أدباء يروون لـ الزمان تفاصيل عايشوها مع الشاعر الراحل
سركون بولص.. عاصفة الحضور الشعري تغلب صمت الغياب
عدنان أبو زيد
خمس سنوات مضت على رحيل سركون بولص، الشاعر العراقي الذي يعتبر من ألشعراء العراقيين والعرب، الذين اشاروا جدلاً حول تجربتهم اذ ارتبط اسمه بالحداثة، والمنفى بعدما اضطرته الظروف الصعبة التي عاشها العراق إلى مغادرة البلاد بحثا عن الحرية في الابداع. وبولص العراقي الآشوري الذي انتمى إلى جماعة كركوك، كان شاعرا حداثيا كتب قصيدة النثر متأثراً ببعض القصائد التراثية كالتي كتبها عمر بن ابي ربيعة أو أبي فراس الحمداني، كما كان مفرطا في الخيال حينما زار بيروت وكتب وترجم في مجلاتها الثقافية، لكنه ذهب بعيدا وراء طموحاته فسافر إلى أمريكاً حيث التقى الكثير من أعضاء جيل الصرخة مثل غينسبرغ، جاك كيرواك، غريغوري كورسو، بوب كوفمن، لورنس فيرلينغيتي، غاري سنايدر وغيرهم.
وبهذه المناسبة احتفل الكثير من شعراء العراق والعرب بذكرى رحيل الشاعر، ونشرت بهذه المناسبة مجلة الشعر كما ينبغي على فيسبوك مجموعة من قصائده مرفقة بمقالات ودراسات عن الشاعر من قبل مهتمين بشعره.
كما اصدرت منشورات الجمل في الذكرى الخامسة لرحيله ترجمات عدة بتوقيعه كان الشاعر قد أنجزها خلال فترات متباعدة ونشر أغلبها في الصحف والمجلات. من بينها ترجمات حررها الروائي العراقي سنان أنطون، وهي للشاعر الأميركي و. س. ميروين والإنكليزي الأمريكي و. هـ. أودن.
عواء
ومن القصائد المترجمة قصيدة عواء لآلن غينسبرغ التي تعتبر فتحاً في الشعر من حيث التقنية الصوتية، وتحمل في طياتها من بعض المواقف النارية والهجومية ضد النظام الرأسمالي والحرب.
وكان سركون بولص قد عمل على إنجاز هذه الترجمات ككتب كاملة أو مختارات، غير أنه لم يفلح في إكمالها، وحتى بعض هذه المختارات التي تبدو كاملة ورغم نشر أغلبها في المجلات والجرائد، أعاد الشاعر الاشتغال على بعضها حتى الأخير.
يقول الاديب والناقد عبدالله ابراهيم في حوار له مع الزمان انه لطالما وجدت ان سركون بولص الشاعر المتفرد في مدونة الشعر العراقي الحديث، فهو نجمه البارق الذي ظل مشعا في غرب العالم طوال أربعين عاما وقد غمر نوره الجزء الشرقي. لم يكتب شيئا مهما عن منفاه الأميركي إنما ظل مشدودا الى منبعه الشرقي، وبخاصة العراق .
واردف قائلا فهو متميز بين أقرانه من جامعة كركوك لكنه الأكثر تمييزا بين شعراء الحداثة العرب .
واضاف ابراهيم لغته صافية، وخياله ابتكاري، ورؤيته للعالم شاملة، وبمقدار ماكان شاعرا فقد كان قاصا ومترجما .
ويختتم ابراهيم حديثه بالقول قد أنجز وعده المبكر في اين يكون شاعرا مميزا .
ويلفت الشاعر العراقي الحداثي باسم فرات في حوار له مع الزمان لاول مرة
الى لحظات جمعته بالشاعر، فيقول تحدثنا مراراً عن سركون بولص وفي أمور شتىً، لكني اليوم سوف أتحدث عن فهم سركون بولص الذي تعلمت منه شفاهياً حب العروبة كهوية ثقافية تكمن عظمتها في في مئات الآلاف ممن أبدعوا فيها واثروها وهم لم ينتموا لأسطورة عدنان وقحطان، أو للعروبة عرقياً.
