عمل يصنع القارئ .. طائفة الأنانيين.. رواية تعالج الفرد

عمل يصنع القارئ .. طائفة الأنانيين.. رواية تعالج الفرد

لـيـث الهجان

إيريك أيمانويل شميت روائي و كاتب مسرحي و مخرج فرنسي من أصول بلجيكية.قدمت أعماله في المسارح العالمية.

كاتب مستسلم لمبدأ الصدفة التي قادته الأولى الى كتابة رواية “طائفة الانانيين”

ترجمة أحمد الويزي،الطبعة الولى ،2014 الناشر :المركز الثقافي العربي/الدار البيضاء -المغرب

عندما كان يدبّ التعب في اوصالهِ. هذا هو حال إيريك أزاء أنشغاله وعمله وبحثه في المكتبة الوطنية كما هو حال وصف حالته اثناء انشغالهُ بعملهُ وتحضيراته لأطروحته الدكتوراه وبدأ يشعر بالكراهية إزاء ما كان يقوم بهِ من اعمال البحث في المكتبة فقرر بعد ذلك أن يدلف بأبتسامة ساخرة الى القاعات التي كانت تقع بالسراديب والتي كانت تضم العديد من الكتب، ليتخلص من ما هو عليه من تعب، وليخرق القانون كجَنية حسب وصفه في روايته وأنهد على قراءة شيء غير مفيد.

ينطلق الكاتب إريك في مهمةٌ أخرى لم يكن في حسبان ذهنه أن يصادف كتاب ما كان أحد عمال المكتبة الوطنية يحمله وفي محض الصدفة طلب هذا الكتاب من عامل المكتبة تحت أسم “المعجم القومي” من تأليف فوستيل الهويليبري ونشر في أربعة أجزاء سنة 1798 من قبل نيسفور سالفان . وبدأ يقلب بصفحات هذا الكتاب القديم المتراهي ولونهِ القديم وفي الصدفة اثناء مطالعة الكتاب استقرت عيناه على ص96  ووجد المقالة: ألانانية (كلمة فلسفية) يُدعى أنانياً كلُّ شخص يعتقد أنه يوجد لوحده في العالم ،بينما البقية ليست سوى مجرد أطياف وأوهام.

أيريك مستغرباً عما يجري أثناء اطلاعة على هذه المقولة التي أكتشفها في الكتاب

في المكتبة الوطنية عن مفكر غريب يُدعى غاسبار لانغونهيرت الذي كان يترأس مجموعة من الناس ،يدافع عن نظرية فلسفية “أنانية” تقول أن العالم الذي نعيش فيه،هو عالم غير موجود في ذاته وأنما هو نتاج فكرنا.

من هنا الكاتب انطلق للبحث عن هذه المقولة وبدأ يبحث ويستقصي بجمع الادلة وما يتعلق من طائفة هؤلاء الناس الذي كان اعتقادهم هذا ..أن كل شخص يفكر في نفسه فقط انه موجود في الحياة على الـرغم انـهم كانوا يتجمعون سوية ويتطرقون للافكار سوية ولكن عندما ينفردون كأنما يحس وجوده في الحياة وحده .. نعم أنها الانانية لدى الفرد الذي يتعالى على الناس وعلى نفــسه أيضاً ويفكر هكذا ..

“طائفة الانانيين ” رواية تعالج الانانية لدى الفرد في ذاتهِ في مختلف الازمنة والامكنة التي مر بها البشر في هذا الكون ولربما لا تزال الانانية لدى الفرد مستمرة في هذه الحياة لكون الكثير من البشر يقتصر تفكيرهم على ذاتهم فقط على حساب الاخرين..

الرحلة لا تزال طويلة ومُكلفة لـ أيريك فقرر أن يدخل الغمار مع نفسهِ وان يبحث ويستقصي داخل المكتبة الوطنية ولكنه لم يجد شيئاً ولكن غاسبار لانغونهيرت ظل يترقبه ويلاحقهُ في كل اوقاته ..ولم يعد ذلك المجهول أن يتركه أبداً..

هنا كانت الخطوة الاولى لـ أريك من رحلته الحتمية في البحث عندما توقف بالقرب من منطقة “البُّون نوف” عند باعة الكتب القديمة وفي حوانيتهم بعض الكتب الرديئة النادرة القديمة للبيع راح يتأمل نفسهُ بالمطالعة لهذه الكتب ويقلب بها واحد تلو الاخر لتستقر عيناه حول مُجلد قديم تحت عنوان” مجمع لوحات كبار القوم” كتاب يتضمن رسوم فنية وراح إريك يتصفح المجلد وراحت عيناه على صورة قديمة مشيرة أنها لـ غاسبار لانغونهيرت الذي رسمه فيجيه،وفق اللوحة التي رسمها مالكومبر..راحت عيناه تقلب ذلك المجلد سريعاً ليبحث عن صور اخرى..فلمح أريك ان هناك بصيصاً من الامل نحو خطوته للبحث عن هذا الشخص..وبدأ بأخذ المجلد من صاحب الحانوت القديم واعطاه ثمنهُ وذهب ليواصل رحلته الاستكشافية ..

هي ليست رحلة عن شخص ما .ولكن الكاتب إيريك استطاع ان يأخذ القارئ بعيداً عن الموضوع أو المغزى المراد البحث عنهُ وأنما أخذنا بمحطات فكرية لغوية فلسفية أستطاع من خلالها ان يذهب بنا بعيداً عن واقعنا وليعود بنا الى ذلك الزمن وكيف كان غاسبا لانغونهيرت والناس الذي يتبعونه كيف كانوا يفكرون أنذاك.

