قراءة في رواية (هياكل خط الزوال) لمهدي علي إزبين
أسلوب مختلف لإثارة الشجن – نصوص – خليل محمد ابراهيم
من اللطيف أن يتقمص روائي دور جرو/ بطل الرواية/ في زمن كانت الحكومة تشتري الكلاب والقطط من الناس بالنقود بحجج يذكرها الروائي منها أنها تنقل الأمراض، وللناس في هذا الشراء والبيع آراء متنوعة تعبر عنها البنت/ بطلة الرواية/ التي تدافع عن الجرو، ومواقف مختلفة بعضها يمثله الأطفال الذين يطاردون الجرو ليمسكوا به ويبيعوه للحكومة، البنت وأخوها اللذان يحميان الجرو ويعملان على تربيته وما يترتب على ذلك من رفض الأب لتلك التربية ومن ثم قبولها، فكأن العائلة تمثل أنموذج الإنسان الخيّر الذي قد لا يحب شيئاً، لكنه يدافه عن حقه في الحياة التي كانت الحكومة/ في السبعينيات من القرن الماضي/ تدرب أفراداً على سلبها بوسائل مختلفة من الناس، تدربوا عليها وتربوا من خلال حرقها بوسائل مختلفة. فقد سمعنا عن ذلك الكثير ومناسب جد مناسب أن يستذكر كاتب مآسي تلك الفترة وغيرها من الفترات التي سبقتها وتلتها لأن الناس توشك أن تنساها وتتصور أن تلك الفترات كانت فترات سعد وهناء بل هي (الزمن الجميل) أو هكذا يصوّرها بعضهم.
يبدو أن الجرو ليس بطل الرواية فحسب؛ لكنه هو الراوي العليم للرواية أيضا، وهو لا يكتفي بالروي، لكنه يتحدث عما يجيش في نفسه من الرضا والخوف والهلع والأمل عبر أحداث الرواية، وهو يتحدث ابتداءً من مشهد 3 عن إطلاق نار كثيف متتابع في المدينه التي هو فيها والتي لا يسميها، يبدو أنه يريد أن يحدد سبب هذه النيران الكثيفة التي أخافته مثل الجميع، ويبدو أنها أدت في مشهد 4 الى قتل الأب والخال الأوسط، وإذا كان يحدد في مشهد 1 أواخر السبعينيات من القرن العشرين، تاريخاً لانطلاق الرواية استناداً إلى فترة تشجيع الحكومة الناس على جلب القطط والكلاب لبيعها أياها فإنه لا يبدو تاريخ واضح أو سبب لهذه النيران القاسية في المكان خصوصاً وأنه لا يحدد تطور الكلب عمرياً.في مشهد 10 يبدأ التعريف بالعائلة فيبين أن البنت هي الكبرى تحمل شهادة الهندسة وتنتظر الوظيفة؛ وهي مخطوبة لقريب لهم يشتغل ميكانيكيا في إحدى الشركات؛ تعرقل زواجهما الصعوبات المالية، فكأنه يريد أن يقول أن شهادة الفتاة لم تمنعها من قبول عامل/ زوجاً لها/، فهي ليست من عائلة طيبة فحسب بل من عائلة متحررة فكرياً كذلك.
ومع أنك تشعر بأن الكاتب/ الراوي/ يعترض على ما يجري من إطلاق نار عشوائي وقتل مجاني للإنسان؛ إلا أنه يكتشف جوانب من الأحوال المضيئة في هذا الظلام المدلهم، ففي مشهد 11 ينبه إلى أن النسوة يستجدين الخبز من الجند، صحيح أنهن كن في بيوتهن بالرغم منهن، وصحيح أن الاستجداء عيب، لكن يبدو أن بعض الجنود يسعفون بعض النسوة، وهو أمر محمود؛ مثل ما يقال عما جرى في مشهد 12 فقد سقط رضيع العائلة من مهده، فأصابه جرح، ولم يكن بمقدور الأم أن تسعفه لولا أن مسؤولاً في مجنزرة أخذه منها فعالجه في وحدة الميدان الطبية، ثم أعاده إليها سليماً معافى، ومثل هذا يبين الكاتب/ الراوي/ وإن كان حانقاً على ما يحدث إلا أنه كان موضوعياً فيما يروي، ولعله كان يرى أن العسكر مجبرون على ما يعملون، كما أن المدنيين مجبرون على ما يصيبهم، وهي لمحة إنسانية تحسب له روائياً.