ويتابع باسم القول إذا كنت قد تعلمت من المفكر جورج طرابيشي ثراء وعظمة هذه الهوية من خلال موسوعته نقد العقل العربي ، فيبقى صاحب هذه الموسوعة عربياً، بينما سركون بولص الذي طالما أشاد بالعربية ونحن نتواصل هاتفياً، ينتمي لغير هذه الأرومة بل إنه مع الشاعرين الكبيرين صلاح فائق وجليل حيدر أجدهم من أكثر الشعراء قرباً إلى ذائقتي والثلاثة ينتمون إلى تلك الفئات الجميلة التي طالما رفدت ثقافتنا العربية بمواهب عملاقة ولكن التطرف القومي العروبي أعمى بصيرة القائمين على البلاد فكان العنف السلطوي وكأنه الكرم العربي لمن أحسن وأثرى العروبة، هذه العروبة التي أعشق ثراءها بفضل سركون بولص وصلاح فائق وجليل حيدر وسواهم المئات إن لم يكن الآلاف في حاضرنا هذا هم امتداد للجيل المؤسس جيل الحداثة الذي يتصدره الزهاوي والرصافي الكرديين ومئات السريان واليهود والأرمن والتركمان والشبك وسواهم، مثلما الجميع هم امتداد لتلك الكوكبة من عباقرة الحضارة العربية الإسلامية كسيبويه والبخاري والفارابي والقاضي عبد الجبار وابن سينا .
تجربة مع الشاعر
ويتسائل فرات في حديثه الى الزمان وهل يبقى من الحضارة العربية الاسلامية الشيء الكثير لو حذفنا غير المنتمين للعروبة عرقياً؟. سركون بولص كان يعشق العربية فلم أسمع منه طوال أحاديثنا الهاتفية التي تكررت كثيراً مفردة اجنبية واحدة حتى كلمة أوكي التي صارت على لسان غالبية أدباء العروبة عرقياً لم ينطق بها يوماً.
ويزيد باسم فرات في القول أن تفهم العروبة على أنها هوية شكلتها وأثرتها وزينتها مواهب خلاقة لعشرات القوميات التي تمتد على مساحات شاسعة من آسيا وأفريقية وبعض مناطق أوربا، يعني أنك تنتمي لكل هذه القوميات الجميلة والمدهشة والمبدعة. شكراً لسركون بولص الذي ترك شعره وصوته أثراً في روحي كما تركت آراؤه .
ويروي الشاعر والكاتب هادي الحسيني المقيم في أوسلو والذي التقى الشاعر بولص مرات عديدة في حديثه الى الزمان انه برحيل الشاعر العراقي الكبير سركون بولص يكون المشهد الشعري العراقي خاصة والعربي عامة قد فقد واحدا من عمالقة قصيدة النثر ومن المجددين الذين استطاعوا ان ينقلوا الذائقة العربية وبمهارة قلّ نظيرها من القصيدة الكلاسيكية الى قصيدة النثر. فيما تجاوز سركون بولص في قصيدته الكثير من أقرانه ومجايليه والذين سبقوه، واستطاع بولص منذ بداياته الاولى ان يتسلل خلسة الى قلب المتلقي وان يحدث أنفلاقاً شعرياً داخل القصيدة الحديثة في عقد الستينيات، الامر الذي أنتبهت اليه الشعرية العربية برمتها قبيل ان يغادر وطنه العراق في أواخر العقد الستيني من القرن الماضي، كما وينطبق فعل الانفلاق الشعري إذا جاز لنا تسميته على الشاعر حسب الشيخ جعفر في تلك الفترة الذهبية ايضاً عبر القصيدة المدورة التي ابدع فيها ايما ابداع .
وزاد في القول لم يكن سركون بولص يوماً من الايام يحب الاضواء والاحتفاء به كبقية الشعراء غير انه ضل مواظباً على كتابة القصيدة وتطورها بطريقة المثقف البارع والشاعر المجدد الذي كلما كتب قصيدة جديدة أبدع في تكوينها وتجسيد ملامح صورها البارعة، الامر الذي جعله يتأنى كثيراً حتى يصدر مجموعته الاولى الوصول الى مدينة أين في عام 1985، لقد ظل سركون بولص اكثر من عقدين من الزمان وهو يجرب ويجدد في قصيدة النثر حتى رسى على الصورة الواضحة تماماً بعد قراءات واشواط طويلة في معترك المعرفة الشعرية، فهو يمتلك ثقافة واسعة ذات مناخات مختلفة أهلته لان يصنع قصيدة مغايرة عاكسة لمرآة الشعر الحقيقي والذي من خلاله استطاع بولص ان يأتينا بخلاصة الشعر من اعماق البحر، ومن أبعد كوكب في السماء، ومن زوايا درابين المدن المنسية، ومن الارصفة وشوارعها، ومن الغابات وأشجارها صاحبة الظل العالي، ومن الحزن العميق والفرح البائس الذي لم يعرفه العراقي يوماً، ومن الحروب وويلاتها والسلام الذي لم نراه، ومن الحب والاخلاص، ومن الحياة والموت، ومن الطفولة حتى الشيخوخة، ومن الصحراء ورمالها، ومن الشتاء وزمهريره، ومن الصيف وقيظه، ومن كل شيء بعد أن تمكن في ترحاله الطويل أن يتعرف معرفة دقيقة على مجمل الآداب العالمية ويقارن ما بينها وبين الشعرية العربية. أنه الفنان الماهر شعرياً بتفاصيل الحياة اليومية وبدقة، كما وأنه وظف أحسن توظيف الزمكانية داخل قصيدته التي شقت طريقها المغاير.
