أرضنا الخضراء عنوان حياة
طارق الجبوري
من منا لايتذكر تلك الايام الجميلة والرائعة والزاخرة بالمحبة التي كان الكثير منا يقضيها وسط البساتين وظلال اشجارها في اطراف بغداد ايام الجمع والعطل الرسمية والاعياد .. سفرات قصيرة وسريعة اعتاد ت العوائل البغدادية على القيام بها بين فترة واخرى ليلتم شمل الاهل والمعارف والاصدقاء ولتكون مناسبة ايضاً في بعض الاحيان للتعارف بين اهل الحضر والريف كما يقول الدكتور علي الوردي ، حيث كان من المعتاد توجه الناس الى المناطق الريفية والتمتع بارضها الخضراء والسباحة في جداولها حتى ولولم تربطهم علاقة معرفة سابقة بصاحب البستان فيكفي ان يتم الاستئذان من اهلها ليرحبوا بالضيوف القادمين من المدينة .. الكثير منا يتذكر تلك الايام الجميلة في الفحامة وسلمان باك او شاطئ التاجي او الطارمية واليوسفية واللطيفية وابو غريب وغيرها ووما كانت تمثله من حالة انسانية رائعة .. اراض خضر وبساتين عامرة بالخير كانت تكحل عيوننا ونحن نمر بمناطق اطراف بغداد وغيرها من المحافظات كالطريق السياحي الممتد بين الحلة وبعض محافظات الفرات الاوسط وبساتين كربلاء والبصرة وديالى مدينة البرتقال التي ما زالت تأن من جرائم الميليشيات .. تلك المناطق كانت تعبر بصمت عن نوع اخر من التشبث بالحياة فصمدت وقاومت كل الظروف القاسية واشدها الحصار الجائر آبان فترة التسعينات من القرن الماضي لتبقى تغذي وتمد المدن ببعض احتياجاتها الغذائية اضافة الى ما كانت تشعه من دفق انساني كبير عندما تستقبل الوافدين اليها من دون ان تسأل عن الهوية او المذهب او العرق فيكفي انك عراقي ليكون لك الحق لتسنم هوائها الطاهر العذب وتفترش ارضها لتحضنك خضرتها فتشم عبق الوفاء الاصيل للوطن من دون خيانة.. لانريد ان نبتعد عن جوهر الموضوع المتعلق بما آلت اليه احوال تلك المناطق بسبب زحف المباني عليها تجاوزاً لاسباب كثيرة من بينها الاهمال الكبير لها وعدم توفر المياه الكافية لادامة الحياة لها .. قبل ايام زرت احد الاصدقاء في شاطيء التاجي وهالني منظر المباني التي حلت من دون انتظام بدلاً من البساتين حتى قال الحاج احمد وهو من وجهاء المنطقة كنا نبكي عندما تتعرض بساتيننا لآفة او مرض يلم بها ولا يطيب لنا بال حتى تعود لها العافية ، ولم نكن نفرط بشبر منها غير ان الكثير من جيلنا غادروا الحياة فبدأ اولادهم واحفادهم ببيع الاراضي الزراعية طمعاً بالمال وليتوجه الى اعمال اخرى ..
استوقفتني كثيراً تلك العبارات المؤثرة للحاج احمد فاستذكرت ما كتبه الدكتور جمال حمدان في مقدمته التي ضمنها الكتاب المترجم الى العربية ” القاهرة ” من تأليف الصحفي ديزموند ستيورات التي قال فيها ( فكثير من ابناء القاهرة يذكرون ولاشك في مدى عمرهم الاف الافدنة الزراعية في شبرا والجيزة وكيف كانت طرق المواصلات والترام تمضي لاميال وسط مزارع ومشاتل الفواكه والزهور والخضراوات الكثيفة التي ظلت تتضاءل وتنكمش بالتدريج وظل بعضها يقاوم كجزر صامدة وسط بحر المباني ).. استوقفتني تلك الكلمات وما عرضه الدتور حمدان لاتمعن ببعض ما حل بالكثير من ارضنا الخضراء من ظلم من خلال تجريف الاراضي الزراعية وقتل البساتين وكل ما فيها من جمال وحياة .. يكفي للواحد منا ان يزور تلك المناطق في اطراف بغداد وغيرها ليدرك مدى ما افسده التجاوز على القانون وما يمكن ان يحصل اذا استمر الوضع سائباً من دون ضوابط تضعها امانة بغداد والمحافظات ومجالسها وتوفير اراض سكنية مناسبة للمواطنين بدلاً من توزيع اراضي وفي مناطق متميزة على المسؤولين بين فترة واخرى . الامر يتجاوز ما يعنيه ذلك من خسائر كبيرة لمصدر غذائي مهم بل يتعداه الى التأثيرات المناخية والبيئية والنفسية وغيرها .. نشعر بالاسى ونحن نشاهد كل هذا التجريف والزحف للمباني وبعشوائية على بساتين كانت والى وقت قريب عنوان حياة.. فهل نحافظ على ما بقي منها ؟انها دعوة للجهات الحكومية قبل غيرها ولمنظمات المجتمع المدني للالتفات الى هذا الامر.