وهو في مشهد 13 يذكر لمحاً بعكس صور هؤلاء العسكر، فهو ينبه إلى أنه ما يزال مع سيده وابنه القتيلين اللذين رآهما أربعة عساكر انغرزت عجلات سيارتهم في الرمال دون أن يساعدوهما، وأكثر من ذلك فهو كلب جائع بجانبه جثتان وشيء من الخبز ومع ذلك لم يمدوا إليه يداً، فعلى ماذا يدل هذا إن لم يدل على توحش العسكر وإنسانية الكلب؟!
في رقم 15 يبدو التناقض بين الناس واضحاً فالمرأتان تخافان من العسكر وضابط متوسط الرتبة يدخل البيت بلا استئذان وبلا أدب حتى يقول “الزنا بنسائكم حلال”- ص53- وهذا الضابط نقيض الجندي الذي كان قلبه مع من في الدار فكانت عينه تدمع لما يجري، لكنه/ مع ذلك/ ينفذ الأوامر؛ فيقفز سور البيت ويفتح للضابط الباب، وهو حارسه الذي يشهر رشاشاً، فهذان/ الضابط الذي يحمل المدية، والجندي الذي يشهر رشاشة/ في مواجهة امرأتين عزلاوين، وكلب خائف لا حول له وطول؛ ترى كم هم الرجال الذين عانوا معاناة هذا الكلب وهم يشعرون بعجزهم عن الدفاع عن أعراضهم؟!
و المشهد 16 يؤكد معنى هذا السؤال بل تنتهي بسؤال الكلب نفسه:”ماذا يمكن أن أفعل وفوهة السلاح مصوبة تجاهي”- ص57- في المشهدين 17-18 لعله يثير تلهف المتلقي إلى معرفة ما يحتمل حدوثه في المشهدين 14-15 حيث يبدو أنه مهّد لاغتصاب الضابط للفتاة الضحوك/ عادت/ في مشهد7 دامعة العينين متلكئة في السير، تتقيأ، هناك سر مكتوم بينها وبين أمها، ماهو هذا السر؟!
إنه السر الذي يتشوّق المتلقي لمعرفته في المشاهد التالية، وإن كان ملمحاً به وموحى في هذه الفقرات، وهو سبب تأخرهما الذي بدا في مشاهد سابقة وفرض على الأب وابنه الخروج لمعرفة أخبارهما أثناء الليل.
في المشهد19 تبدو إنسانية الأشياء، فحينما تغفو البنت بحضن أمها في وقت المساء المظلم المرعب يقوم الكلب بواجبه حيث يذهب إلى كلاب القرية مبيناً لها حاجته إليها، وتأتي الكلاب معه لتحيط بالمرأتين حماية لهما فإذا واصلتا السير كان الكلب معهما وحولهما بقية الكلاب فإذا وصلوا إلى بيت الخالة، استقبلهم الكل بفرح؛ كلب البيت وصاحبة البيت التي لم تنسَ كلب اختها بل قدمت له الطعام في منتصف الليل.
في مشهد 20 يعبر عن تصورات الزوجة تجاه زوجها وابنها اللذين ذهبا للبحث عن أمرهما، فهي لاتدري أنهما قتلا لكنها لا تدري ماذا ينتظرها كذلك، إنها المشاعر الإنسانية المعتادة بين الناس المتحابين والكاشفة عن حب الذين يشحون عن كشف أسرار محبتهم إلا في ظروف من هذا النوع، أما هذه العائلة، فواضح أنها متحابة منذ الوهلة الأولى في الرواية.
في المشهد 23 يتكشف قلق الكاتب/ الذي هو الآن يروي عن الراوي/ فأين الكلب الآن في مشهد 23 هو عند الجنازتين، وفي المشاهد السابقة هو مع المرأتين الحزينتين، ترى أين هو فعلاً؟!
في مشهد 23 يتناقض بعض الناس مع الحيوان مرة أخرى، فالعسكريان يتنازعان قضية دفن الجثتين وينتهيان إلى تركهما خوفاً على حياتهما، أما الكلب القلق، فهو حارس للجثتين يفكر في طريقة مناسبة لدفنهما، لا يدري ماذا يفعل، أيبقى معهما حارساً أم يذهب إلى المرأتين أم يترك الأمر كله ويتخلى عن هاتين المهمتين؟!
