكثير من الناس يعيشون كأنهم أشجار لا ثمر فيها.. ولكن لا أدري إلى أين يمضي بي هذا القلق والحق أن الأمل جميل في ذاته وجميل جداً، وأذكر هنا أن بعض النقاش دار بيني وبين صديقي المرحوم عباس العصامي حيث قال أن الأمال يجب أن تلتقي مع الواقع في نقطة ما على الطريق فأجبته بنعم، وبقيت ذكراه خالدة وها أنا أزور أولاده وبالخصوص منهم حيدر وولده الصغير عباس فيرحب بي قائلاً أبو جمال صديق جدو عباس، فتكاد الدموع تترقرق في عيني واتلعثم في الرد عليه وأقول في نفسي يا خير ولد لخير أب ويا خير حفيد لأحسن جد، هكذا هي الحياة هذا قادم وذاك ذاهب، فهذا الحديث يثير شجوني وأعود للآمال والأحلام فإذا كانت دون ضوابط فهي ضياع وأنا أشكو لنفسي من الضياع منذ البداية وبين البداية والنهاية لا بأس بالأحلام أما إذا كانت بلا بداية ولا نهاية فهذا ضياع وبين البداية المأمونة والنهاية المأمولة ليس عيباً أن أحلم ما أشاء وأعمل كما أشاء فهنا لا بأس بالأحلام فبدون الأحلام لا حقائق ولولا أن صانع السيارة والطيارة والقطار وكل الصناعات الأخرى بكل أنواعها وأشكالها وأسمائها لم يكن  لهم حلم بهذه الصناعات لما كانت هناك صناعات وعلماء الاختبار في الطب والأدوية بكل أنواعها قديمها وجديدها دون حلم ومثابرة وعمل شاق وصبر ومتابعة لما تحققت هذه القفزات السريعة وهذه النهضة العظيمة في الصناعة والزراعة والاعمار والمواصلات وكلها سخرت لخدمة البشرية أينما وجدوا دون تفريق وتمييز والمحرك لكل هذا هو القلق فالقلق هو الباعث على الحركة والمسير أنه قلق الصحة قلق الحياة، فالقلق والحلم والأمل عند الشعوب المتقدمة هو أفضل وأنبل من قلقنا وأحلامنا..!!

نجيد الكذب

 ولو سألت نفسي ماذا جنت من قلقها؟ وماذا حققت من آمالها وأحلامها..؟ فتكون الإجابة لا شيء فهم أفادوا البشرية بأفكارهم وتأملهم وأحلامهم في الطب والزراعة والصناعة وإذا عرفنا شيئاً فهو منهم.. صحيح نحن نجيد الكذب والكراهية والخداع والتخاذل في العمل وعدم الأخلاص فيه فالجاهلية لا زالت وستبقى عالقة في أذهاننا وآمالنا وأحلامنا محصورة بكسب المال والجاه والبيت الفاخر والسيارة من أجود أنواع السيارات للتباهي والاستعلاء الفارغ ناسين ومتناسين التعاون والألفة والصداقة الحقة مع العلم أن عقيدتنا تأمرنا بذلك وتحثنا عليه ولنا الأجر والثواب ومن حيث ندري أو لا ندري كأننا بلا عقيدة ولا أيمان، والذي يقرأ عقيدتنا ويستمع لأقوالنا يجلها بأعجاب شديد، ودائماً نعتقد بأننا أحسن الكل وأصدق الكل وهذه مصيبة لا يمكن الخلاص منها لأننا نعطي لأنفسنا أوزانا ثقيلة لا يمتلكها غيرنا، وهذا مرض من أشد الأمراض فعقيدتنا تدعونا لنكون أفضل الناس في العلم والثقافة والصدق والأخلاص والتضحية والإيثار ولنا فيمن سبقونا من أنبياء وأولياء أسوة حسنة فنحن بترديد الأقوال وحفظها جيدين أما تطبيقها فنحن أبعد ما نكون، قد يقول البعض ليس الكل نعم ليس الكل ولكن الأغلبية السائدة وهي الحاكمة وصاحبة القرار، أما البقية فأمرهم إلى الله فرحم الله ألأموات وأصلح الأحياء وأعانهم على طاعته وعلى عمل الخير ونظافة القلب والجسد لأن النظافة من الإيمان ولا أدري ما الذي دعاني لأكتب كل هذا؟

