أحسنت يا بطل- د. احمد جارالله ياسين

د. احمد جارالله ياسين

أول تهديد نسمعه في طفولتنا ممن حولنا ولو بالمزاح : (إلا أذبحك من القتل( … ..ومع ذلك نتساءل في أيامنا هذه من أين جاء كل هذا العنف والخراب والإرهاب في بلداننا ؟..ومن أورثنا إياه…؟. في سن الشباب إذا تخاصمنا لفظيا سمعنا أحدهم يصرخ : ( إلا أشق فمك أو ..أمَــوْتك من القتل( ..  ..إذا رأى أولادنا قطة عابرة أمام البيت لن نتردد في تشجيعهم مباشرة على ضربها ..نصرخ 🙁 يـَـوَلْ اضربها اضربها وأنعل والديها) ..إذا راينا (جرادة) تقتحم حديقة البيت ..أسرعنا في شن حملة ب (االعصي) عليها لقتلها .. صيد حمامة مسكينة تورطت باختراق أجواء البيت  نعده قمة الفحولة والبطولة ..قص أجنحة الفراشات لمعرفة لونها بعد قتلها اكتشاف علمي بالنسبة لأولادنا الصغار ..ربط جرو ضال بحبل و(بهدلته) في الشارع وسط الصبيان قمة المرح واللهو..إذا رأينا بيتا للنمل أغرقناه بالماء ..أو قتلناهم خنقا وهم أحياء  بلصق علكة على فتحة البيت الصغير لهم في اسفل جدار بيتنا الكبير .. الرحلات الخشبية الجديدة في المدرسة نحفر عليها بالمسامير الخشنة ذكرياتنا.. الحصاة في الطريق نركلها بقوة وفضول لتصيب سيارة أو طفلا ونتفلت من المسؤولية ثم نهرب بلا اعتذار.. المساطر الخشبية والعصي ضرورة في مدارسنا ولاسيما في غرف الإدارات وحتى في غرفة الأب.. أطفالنا من دون الألعاب كلها مغرمون بلعبة الشرطي والحرامي العنيفة  وعنتريات باب الحارة ولازالوا يتوارثون من الآباء الشغف بمتابعة فلم الكارتون المعاد (ساسوكي)..ويفضلون في العيد اقتناء الأسلحة البلاستيكية على أية لعبة أخرى .. اذا وقف عصفور رقيق تائه على جدران سطح البيت رجمناه بالحصى.. إذا دق الباب متسول شتمناه ونهرناه ..ونسينا وصايا سورة الضحى ..إذا انطفا كهرباء خط المولدة شتمنا صاحبها وإذا عاد للاشتغال  شتمناه أيضا ..إذا جاءت الكهرباء الوطنية شتمنا الحكومة وإذا انقطعت لخلل فني شتمناها أيضا وبلهجة أقسى مع دعوات بقذف المسؤولين في حفرة جهنم ..إذا انقطع الماء قطّعنا المسؤولين بالأدعية الشرسة التي يمكن ان تجعلهم شذر مذر ، وإذا جاء الماء تعاركنا به بالرشّ والاقتتال العبثي على الأبواب مع الجيران .. أي جهاز الكتروني عندنا يعطل نقوم بضربه من الخلف كخطوة أولية لإصلاحه ..أول علاج لأخطاء أطفالنا ( الكمخة) على الرأس ….في سن المراهقة علاجهم (الراجدي) ..في سن الشباب ( البوكس والدفرة) والطرد من البيت .. أول زعل مع الزوجة لا نتفاوض فيه بنعومة معها لإصلاح الخواطر المنكسرة بل نهددها برمي (بقجتها ) خارج البيت وطردها إلى بيت أهلها وربما تسهم  بعض الضربات على ظهرها ووجهها في لغة التهديد  .. نبتهج باطلاق الرصاص في الصباح على زرقة السماء الجميلة الهادئة  احتفالا بطهور الأولاد وقطع نتفة صغيرة من لحمهم .. وفي حفل زواج الكبار ننسف بياض الغيم بشاجور كامل من الكلاشنكوف ابتهاجا أيضا بالتواصل بين قطعتي لحم أيضا .. أكلتنا المفضلة (الباجة) وهي رؤوس وأمعاء وأقدام الخراف التي تذكرك بالمقابر الجماعية .. في مدارس الثمانينيات يكتبون لنا في دفتر الإملاء (أحسنت يامقاتل ..ياضابط ..يابطل( ..  علما أن البطولة المقصودة هنا هي المرتبطة بالقتال والحروب والسيوف والموت وليست البطولة في المجالات العلمية والانسانية كالطب والهندسة والأدب..إذا مد طفل فضولي يده إلى شي ليس له ..هددناه (إلا أكص إيدك) ..    

إذا اخطأ بلفظ ( إلا أكص لسانك ) ..إذا دخل للمطبخ من باب حب الاستكشاف هددناه أيضا (إلا أشعلك بالنار) .. إذا خرجنا في سفرة سياحية قطعنا بهمجية الأخضر واليابس من الشجر من أجل  شواء نفرين من الكباب.. إذا لاطفنا طفلا حديث الولادة قرصنا خده فينفجر باكيا بينما نضحك ..إذا غازلنا من نحب قلنا ..(أموت عليك.. خذ من عمري لعمرك ..أروح لك فدوة ) ..وكلها تضحيات وموت وخراب… كل تلك المظاهر الاجتماعية دالة على العنف العميق الجذور المتغلغل في حياتنا… ومع ذلك نتساءل دائما ومع كل حدث ارهابي  ..من أين جاء الخراب… والدمار ..والموت .. والقتل ومن أين نمت أنساغه .. والإجابة عن مثل هذا السؤال بحاجة إلى إعادة النظر بكل  جذور ثقافتنا الاجتماعية اليومية والشعبية وعلى طريقة  شلع قلع …