وعلى عكس العسكريين يصر على البقاء مع الجثتين والتفكير في دفنهما.
وعلى الرغم من قسوة المأساة التي يعانيها الكلب، فإنه يبدو متذكراً طريفة كان سيده يرويها عن موت كلب دفنه صاحبه خلافاً للمعتاد فلما استدعاه القاضي لمعرفة سبب هذا الفعل، أخبره بأن الكلب ثري وأنه أوصى لكل موظفيه بشيء من ثروته ولم يذكر القاضي، فيهمس القاضي في أذنه “ألم يوصِ المرحوم بشيء آخر؟!”
فيضحك الآخرون. كيف يتحول الكلب المذموم إلى شخص مرحوم؟”. ص-78- ولعله بهذه الطريفة يمهد للماسأة الكبرى، فما تُعرف المآسي الكبرى في الروايات والمسرحيات، بل في الحياة أحياناً بعد الطرائف.
في مشهد 24 يتحدث عن قضية غامضة تجري في سيارة توحي بأن في السيارة عملية تعذيب أو قتل لشخصين يلقيان خارج السيارة بإهمال، لا يبين الراوي العليم/ الكاتب أو الكلب/ من هذان الضحيتان اللذان أُلقيا من السيارة، أهما الأب وولده أم غيرهما؟!
المهم أن الكلب في مشهد 25 يروي تداعيات مأساة دفنه للولد وتعبه في ذلك وألمه لذلك مع جوعه وأنفته عن أن يأكل الخبز الذي في يد الولد المرفوعة أو رأس الدجاجة الذي تلقيه له سيدته ودفنه الرأس مع حلمه في أن يخرج جثة الولد ليأكلها، أما في المشهد26 فيقدم الكلب صورة طريفة لحديث بين الأب وابنه حول مهنة جديدة للكلب هي دفن الموتى أو مجموعة أحاديث لمّح فيها إلى ظاهرة سرقة السيارات التي تفشت في التسعينيات من القرن الماضي واستمرت وتطورت إلى سرقة أشياء أخرى كثيرة، وقد اجتهد الناس في إيجاد حلول متنوعة لمشكلة سرقة السيارات ذكر بعضها؛ لم تكن نافعة إلا فكرة ذكرها أحد المتحدثين تتمثل في أن يحرس السيارة كلب، واستعمل إتماماً لهذه الفكرة جملة فيها تورية هي “والآن أصبحت منطقتنا كلها كلابا”- ص88- فالمستوى الأول لفهم الجملة يعني أن الناس أحضرت كلاباً لحراسة السيارات، أما المستوى الثاني لفهم الجملة، فهو يؤدي إلى معنى أن أهل المنطقة المتكلم كلهم تحولوا إلى كلاب، وقد فُهمت الجملة بهذا المعنى حتى أن أحد المستمعين يسأل المتكلم:”هل أصبحت منطقتكم كلها كلابا” – ص88 – وهكذا تبدو الطرافة مقبولة ولو خطرت في الذهن في أعلى مستويات المأساة أن يكون الراوي العليم بين جنازتين عزيزتين على نفسه يحاول دفنهما ويجتهد في ذلك، لصعوبة ذلك عليه، فهو كلب وليس إنساناً، وإن كانت الإنسانية تتدفق منه بأرقى صورها لتصارع الحيوانية بأعلى صورها، فهناك تداخل واضح حيناً وخفي أحياناً بين الإنسان والكلب، فقد يترقى الكلب ليصل إلى أعلى مراقي الإنسانية حين يحاول دفن صديقيه، وقد يتسافل الإنسان في مدارك الحيوانية حتى ليعذب أخاه الإنسان أو يقتله فينظر إليه ويتركه بعدم اهتمام أو يلقيه بكل إهمال في الشارع أو على الرمال؛ ترى أي حيوانية تقبل بهذا الحال؟!