بائس فقير

 وهل أنا مسؤول عنه؟ أنا يائس بائس فقير منذ وعيت وعيت شيخاً كأنني كبير ألقب بالشايب وأنا في الصف الأول الابتدائي أذهب للمدرسة حافي القدمين لا أملك غير دشداشة واحدة في الصيف كله، وأخرى في الشتاء كله الوحل والطين يلوثان قدميَّ والبرد القارس يكاد ينزع جلدي وعندما أنظر لحال والدي أبكي عليه ووالدتي المريضة بالتدرن الرئوي حتى ماتت بسببه (رحمها الله) وأنا في الصف الخامس الابتدائي، لقد هدت كياني فبدأت أقرأ الكتب المحزنة لأنني حزين وأبكي مع الباكين لأريح نفسي، أما الضحك واللعب والفرح والمرح لم أعرف طعمهما كما لم أعرف طعم الأخ لعدم وجود أخ عندي كانت عندي جدة حنون، وعمات، وخالات، ولكن بغير أم، حتى علاقة خالاتي تختلف فأراهن يحببن أولاد خالاتي أكثر مني لأن أمهاتهم على قيد الحياة أشعر بالعزلة والغربة بكل معانيها، وفي ثانوية الحي ومتوسطة الكوت الشرقية كنت البس البنطلون على الدشداشة لأني لا أملك قميص، بقيت بهذا الفقر وأبي يزداد فقراً، وتزوج واحدة من أقاربنا كنت أسميها خالة في زمن حياة والدتي وبقيت أسميها نفس التسمية فهي طيبة جداً لا أذكر منها مكروها وبعد موتها تزوج أبي الثالثة وتوفي والدي (رحمه الله) عن عمر ناهز الثالثة والتسعين عاماً، وهنالك أشياء كثيرة وكبيرة مرت بي أتركها لأن ذكرها يحتاج لكتاب كبير، وها أنا جالس في بيتي المتواضع هذا وكيف حصلت عليه، وأصبح لدي منزل عشت فيه سنين طويلة فهو يحتضن بين جدرانه أفراد الأسرة ذكرياتهم تاريخهم مراحل تطورهم الزمني والاجتماعي والاقتصادي هو الذي تلاحمت لبناته بمشاعر حب صادق لكل ما هو فيه سواء كانت جماداً أو فيها تنبض الحياة، هو الدفء والأمان، هو الأسرة الجد والأب أنا والابن والحفيد بل أحفادي قل أكبادي فإنهم امتدادي الطبيعي أنهم حياتي كل ما فيها من ألم وأمل يتحلقون بي، يأنسون بي وآنس بهم يحيطون بي حتى في صلاتي يتحسسون ذاتهم من الداخل وعلى ألسنتهم حوارات وروايات يسلون أنفسهم بها وهم حول المدفأة.. الجد.. كان الرمز والجدة كانت الأمان والأب هو القدوة، كما الأم هي المثل وللجميع متسع من الوقت ليعيش مشاعر غيره ولكن أين المنزل الآن وقد تفرقت فيه الجماعات كما تفرقت فيه الأهواء وأصبح الواحد يعيش في منزله كأنما يعيش في غرفة في أحد الفنادق مستعد لتركه في أية لحظة.. ودون لحظة ندم تعيد له ذكرى كامنة في ذاته أنه ضيف في منزله كما الفندق لا توجد في أشيائه خصوصية لصاحب المنزل ما زال في أركانه وربما أضحى أكثر جمالاً وهندسة سواء في الشكل أم المحتوى، ولكن ماذا عن إنسانه الذي يعيشه؟ ماذا عن تلك الأحياء التي تشاطر بعضها قسمة غرفة وكل واحد عالم قائم بذاته لا يشارك من يشاركونه المسكن في رأي أو هوى أو مصلحة.. أو حتى كلمة حب وحنان المنزل هو الرمز الكبير الذي يعيش في داخلنا ولا نعيش في داخله بدأت قواعده تموت ببطء.. تاركه خلفها كومة من الذكريات التي تبكي حالها عن المنزل وهروب أحيائه واختم بأبيات للشاعر إبراهيم ناجي:

يا ويلتا من عمري الباقي

هذا بياض الشيب وأعجبي

أن الوفاء بضاعة كسدت

هذا سواد تحت أحداقي

من مغرب في زي أشراق

ومال صاحبها لآملاق

ويقول في قصيدة رائعة أخرى أسمها رواية

نزل الستار ففيمَ تنتظر

لم يبق إلا مقفر تعس

هو مسرح أنقض ملعبه

ورواية رويت وموجزها

عبروا بها صوراً فمذ عبروا

خلت الحياة وأقفر العمر

تعوي الذئاب به وتأتمر

لم يبق لا عين ولا أثر

صحب مضوا وأحبة هجروا

ضحك الزمان وقهقة القدر

((نعم أنها بعض من أشجان السنين)).