أربيل في عيون صحفي: عاصمة الإقليم وليست قردستان
اربيل – حمدي العطار
كلما زرت مدينة اربيل يراودني احساس غريب بأنني أزور مدينة (أجنبية) وهذا الاحساس لا بد ان يكون له ما يبرره خصائص قومية ،طبيعية، الامان ، الخدمات ، اجراءات دخولنا الى اربيل ، الفيزا وأشياء أخرى تتعلق بمواقف جريئة توحي بأن اربيل لا تخضع لحكومة العراق الاتحادية ولا يمكن ان يكون هذا الاحساس بمثابة أتهام يندرج في سياق الاتهامات التاريخية المتبادلة بين العرب والكرد قديما او بين المركز والاقليم بعد المرحلة التاريخية الاولى من انسلاخ اربيل عن الكتلة الجغرافية – السياسية العراقية سنة 1991 وفرض خطوط الطول والعرض على الوجود العسكري العراقي !او حينما اصبح الانسلاخ السابق اقليما يبتعد عن الفدرالية ويقترب من كونفدرالية بعد 2003 حينما احتل الامريكان العراق وليكون اكثر أهمية في الحسابات الدولية لتغيير الخارطة الامنية بعد 10 حزيران 2014 عندما احتل داعش محافظة الموصل فسارع الكرد الى الدخول الى كركوك لسببين الاول الخشية من وقوع كركوك بيد داعش ولفرض واقع جديد على حكومة المركز بأعتبار كركوك (قدس كردستان) ،فهل يكفي كل هذا ليولد عندي الاحساس السابق على اني ازور مدينة غير عراقية ! ؟ فهل توفرت كل هذه العوامل لتجعلني احس بأنني سائح عراقي في مدينة غير عراقية تستوجب مني التعامل معها على هذا الاساس،لكن في اربيل كما في بغداد هناك مشتركات عديدة منها الرغبة بالتخلص من داعش وايجاد حلول للمشاكل السياسية والاقتصادية بين الاقليم والمركز والاشتراك بالغضب من الشاعر سعدي يوسف وقصيدته المشؤومة التي ادت الى ادانته في بغداد والبصرة وحرقت كتبه في شارع المتنبي كما تم الغاء مادة في اللغة العربية من مناهج التعليم في كردستان تخص سيرة حياة وقصائد الشاعر والحديث في اربيل لا ينقطع عن قصيدة سعدي يوسف (عراق العجم وقردستان).
عاصمة للسياحة العربية
أحساسي السابق لا يمنع وجود الارتباط العضوي غير القابل للانفصال بين الشعبين الكردي والعربي الذي أعتقد يربطهم بالاضافة الى التاريخ المشترك (الماضي) فهناك المصير المشترك (المستقبل) ويخطئ من يعتقد بأن ضعف حكومة العراق المركزية يصب في صالح الاقليم ويتوهم من يريد ان يسلب من الكرد حقوقهم القومية السياسية والاقتصادية والثقافية، لذلك نحن نرى النجاح لا يتحقق الا بتفوق المركز والاقليم على واقعهم الصعب وتجاوز التوترات والخلافات ليكون التفاهم والانسجام طابع العلاقة بينهما،ويمكن عد شعار الحزب الشيوعي العراقي الخاص بكردستان عبر التاريخ دليلا على الارتباط العضوي الذي اشرنا اليه حيث يدعو الشعار الى (ديمقراطية في العراق والحكم الذاتي في كردستان) وقد يعتقد البعض بأن هذا الشعار اصبح (اكسباير) ومصطلح الحكم الذاتي قد تم تجاوزه واقعيا والكرد اليوم لا يبحثون عن صيغة حكم اداري يوفر لهم الخصوصية بقدر ما يطمحون الى الاستقلالية السياسية في المواقف والمكاسب الاقتصادية في مجال النفط والموازنة والكهرباء وباقي الخدمات والحياة الثقافية القومية التي تعزز احياء التراث التاريخي لدولة مهاباد الكردستانية، اما المركز الذي يعاني من صعوبة في تطبيق مفهوم الديمقراطية لتكون الانتخابات هي المفصل الوحيد للتغيير والمقارنة بين النظام الدكتاتوري والنظام السياسي الحالي متجاهلين مخاطر المحاصصة الطائفية والحزبية ومشاكل انتشار الفساد المالي والاداري وصعوبات التعامل مع المحافظات الغربية !كل هذه المدخلات تجعل التغيير السياسي ليس له معنى الديمقراطية طالما المواطن العادي يعاني من فقدان الامن والخدمات والعيش بكرامة واستقرار،وطالما الواقع يفرض نفسه فعلينا التعامل على هذا الاساس! في اجتماع وزراء السياحة العرب تنافست اربعة مدن على لقب (عاصمة السياحة العربية) لعام 2014 والمدن هي (الطائف السعودية – الشارقة الامارتية – بيروت اللبنانية – واربيل العراقية) ومن المعروف هناك مواصفات ومعايير يتم تطبيقها لأختيار اي مدينة لتكون عاصمة للسياحة وهذه المعايير قسم منها ذات طابع سياسي وأمني،وأخرى تتعلق بالخصائص الطبيعية ،وثالثة تخص البنى التحتية ،واخيرا النشاطات الثقافية ، كانت المنافسة بعد عدة جولات من المناقشة قد انحصرت بين بيروت واربيل والكفة اخيرا ترجح اربيل لتكون عاصمة للسياحة العربية،وهذا شيء مفرح ان تعد الدول العربية اربيل مدينة متطورة ومتقدمة من الناحية الأمنية والاقتصادية والسياحية في اجتماع يضم 22 دولة عربية فهو اعتراف عربي اقليمي بأهمية اربيل وعلى جميع العراقيين ان يشعروا بالفخر لهذا الاختيار.