ويستمر في المشهد 27 ليقدم أنموذجاً جديداً متناقضاً بين الناس والكلاب فهو نائم ليلاً، يستيقظ على نباح الكلاب التي تحاول كشف جثة الفتى لتأكله ويحاول ردهم مشتبكاً معهم على جوعه، ويظهر له شبيه يدافع عنه وعن الجثتين ويصرف الكلاب التي يقابلها رجال السلطة الذين يقبضون على أناس أبرياء نفّذوا وصية خبيث أوصى بأن يعلق بحبل لمدة نصف ساعة إذا مات، ويموت الرجل بعد انتظار الناس لهذا لموت مدة طويلة وبمجرد أن بدأوا بتنفيذ الوصية؛ حضر أزلام السلطة واعتقلوهم بحجة أنهم يعدمون رجلاً بلا محاكمة، فيبدو خبثه وأذاه ميتاً مثل خبثه وأذاه حياً، وإذا ما ظهر كلب شبيه للكلب الرواي العليم؛ أنقذه وأنقذ الجثتين من مجموعة الكلاب التي معه، فلم يظهر من ينقذ الناس من أزلام السلطة غير المتبينة للحق.
في المشهد 28 تظهر كلاب المقابر مرتين الأولى في الفجر والكلب يحاول دفن سيده الكبير لكن الرمال توشك أن تطبق عليه والخدر يسري في أغلب جسده ويصارع الكلاب التي حضرت لنهش الجثة “إنهم كلاب المقابر المسعورة يبحثون عن الجثث لأن الموتى لا يذهبون إلى المقابر لا أحد يرسلهم في مثل هذه الظروف”- ص94- وبصراع غير متكافئ مع كلاب المقابر يخططه الكلب الحكيم: تخرجه الكلاب من الحفرة التي كان فيها ويتمكن من طردها فتنسحب دون أن تنال من جثة الميت شيئاً؟
في المرة الثانية تظهر الكلاب للجد الحي/ الذي لم نعرفه من قبل/ و المسلح بعصا تحاول الكلاب المسعورة الانقضاض عليه/ دليلاً على جوعها/ فيذبّ عن نفسه يعصاه الغليظة التي تأكل الكلاب أجزاءً منها، فينجو ولكن بصعوبة وبخدوش في جسده، ترى أيهما أقوى الجد الحي المسلح بعصا أم الجثة الهامدة الملقاة على الرمال، وبجانبها كلب يحبها؟!
وهذا أحد الأسئلة التي طرأت في ذهني وأنا أقرأ المشهد، ترى ماذا أراد أن يقول؟!
أأراد أن يقول الحب/ ولو من الكلب/ أقوى من السلاح أم أراد أن يقول أن السلاح ضروري لمقاتلة الظالمين أم أراد القولين معا؟!
في المشهد 29 تظهر العصا في يد السيد الميت قرب غروب الشمس، وتظهر كلاب أخرى أكثر شراسة؛ تختلف نوعياً عن كلاب المقابر؛ فكلاب المقابر/ على شراستها/ كلاب سوية، أما قائد هذه الزمرة من الكلاب فهو أعور، وفي زمرة الكلاب؛ كلبة عمياء أو مغمضة العينين؛ تتأبط ثعلباً، وقد نجح الكلب في حماية الميت من الكلب الأعور ومكر الثعلب الذي مع الكلبة المصاحبة لمجموعة الكلاب المنسحبة مع قائدها الذي غرس الكلب مخالبه في عينه على الرغم من دمائه النازفة من جراحه الكثيرة؛ صحيح أن ما حول عينيه متورم، وأن الدم تكثف فوق عينيه فلم يعد يرى، لكنه مازال على قيد الحياة؟
في المشهد 30 يطرح الكلب المجرّح المغمض العينين المتعب الملاصق لجسد سيده الذي نزل في القبر؛ جملة أسئلة عن الكلب الأعور والكلبة العمياء/ أو شبه العمياء/ والثعلب، ومن الذي يقود؟!
أهي الكلبة العمياء أم الثعلب؟!
وهذه الكلب الأعور؛ هل يشتغل لهما؟!
ولا يجد إجابة على أسئلته إلا من خلال سيده الذي يخبره بلصوصية الكلبة وربما بغائها مع الثعلب الذي يأكل أجنتها إذا حملت وهي تسرق من أهلها لتطعمه هنا أتساءل: من أهلها؟!
أهم أهلها الكلاب أم أهلها من البشر أم أهلها من الكلاب والبشر والبشر الكلاب؟!
هذه هو السؤال الذي أظن أن الكاتب أراد أن يوحي به للمتلقين، وأراد للنقاش حول أجابته أن يدور بينهم.