حقوق ومظالم
بغض النظر عن الشعارات والمطالبات التي رفعها متظاهرو اتباع السيد محمود الصرخي في بغداد وعدد من المحافظات فان خروجها في هذا الوقت وتزامناً مع التغيير الحكومي وتسنم الدكتور حيدر العبادي لمهامه ، يدلل وبشكل واضح عن بعض الامل في امكانية اعادة الاعتبار للديمقراطية التي ضاعت ملامحها بما تعرض له المتظاهرون منذ بدايات انطلاقها الاولى في شباط من عام 2011من عمليات البطش و القمع ومحاولات تكميم الا فواه والاتهامات الجاهزة لجميع المشاركين في التظاهرات السلمية التي عمت بغداد وامتدت لتشمل كل محافظات العراق مطالبة بالحد الادنى من حقوقها بالتغيير الجذري على طريق بناء عراق ديمقر اطي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني تتسع لتشمل العيش الكريم والعدل والمساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون واحترام الحقوق والكف عن الاعتقالات العشوائية وغيرها من المطالب المشروعة .قد يبدو التفاؤل المطلق وفي هذه المرحلة المبكرة متعجلاً بعض الشيء ،ومع ذلك فان هنالك اشارات ايجابية يمكن ان نتلمسها من تصريحات وتوجهات رئاسات الجمهورية ومجلس النواب والحكومة وقادة كتل يمكن اذا ما ترجمت الى فعل ان تعيد المسارات السياسية الى الطريق الصحيح لبناء عراق ديمقراطي جديد من دون ان يعني ذلك اغفال حقنا المشروع بنقد ما نراه غير صحيح . نعترف بان ما حصل حتى الان لايرقى الى مستوى الحد الادنى من تطلعاتنا كمواطنين ،كما اننا كغيرنا من المواطنين لدينا مخاوفنا و بعض الملاحظات خاصة ما يتعلق منها باللهاث على مقاعد الوزارات الاثيرة من قبل البعض وطريقة تشكيل الحكومة بالصيغة التي تمت واستمرار مناقشات الكتل السياسية السياسية الرئيسية على وفق نفس المنطق المحاصصي السابق وعدم وجود مفهوم واضح ومحدد لما يطرح من اعادة الحياة لمشروع المصالحة الوطنية الذي ولد ميتاً لعدم قناعة بعض من تولى ملفه بمنطلقاته ، غير ان هذا على مشروعية ما فيه ينبغي ان لايجعلنا نيأس من امكانية تجاوز اخطاء المراحل السابقة والتوجه لترميم ما خرب وهو ما يتطلب بعض الصبر لانه يحتاج الى زمن وتشريعات وقرارات قد يتطلب بعضها اشهراً .. ماحصل من شرخ مجتمعي ليس بالقليل ووجود بعض الممارسات والسلوكيات الخارجة على القانون ليس بالهين ، لكن كل ذلك يدفعنا اكثر من ذي قبل لنشجع اي بادرة مهما كانت بسيطة من مجلس النواب او الحكومة او غيرهما وان نمد يد العون لكل جهد مهما كان حجمه من اجل المضي قدماً باتجاه انصاف المظلومين واحقاق الحقوق لكل ابناء شعبنا في الجنوب اوفي الشمال في الفرات الاوسط او الغربية والوسط ،وهذا لايتحقق من دون تطبيق حقيقي لمبادئ الديمقراطية بما تتضمنه من احترام الرأي والرأي الاخر واشاعة قيم التسامح والتأخي والحب بعد ان شاعت الكراهية والحقد الاعمى والانانية .. اليوم مطلوب من مجلس النواب والحكومة علاقات تكاملية مبنية على الثقة والتعاون لتشريع فوانين مهمة ظلت معطلة بسبب الصراعات السياسية ، ومطلوب من القضاء سرعة حسم ملفات الابرياء من المعتقلين والافراج عنهم وتعويض المتضررين ممن تثبت براءتهم ومحاسبة من تسبب بانتهاك حقوقهم ناهيك عن ملفات الفساد والمفسدين .. المهام كثيرة ومتشعبة وتتطلب جهداً مضاعفاً وموحداً لانجازها من اجل التوجه بقوة لدحر داعش الارهابية وتطهير مناطق العراق منهم والانطلاق نحو عمليات البناء والنهضة التي طال انتظارها .. الفرصة موجودة فلا تضيعوها غير ان المهم ان يؤمن السياسي ان العراق للجميع وبان الشعب هو الاساس وان يدعم ايمانه باحقاق الحقوق ورفع المظالم.. فمن يمتلك الشجاعة ليقول كلمة الحق من اجل الوطن ؟ هذا ما ستثبته الايام والاعمال .

