نشاطات عاصمة سياحية
الفوز بهذا الامتياز لا يعني شيئا اذا لم توف العاصمة السياحية بألتزاماتها تجاه اللجنة المشرفة على هذا المجال ،لذلك فرض على اربيل ان تقيم العديد من المهرجانات والمعارض الدولية في جميع المجالات الاقتصادية والثقافية فكان هناك معرض الكتاب الدولي وسباق المارثون الدولي واختيار ملكة جمال كوردستان حيث استطاعت اربيل ان تحتضن 35 نشاطا من مجموع 100 مشروع مخطط القيام به من ضمنها مهرجان التزلج على الجليد في جبال كردستان ،وهذا يحسب لها برغم من عدم وجود تغطية اعلامية مناسبة لهذه النشاطات والكرد كمسؤولين يعترفون بهذا النقص حيث يصرح الكثير منهم بأن (الاعلام لديهم غير متكامل او اعلام ضيق ذو فكر سياسي وحزبي مسيطر عليه) وبدلا من انجاز النشاطات الاقتصادية والرياضية والثقافية انشغلت محافظة اربيل بتكثيف الجهود لأستقبال المهجرين والنازحين من محافظة نينوى وباقي المدن العراقية !
القرية اصبحت عاصمتين
يكرر علينا اصدقاؤنا الكرد مقولة الكاتب حسن العلوي أن اربيل كانت قرية واصبحت عاصمة وبغداد كانت عاصمة وأصبحت قرية ،وبرغم من تحفظنا على هذه المقولة لكننا نشعر بالفرح حينما تكون احدى المدن العراقية عاصمة كما هي اربيل عاصمة اقليم كردستان بل هي عاصمتان لأنها ايضا عاصمة السياحة العربية ولا يجوز حينما نريد ان نمدح اربيل يكون ذلك على حساب اهم مدينة في التاريخ وعاصمة العالم في مراحل تاريخية متنوعة وهي بغداد ، وهذا ما اوقعني في اشكال مع احد اصدقائي الكرد حينما نشرت في الفيسبوك عبارة اربيل تغتسل بالمطر ولاحظت بأن الامطار تتجمع وليس هناك تصريف مقبول للمجاري بالاضافة الى وجود نقص بالبنى التحتية فلا توجد مثلا مآرب لوقوف السيارات امام العمارات الشاهقة فقلت (اعمار اربيل فوق الأرض) شعر صديقي بالغضب واخذ يعاتبني على هذا القول ويدافع عن الانجازات في اربيل في مجالات الاسكان والكهرباء والامن والمولات والحدائق والتعليم والصحة وبنفس الوقت يشن هجوما على مدن العراق ويتهمها بالتخلف وغياب الاعمار والخدمات ،وانا اتفق معه فبسبب الارهاب وعدم توفر الامن وغياب الاستقرار السياسي وتفشي الفساد المالي والاداري وصلت المدن العراقية الى ما هي عليه ولكنني تساءلت الا يوجد فساد ومفسدون في اقليم كردستان؟! الاجابة على هذا التساؤل يمكن قراءتها في عيون المواطن الكردي البسيط الذي لا يزال يعاني من التفاوت الطبقي والفقر وانحسار فرص العمل المناسبة للعيش الكريم ،نحن نتمنى ان يكون الصراع بين الاقليم والمركز يؤدي الى انهاء الفقر والعوز لجميع المواطنين الكرد والا يكون هذا التحسن على حساب الفقراء في باقي المدن العراقية !