أغلب الكلاب/ التي تقدمت في القصة/ كانت متوحشة/ على اختلاف مستويات توحشها/ وكانت عنيفة شرسة/ على اختلاف أنواع شراستها وعنفها/ لكنها لم تكن تعمل، أما الكلاب التي ظهرت في المشهد 30 فهي مختلفة عن الكلاب السابقة، إنها عنيفة وشرسة؛ هذا صحيح، لكنها غير متوحشة، وهي/ إلى ذلك/ نافعة لأنها تعمل مع الرعاة؛ حامية للحيوانات المرعية، لكن كان هناك كلب أعور ضخم منذ الولادة/ لعله يشبه الكلب الأعور الذي حاول نهش السيد/ كان فوق سطح، وكان يستعرض عضلاته على كلاب الرعاة، لكنه لما سقط من أعلى، تناولته كلاب الرعاة وقطعت ذنبه الذي تلاعبت به القطط، فصار سخرية الساخرين من الكلاب، وصار أبتر، أهو الكلب الأعور الأبتر الذي حاول الاعتداء على السيد الميت أم هو كلب يشبهه؟!
ليس هذا مهما، فالأهم أن الكلبين قويان إذ لا يصدهما أحد، فلما صد أحدهما كلاب الرعاة؛ تخاذل وانهزم وإذا كانت كلاب الرعاة كثيرة وقوية، قد ينهزم هذا الكلب أمامها بلا خجل، فقد انهزم/ ومن ورائه/ أمام الكلب ضعيف متهالك، فالظالمون أقوياء إذ لا يقف في وجوههم أحد، أما حين يقف في وجوهه من يقف، فإنهم يصبحون سخرية الساخرين، منهزمين مخذولين، وإن ادعوا أنهم منتصرون.
وبعد أن تحدث الكلب الراوي العليم عن كل تلك الكلاب الحقيقية أو البشرية التي تخلص منها؛ بدأ الحديث عن القطط التي هي أضعف من الكلاب والتي تخاف الكلاب؛ لكنها تقوى عليها إذا وجدت فرصة مناسبة، فقد تلاعبت القطط بذنب الكلب بعد بتره، وهي تحاول أن تواجه كلباً ضعيفاً متعباً مغمض العينين، حتى إذا واجهها بيد فيها شيء من القدرة، فتبتعد روائحها في المشهد 31.
وعلى ما فيه من ألم وظلام، وافتقار إلى الضوء، فإن التداعيات لا تفارقه، إنه يتذكر حادثة حدثت له ومعه سيده الأوسط يوم كانا في حديقة البيت الذي يسكنون به، في ذلك الوقت حدثت له طريفة هي “في سكون الليل قنينة فارغة ترمى من خلف السياج، تستقر في الحديقة.. أركض نحوها أتفحصها، قنينة مصفحة لا غطاء عليها، رائحتها نفاذة فيها بقايا سائل، أمسك بعنق الزجاجة، أرفعها إلى الأعلى، فيندلق ما تبقى منها في جوفي. إنه سائل من نار، أو نار سائلة، تحرق حلقي وجوفي، أفقد السيطرة على نفسي، أترنح وأدور، لا أقوى على النباح، أنتصب واقفاً.. أتداعى وصوتي يتحشرج، ينتبه سيدي الأوسط. مابك… هل انت مريض؟ لا أستطيع أن أميّز شكله.. إنه يتأرجح؟ ماهذه القنينة؟ ثم يضحك؟ هل تتناول الخمر؟ إنه سكران وأخشى أن تكون مدمناً.. تزداد ضحكاته وهو يصفق بيديه. أصطفاق الكفين من عالم بعيد، ينبه بقايا إحساس لدي” – 105 و 106- وتستمر التداعيات في مشهد 32 حيث يتذكر منع سيده إياه من أكل قطعة لحم مسمومة القيت إلى الدار فـ”إنهم يسممون الكلاب”- ص 107- وتريه كلباً أكل من هذا اللحم فتسمم وحدث لذلك الكلب ما يحدث له وقت وقوع الحدث، وهنا يبدو كما لو كان إنساناً غريباً منفرداً “أتمنى أن يودعني أحبائي في مزق أحلامي كي أحسبها تحدث في الواقع. لا فرق عندي بين الحلم وما أعتقد أنه حقيقة” – ص108-
في المشهد 33 يقدم الكلب نفسه بين الموت والحياة، فعلى الرغم من كل الأحزان والآلام التي كابدها في حياته وكابدتها معه العائلة التي تبنته وربته؛ يقترب من الموت/ هذا صحيح/ لكنه يبدو سعيداً؛ كان يحلم بأن يكون معه أحد، أما الآن، فهو يحلم أنهم جميعاً معه ومما يتداعى في ذهنه:”سيدي يضع فمه قرب أذني المتضررة، يوشوشني ورائحته تتوضح في حواسي، هل يصحو الموتى؟”-ص111-? هذا سؤال مهم بالنسبة للجميع لكن الذين يعالجون سكرات الموت؛ يتراءى لهم كل أحبابهم، فإن الكلب يسلم الروح وهو بين أحبائه، ترى أأسلم الروح فعلاً أم لم يسلمها؟!
