أسباب التميز والفوز بجائزة الابداع العربي

أسباب التميز والفوز بجائزة الابداع العربي

عليك المكوث طويلاً داخل السؤال

يوسف عبود جويعد

مخيلة سردية واسعة حرة ، تنطلق دون ان يعوق مسيرتها السردية ما يحد من وصولها الى مبتغاها ، فقد استطاع القاص حسين محمد شريف في مجموعته القصصية (عليك المكوث طويلاً داخل السؤال ) التي حصلت على جائزة الشارقة للابداع العربي –  الاصدار الاول –  الدورة 16- 2012 بالمركز الثاني في مجال القصة ، وهي من اصدارات دائرة الثقافة والاعلام –  حكومة الشارقة –  دولة الامارات العربية المتحدة –  الطبعة الاولى لعام 2013 ، اذ انه كان سخياً جداً مع المتلقي ، فقدم عالم اكبيرا وظف فيه خزائنه المعرفية الثرية ، فقد احتوت تلك المجموعة ، انواع مختلفة من التناول السردي ، السحر ، الحكاية الشعبية ، الموروث الحضاري ، الفنتازيا ، الواقعية الغرائبية ، الخيال الثر ، وقد استفاد كثيرا من حكايات الف ليلة وليلة ، وقدم لنا القصة الطويلة باساسياتها واصولها دون ان نحس بسعتها وطولها ، كونه استطاع ان يقدم هذا الخليط العجيب والغريب والجديد في نفس الوقت ، الشخصيات ، المكان ، الزمان ، الشخوص ، اسماؤهم ، المبنى السردي ، الشكل ، المضمون ، الحدث والحكايا ، كلها تنتمي الى هذا العالم المتخيل ، حتى انه اظهر الكهنة ، والتعاويذ السحرية ، وضمنها ضمن المبنى السردي ، ودخلت ضمن السياق الفني للنص وصارت جزءا منه ، رسومات مختلفة لتلك التعاويذ التي تشكل حالة مضافة الى هذا العالم ، حيث مدن تختفي ، وتظهر مدن اخرى ، وزمان يذهب ، ويبدأ زمان جديد ، وامكنة تتغير في كل حين ، وكانت اللغة متناغمة منسجمة حرة طليقة ، ممزوجة بكل مداخل السرد آنفة الذكر ، فليس من اليسير ان يحصل قاص عراقي على هذه الجائزة ان لم تكن في تلك المجموعة ما يؤهلها لنيل تلك الجائزة ، وان اجمل ما في القاص ان يقدم لمتلقيه طرح جديد لم يألفه من قبل ، اذ نجد في قصة (السيرة الذاتية لمدينة باب غادة ) والتي هي من وحي الخيال الخصب ، الذي وظف فيها القاص امكانياته السردية في جعلها خليط كبير متنوع من فضاء السرد ، كونها مدينة غائرة في القدم ، قبل ثلاثين قرناً يوم كانت نشأة المدن تبررها الحروب والسعي الدائب للاستحواذ على مقدرات الاضعف ، حي المعتقدات السائدة في ذلك الوقت ، المعبد ، الكهنة ، الحروب ، وفض بكارة كل عذراء ، والعجائب ، والغرائب ، والسحر ، واندثار الازمنة والامكنة ، والخروج من تلك الويلات ، عبر العبور حيث الويلات والحروب والكوارث الكبيرة ، والاحداث المتلاحقة التي تحبس الانفاس ، ونقف امامها بذهول تام وهي من نمط القصة الطويلة ، وقد قطع احداثها بارقام متسلسلة بدأت من 1-23 مقطعا في انتقالات تذكرنا بموروثنا الكبير من الحكايات التي دونها اجدادنا ، وكذلك من الموروث الشعبي الكبير حكايات الف ليلة وليلة ، وانه استطاع استحضار العالم الموغل بالقدم من كل جوانبه ، الامر الذي حدا بنا ان نشاركه هذا العالم دون ان نشعر بأي شيء يعوق هذا الاحساس ، وهي لم تخل من الرمزية في الطرح السردي ، وتأتي قصة ( القائم باعمال الفراغ ) وهي ايضاً قصة طويلة وعدد مقاطعها التسلسلية 19 مقطع ، ولا تختلف من حيث البناء الفني والسردي ، والثيمة ، والخطاب الادبي ، والخطاب الثقافي ، تنتمي الى ذات النهج الذي وظف فيه امكانياته السردية ، وعمق تجربته الثقافية ، وخزائنه المعرفية ، ووظف فيها الخيال السردي بشكل مدهش ، كما اود ان اشير هنا الى حالة مهمة جداً يجب ان تؤخذ في الحسبان ، وهي ان الناقد عندما يختار عملاً ابداعيا ادبياً حصل على جائزة عربية ، هذا يعني ان هذا المنجز خال من الملاحظات النقدية التي تخص اشتراطات كتابات الجنس الادبي الذي طرحه ، كونه قد تجاوز ذلك بكثير وتكون مهمة الناقد تحليل هذا للوقوف على الاسباب التي ادت الى حصوله على تلك الجائزة ، فنجد في هذه القصة الغرائبية والسحر اذ ان القائم باعمال الفراغ يعكتف لمدة سنتين من اجل فك رموز طلسم ينقذ البلاد من الخراب والويلات والكوارث التي المت به ، وقد كتب هذا الطلسم ضمن المبنى السردي كجزء مهم من هذا البناء ، وتدور احداث كبيرة وواسعة متخيلة بشكل مرن وسلس ، وبلغة تنمي هذا الخيال وتجعله متواتراً متصاعداً، مع استحضار محاور السرد التي تنتقل بين الغرائبية والسحر والفنتازيا والحكايا الشعبية ، والامر الذي يثير حفيظة التساؤل هو قدرة القاص على نسج هذا العالم المتخيل وكأنه يعيد تدوينه الينا من سجل التاريخ الموغل في القدم ، اما في قصة (اسرار الفراشة ) نحس بأننا لازلنا وسط هذا العالم ، حيث الطلسم والتعاويذ ، وانتظار الفراشات والتي يعني وجودها الفال الحسن ،