يضيف الحسيني قبل رحيله باسابيع قليلة كان سركون بولص قد نشر مجموعة من قصائده الجديدة، وهو مقل جداً بالنشر هنا او هناك، وحين قرأت القصائد، كنت كمن تلقى لكمات متتالية، لقوة النصوص التي نشرت، فكتبت أليه معرباً عن اعجابي الشديد بتلك القصائد وسائلاً عنه، وفي اليوم التالي جاء جوابه ليقول عزيزي هادي، جميل أن أسمع منك وأشكرك على كلمتك بصدد القصائد.
وينقل الحسيني عن بولص قوله في هذا الزمن، كما يبدو يا صديقي، لم يعد لنا نحن العراقيين سوى أن نعري قلوبنا ونحن ندري أن العراقي وحده، أينما كان، سيفهم،. يسعدني أنك اتصلت في هذا الوقت، إذ أنني مسافر الى أوروبا بعد اسبوع، وقد أعبر الى أسكندينافيا، من يدري.
ويضيف الحسيني ماجاء على لسان بولص على أية حال سأراك بالتأكيد فأنا باق لمدة طويلة بعيداً عن بلد الأوباش هذا، محبتي وتحياتي .
يقول الحسيني من خلال رسالته هذه أحسست بالعزلة الكبيرة التي يعيشها هذا الشاعر الفذ على الرغم من أنه أحب سان فرانسسكو ومكث فيها سنوات طويلة جداً، كان حدسه في الموت واضحاً وكأنه يعلم سيبقى فترة طويلة حيث رقاده الابدي في برلين وما بين أصدقائه الذين احبهم وأحبوه، ففي برلين يموت شاعر العراق المجدد سركون بولص الذي رفد الشعرية العربية بتجربة غنية بألتقاطاتها وتصورها وموضوعها الانساني.
وبحسب الحسيني أستطاع ان يتخطى المحلية ليصل الى العالمية، فقد ترجمت قصائده الى الكثير من اللغات الاجنبية وتعرف على اهم الشعراء في العالم خاصة من الامريكيين الذين يمثلون جيل البيتنكس مثل ألن غينسبرغ وغريغوري كورسو ولورنس فيرلينغيتي وبوب كوفمن وغيرهم، كما وأن شاعرنا الراحل أرفد المكتبة العربية بالعديد من الترجمات ونقل لنا الكثير من شعراء العالم الى العربية.
وسركون بولص من الشعراء القلائل الذين اخلصوا للشعر ومبادئه بطريقة مغايرة مكنته لان يكون علامة فارقة بتاريخ قصيدة النثر العربية، لقد عاش حياة ملؤها الفقر والحرمان، ولد سركون بولص قرب مدينة الحبانية عام 1944 ومن ثم انتقل في طفولته الى مدينته كركوك وكون مع مؤيد الراوي وجان دمو وفاضل العزاوي وصلاح فائق بما هو معروف بجماعة كركوك، أنتقل بولص من كركوك الى العاصمة العراقية بغداد ومنها الى دمشق ثم بيروت، وما لبث حتى انتقل الى سان فرانسسكو ليقيم هناك دهراً..
ويشير الناقد العراقي علي حسن الفواز الى معالم تجربة سركون بولص القصصية وعوالمه الشعرية وتأثير ذلك في الجيل الذي قرأ له والذي هو احد قرائه.