هذا ما لاتذكره القصة الطويلة بعض الشيء مع أنها ألمحت إلى أن الكلب يعاني من سكرات الموت سعيداً. لقد كانت أهم أدوات الكاتب الروائية/ في حدود تصوري/ روايته قصة على لسان حيوان أليف وفيّ هو الكلب الذي كان في بداية حياته/ وقبل وصوله إلى العائلة التي يروي أحداث حياته معها/ جرواً مضطهداً؛ لم يعرف الحياة الرغيدة إلا بعد تبني الأسرة الطيبة له، ومع هذه الأسرة الطيبة؛ عاش سعاداته وشقاواته كما عاشت.
لذا فهو يحسب للكاتب، كما يحسب للكاتب أن أداته الروائية الكبرى الكلب لم يكن مجرد راوٍ عليم، لكنه كان من ابطال القصة أن لم يكن بطلها الأبرز، وكان شاهداً على القصة، وإن كان من أبطالها والمجتهدين في صنع بعض أحداثها، وأغلب هذا قد تجده في أدب الحيوان العربي والإنساني، لكن أين تجد هذا الحيوان الراوي العليم؟!
فالكاتب معروف مهدي علي ازبين الذي يوشك أن ينأى بنفسه عن القصة كلياً، فراويها العليم وهو بطلها وشاهدها المشارك في أحداثها وشخصيتها الديناميكية الجرو الأليف الذي تطور حتى حتى صار كلبا محارباً من الأبطال إن لم يكن من الشهداء، ففي هذه القصة كثيراً ما تداخلت الحيوانية والإنسانية؛ تماماً كما تجادلت إنسانية الحيوان مع حيوانية الإنسان، بين الخير والشر، بين الحق والباطل، فصحيح أن الأب وابنه الأوسط قد قتلا، وصحيح أن الكلب يعالج سكرات الموت، لكن لم يتأكد من موته، كذلك لم تمت الأم ولا ابنها الكبير ولا ابنها الصغير ولا اختها ولا بنتها الطيبة المثقفة المغتصبة، لقد تفهم الجميع مشكلتها وهم يغدقون عليها من الرعاية والحنان ما تستحقه، لكن الرواي العليم تغافل عن موقف العامل الذي كان خطيباً للبنت، ما موقفه منها بعد اغتصابها؟
أقبلها/ كما ينبغي لشهم نبيل/ أم تخلى عنها كما عادة البشر الكلاب؟!
أأراد أن يقول أن الثقافة شيء إنساني، وأن الإنسانية ضعيفة، وأن الضعيف معرض لكل شيء ولاسيما الاغتصاب؟!
ثم أن التداعيات من أدوات القصة/ الرواية/ وكذلك التناقض الواضح بين الأحداث والأشياء، فكثيرا ما تظهر إنسانية الحيوان، كما تظهر حيوانية الإنسان.
كما أن الطرفة/ وسط المأساة/ أسلوب آخر من أساليب إثارة الشجن عند المتلقي ومع ذلك فلا أعتقد أنه يطلب من قصة بهذا الحجم أكثر من هذا، حيث تألق الكاتب وهو يتحدث عن مشاعر الكلب ويصف حركاته وحركات الحيوانات الأخرى، لإنه ليس مجرد كاتب ينتظر منه الكثير، إنه خبير رائع بنفسية الحيوان ناهيك عن نفسية الإنسان؛ على الرغم من أنه غير متخصص في التربية وعلم النفس، على كل حال؛ فما تقدم مجرد مفتاح من مفاتيح رموز هذه القصة الراقية التي تنتظر من يقرأها بوعي ليفهمها، وقد ينقدها إن كان من أهل النقد والأدب.
…………….
{ هياكل خط الزوال”، مهدي علي ازبين، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2009