دفتر مذكرات

اما قصة

(تداعيات موت يوتا شلوزن) فقد حدثت في منتصف كانون الاول من شتاء عام 1996 ، حيث تداعيات النزول الكبير لسعر الدولار في ذلك الوقت الذي تســبب بخسارة كبيرة للتجار ، ونجد في هذه القصة المبنى السردي الواقعي ، والحدث الذي هو خارج حدود المخيلة ، وهي من القصص القصيرة ، وفي قصة (بانتظار الاحلام من يفظها ) نكون في مشفاً للامراض العقلية ، وحكاية مريضة اصيبت بالجنون ، بسب ما حدث لها ابان الحكم البائد ، اذ انها كانت تتابع عائلتها ، وعملية الاقتحام ليلاً ، وسحبهم عنوة واحد تلو الآخر ، وتلك المضايقات المقيتة المخيفة كانت سببا في اصابتها بالجنون ، ويكتشف ذلك من خلال دفتر مذكراتها الذي هو الجزء المهم في هذه القصة الى الحد الذي نتعاطف مع تلك المريضة ، ونشعر بالاسى والحزن ، لاصابتها بهذا الخلل العقلي ، وفي قصة (حين تعلم جو الاسماء كلها ) نجد تركيبة محببة من الدهشة والذعر والرهبة والمفاجأة الصادمة ، فقد حيكت احداث هذه القصة بنسيج متداخل يجعلنا نحبس انفاسنا ونحن نتابع سير احداثها السردية ، حيث نكون مع احد المصابين بالحرب وبتسعة عشر شظية وهو مواكب على الذهاب الى سوق السراي يوم الجمعة ، مهما كانت الظروف الى الحد الذي ترك فيها زوجته تعاني الام الولادة ، وظروف اشد واقسى فهو يحب ان يكون في سوق السراي يوم الجمعة وذات جمعة اشتري من رجل كهل كتاب بربع دينار ، وبعد ان استلم الكهل المبلغ غادر الى الضفة الاخرى بواسطة قارب فيحدث انفجار ، ينزعج البطل من تلك الحادثة لانه توقع نهاية هذا الكهل في الانفجار فيرمي الكتاب باقرب حاوية للنفايا الا ان صبي اشيب يظل يلاحقه حتى يصل الى المنزل ويسلمه الكتاب ويقول له يجب ان تقرأه ، ويجد في الكتاب اشياء غير متوقعة لها صلة بعنوان القصة ، في قصة (سنة تناثر النجوم) نكون مع ذلك المبنى السردي حيث الخليط الجميل ، الا انه هذه المرة ليس في عالم موغل في القدم ،بل ان الاحداث بين 1970-2012 ،حيث العالم الذي نعيشه ، مع هذا المتخيل السردي الجميل ، وفي قصة (ظلال غابريل) يقدم لنا القاص نصاً سردياً متناصاً مع كتابات الروائي الاولمبي الكبير غابرييل ، وفي قصة (مشيئة عمود النور) يقدم لنا الخاص لوناً آخر من السرد ، اذ يقدم الحدث القصصي ، ثم يقدم صفحة اخرى لهوامش القصة ، وفي قصة (روح الحمام ) نعيش واقع حياة الحمام ، ومحاولة التخلص من الحمام في المدينة ، وفي نهاية القصة يعود الحمام لبناء عشه ، وهي تميل الى القصة الرمزية التي تتضمن انساق مضمرة تقدمها القصة كنسق فني ، وفي قصة (متاهة السر) وهي من القصص الطويلة ، نعيش عالم السحر والتعاويذ ، ومحاولة فك طلاسمها ، وقد رسمت باشكال مختلفة ، ضمن سياق القصة الغريبة ، وقد كتبت على شكل مقاطع الا انها لم تكن متسلسلة بارقام ، بل انها متسلسلة بمحاولات ، وتلك الطلاسم رسمت بشكل نحس من خلالها وكأنها طلاسم وتعاويذ هي ذاتها التي نراها في كتب السحر والتعاويذ ، وفي قصة ( عليك المكوث طويلاً داخل السؤال ) التي حملت المجموعة اسمها وهي القصة الاخيرة في المجموعة ، يقدم لنا القاص صورة جديدة من فن السرد القصصي ، ويقطع الاحداث حسب اصول سير الاحداث ، وعن كل حالة ضمن سياقها السردي ، الولادة حيث تموت الام بعد ولادته ، الرضاعة حيث تموت كل من ارضعته ، البحث عن الاسم الذي استمر زهاء الشهرين ، حتى تصل امرأة طاعنة في السن فتختار له اسم محجوب ، وبعد هذا يتضح ان هذه العجوز جنية من نار ، اذ يدأ محجوب يكبر وهي تصغر حتى تزوجها ، وتتوالى الاحداث بمتعة وشوق وبناء متراص ، وهكذا وبعد ان نفرغ من مطالعة المجموعة ، نكتشف ان ما تابعناه سرد جديد وغير تقليدي ، ومليء بالاحداث التي وظف فيها القاص امكانيته الفكرية والتخيلية ، وخزينه المعرفي ليجعل منها قصص جديدة في الطرح من حيث بناءها من كل الوجوه ، أن مجموعة ( عليك المكوث طويلاً داخل السؤال) للقاص حسين محمد شريف ، طواف واسع وعميق في ثنايا السرد بسخاء كبير دون حدود ، انه فضاء مطلق حيث الوان السرد المطرزة بكل رموزها .وهذا ما جعلها تتميز وتحصل على الجـــائزة