واذا لم ينعكس نتائج هذا الصراع على حياة المواطن الكردي البسيط وهناك تشابه بين الفقراء اينما كانوا فهناك خلل في توزيع الثروات في الاقليم ! وقد يفسر لنا البعض بأن المشاكل المالية بين الاقليم والمركز هي السبب بعدم صرف الرواتب او ظروف دخول البيشمركة لمحاربة داعش هي سبب آخر لوقف بعض مشاريع الاعمار وتنشيط الحركة الاقتصادية وهذه كلها امور يمكن استيعابها وعلى الاقليم تبني اساليب متطورة في الادارة الحديثة والابتعاد عن البيروقراطية ،فنحن نركب سيارة اجرة كان سائقها من قوات البيشمركة يشتكي من عدم استلام رواتبه لعدة اشهر وهو مصاب في احدى المعارك مع عصابات داعش ، قلت له بأن الحكومة المركزية قد اعطت الاقليم 500 مليون دولار فلماذا لم تستلمون رواتبكم ؟ أجابني لم اقبـــــض حتى الان اي دينار! ويبدو ان الامـــــــوال تستغرق وقـــــــتا طــــــويلا حتى تصـــــــل الى مستحقيها.
قلعة اربيل ومقهى المثقفين
مما لا شك فيه بأن عدد السياح الى اربيل قد ازداد كثيرا والدليل بأن في اليوم الذي كنا نسافر الى اربيل كانت هناك ثلاث طائرات عملاقة كل طائرة تقل 500 راكب،والاحصائيات تشير الى ان عدد السياح سنة 2009 كان 100 الف سائح بينما في سنة 2014 كان عدد السياح 2 مليون سائح وكذلك ازداد عدد الفنادق من 15 فندقا الى 200 فندق في اربيل ،واهم ما موجود في اربيل هي الشلالات في فصل الصيف اما في فصل الشتاء فيستطيع السائح ان يمارس السياحة الثقافية والتبضع من المولات المتعددة، وبخصوص السياحة الثقافية فهناك اهم معلم اثري هو قلعة اربيل التاريخية ويظهر شاخصا باب القلعة الذي يسمى (باب القشلة) وقد بناه المعماري اسماعيل سنة 1860 وكذلك صمم هذا المعماري فيلا الملا افندي والشيخ جميل،ويذكر ان القلعة مسكونة عبر المراحل التاريخية وتعد القلعة تلا غير اصطناعي وتسميتها تل المدن السبعة ويقصد بها السبع حضارات التي مرت على اربيل وهي (الآشوريون- البارتيون- السلوقيون- الساسانيون- العرب- العثمانيون) في اسفل القلعة وامام نافورت واحواض الماء وبمقابل السوق توجد مقهى تسمى (مقهى المثقفين) وانت تجلس في هذه المقهى لا بد ان تتعرف على احد الكتاب او الصحفيين او السياسيين وبرغم من معدل اعمار رواد المقهى من كبار السن لكن هناك شباب يحاول الاحتكاك بهذه الاجيال التي تعد مكتبات متنقلة لطول الخبرة وسعة الاطلاع.، وغير بعيد عن القلعة كانت لنا زيارة لأحد المتاحف المتخصصةفي اربيل. وينبغي تجاوز خروقات الحجز في الخطوط الجوية بين اربيل وبغداد ففي رحلة العودة الى بغداد كان بعض الركاب يشتكون من عدم صعودهم الطائرة برغم حجزهم المسبق بداعي انه قد تم حجز مقاعد اكثر من المتوفر والجميع يعلم بأن السبب هو المفاضلة بين الركاب ليأخذ مسافر مقعد ليس من أستحقاقه لنفوذه السياسي او الاجتماعي! كما يجب على القائمين على القطاع السياحي عدم الاستسلام للظروف الطارئة وبذل كل الجهود لترسيخ اربيل عاصمة سياحية مميزة من خلال ما توفره من راحة ورفاهية وسياحة ثقافية للسائحين وهذا لا يتم الا بالاستفادة من تجارب المدن السياحية في العالم والاستعانة بشركات متخصصة بأدارة التسويق السياحي وعدم الاعتماد على سوء الحال في بغداد والمدن العراقية الاخرى لتكون كردستان قبلتهم مهما كانت النواقص والســلبيات.



