كما يشير الناقد فاضل ثامر الى إن سركون ويلص من العلامات المهمة في الثقافة العراقية والتي أشرت باتجاهات السهم نحو الحداثة الحقيقية ضمن التجربة الشعرية مع إن سركون بوالص كان قد ظهر ضمن الجيل الستينات ومن الجيل الذي ظهر فيه فوزي كريم وحسب الشيخ جعفر وفاضل العزاوي وخالد علي مصطفى.
لم يكن سركون بولص، بحسب ثامر، مميزا في البداية وعندما فكرت لكتاب قصص عراقية لفت نظرنا يومها اسم سركون بولص في التجربة الشعرية اللاحقة التي طغت على كتاباته القصصية. ويتابع سركون بولص شاعر وكاتب للقصة القصيرة واحد رواد الحداثة الحقيقيين.
الاغتراب
ويسرد حسين بن حمـزة على صفحات فيس بوك بعضا من تفاصيل حياة بولص، فيدون
سركون بولص الذي صرعه الوهن عن 63 عاماً، يوارى الثرى في برلين على مقربة من مواطنه المسرحي عوني كرومي. إنّه الشاعر العراقي الأكثر شفافيّة، كتب كما عاش، بلا ظهر ولا قبيلة ولا مريدين
كان رحيل سركون بولص قدر لا يُستهان به من المفارقة. إذ لا نعرف إن كان سركون مقيماً بيننا بكامل حضوره الشعري، حتى نقول ببساطة إنّه رحل. ألم يكن هذا الشاعر راحلاً، بالمعنى الجغرافي، حين ترك مدينته الأولى كركوك إلى سان فرانسيسكو ملبياً نداء الشعر الغامض والسحري؟
واضاف ألم يكن راحلاً، أو بالأحرى مرحّلاً، بالمعنى النقدي، عن حياتنا الثقافية التي يقوم جزء كبير منها على النميمة والدسائس، والتي غالباً ما يلعب فيها الوجود الشخصي للشاعر دوراً أساسياًً في الاهتمام به ومتابعة تجربته. ثقافتنا ساحة للعلاقات الشخصية، ولا تتذكر من هم بعيدون إلا في المناسبات. على الشاعر أن يحضر فيها مع كتابه. بغير هذه الطريقة لن تكون له عزوة. سركون بولص كان بعيداً باستمرار. لم يكن لديه وكلاء وممثلون شخصيون كي يديروا ‘أعماله الشعرية هنا. بهذا المعنى، كان غياب سركون بولص مصدر راحة لكسلنا النقدي. لم يكن موجوداً بيننا ليحرجنا، بشخصه على الأقل، إن لم يكن بشعريته الفذة التي يصعب علينا تجنب تأثيرها.
ويتابع القول في حالة سركون، ثمة دوماً أسباب إضافية للحزن. فهذا الشاعر المتفرد عاش بلا ظهر، بلا قبيلة، بلا مريدين. باستثناء من تعرفوا إلى الأحشاء الحقيقية لتجربته الشديدة الخصوصية ــ وهم قلّة بالطبع ــ لم يتسنَ لصاحب الوصول إلى مدينة أين أن ينتشر ويُدرس نقدياً ويُحدد أثره الشعري، سواء بين مجايليه أو بين من الأجيال التي جاءت بعده. الشعر عصبيّات، وسركون بولص لم يكن يملك ما يُديم ذكره ويدافع عن موطئ قصيدته الراسخ والمتميز. لقد وهب حياته للشعر. لم يفعل شيئاً آخر تقريباً. لكنه في الوقت نفسه، وكأي شاعر حقيقي، لم يسعَ إلى الأضواء. لم يخطط لصناعة شهرة أو صيت مبالغ به. لم يسأل عما كانت تفعله نصوصه بقرائها. كنا نعرف أنه مريض بالشعر، قبل أن يُصاب بذاك المرض الفتّاك الذي يُسرع بصاحبه إلى الموت.
ويختتم بن حمزة حديثه بالقول كان سركون بولص شاعراً حقيقياً إلى حد أنه أهمل أن يتقصّى ما يتسرّب من شعره إلى نصوص الآخرين. لم يكترث بأن يكون هؤلاء مدينين له، ولم يطرق أبوابهم يوماً مطالباً بما له في ذمّتهم. منذ بداياته المبكرة، حين كان واحداً من جماعة كركوك ، كانت نصوصه تأتينا من حيث لا نتوقع. كان شاعر قصيدة نثر ولكن على حدة. وحين صارت قصيدة النثر مشاعاً ظلت قصيدته محتفظة بقوة المفاجأة.
AZP09


