الكاتب إيريك كانت رحلتهِ مع هذا الشخص رحلة بين المكتبات الحديثه والقديمة يتربص بين هذا الكتاب وذاك الكتاب لعلهُ يجد شيئاً ما لكي يواصل مشواره الى كتاب “نزهة المرتاب” وبدأ يقرأ اهم اللقاءات التي أجريت مع الفلاسفة وكيف كانت حياتهم وكيف كانوا يطرقون مواضيعهم الفلسفية أنذاك الى أن إيريك لم يصل الى مبتغاه نحو لانغونهيرت ..

رحلة البحث كلفة إيريك أن يتوقف أو يجمد بحثهُ الاكاديمي لفترة من الوقت وجاءت الرغبة به على تكريس بحثه بخصوص غاسبار .

الرحلة الحتمية بدأت شرارتها لـ أريك الذي شغل نفسه بكتابة الرسائل لأكبر المكتبات الاوربية الموجودة في لندن وروما وميلانو وميونيخ وبيزي وبرلين ومدريد وموسكو وبودابيست ولينغراد .كما بعث بعض الرسائل الى كافة المجلات التي تعنى بالفلسفة والتأريخ ورسائل أخرى الى الجمعيات العلمية لكي يحصل على بعض المعلومات حول غاسبار وأوصلته رسائلهُ الى اكتشاف كتاب “مذكرات رجل شريف” نشر 1836. ووثيقتين مهمتين مهتمة بمتابعة الحياة الادبية في الصالونات الباريسية التي جمعها هيبيير حيث يعرض في نصوص الشهور الاولى التي قضاها غاسبار في الشهور الاولى في باريس

وهذه النصوص مقتبسة من مجلد تحت عنوان “فلسفتان فرنسا وأنجلترا”

النصوص كانت تنص حول حياة غاسبار :أنه كان شاب وسيم وفائق الجمال ونال محبة النساء من حوله وكانت الايام الاولى له في باريس حيث شعر بالكتابة وفي احد المساءات كسر الصمت وراح يصرخ بأعلى صوتهِ “ليس لي جسم ..جسمي ليس مادة..”اصيب الجميع بالدهشة والذهول منهم من خجل ومنهم من ضحك ومنهم صدق ومنهم من كذبهُ ولم يكترث لما قالهُ..

اما كتاب “مذكرات رجل شريف”يحتوي على مذكرات ومن ضمنها المدرسة الانانية

كما ذكرها المؤلف جان بابتيسه نيري في كتابة انهُ كان يدير قاعة “ليشانزيليزيان المسرحية بناحية مونتمارت التي كانت تهتم بالمشاركات المسرحية والتراجيديات الشعرية الا ان هذهِ النشاطات الثقافية لا تدير مسرحهُ لكي يحقق مردود مالي وفير ليرمم سقف المسرح واعادة تأهيله.

غاسبار جاء لقاعة المسرح لكي يفتتح مدرسة الانانيين ويأخذ يوم واحد في الاسبوع وتم الاتفاق على فتح المدرسة الانانية في المسرح .

فلسفة غاسبار تقول “أنا الموجود وحده.بينما العالم وانتم وانا وباريس وفرنسا كلها ليست سوى مخلوقات وانا خلقتها بخيالي”..!

جرت الحصة الاولى وجاء الجميع قبل الموعد المحدد وأخذوا يهنون بعضهم البعض وصعد غاسبار الى المنصة واستأنف خطبته قائلاً”انا لذاتي هو العالم وانا هو كل الواقع،بل وحتى اصل ذلك”

ثم باغته الخباز المخدوع احد الحضور

يقول:لست اعرف بأي حق تحتلون المنصة

ثم باغته الاخر واعترض وثم الاخر اعترض وعمت القاعة بالضجيج وانهى السيد الحصة وقال لهم سنوضح لكم في الحصى الثانية سبب ذلك.انصرفوا بهدوء

وفي الحصة الثانية راح يشرح لهم سبب الفوضى وصولاً للحصة الثالثة

قال:انا وحدي هو العالم وأصل كل شئ..أليس كذلك..صادقت القاعة على كلام السيد “غاسبار”

فعادةً نظرية الاحاسيس هي وحدها كفيلة بالتأسيس العقلاني وراح يتلاعب بمخيلتهم واحاسيسهم واحداً تلو الاخرو وأمرهم ان يرددوا معه”لقد قررت اليوم ،أصلاح اللغة اصلاحاً فلسفياً”

غاسبار بدأ يتلاعب باللغة والدخول في فضاء احساسهم الفكري وان يجردهم من اللغة ومن الضمائر”أنا-أنت-هو-نحن-أنتم-هم”في حين ان ما من موجود ثمة سوى أثنين :أنا وتمثلاتي الفكرية .لذا ،فلنعمل على حذف غير المفيد من تلك الضمائر،وتشطيب الزائدة منها عن اللزوم.وراح يخبرهم “ان كل شي ينطلق مني والى يعود” صفقوا له بحرارة واحتفلوا بما قاله لهم .

مروراً بالحصة الرابعة تطرق الى ربط الفلسفة الانانيية بالنظريات الانكليزية الجديدة التي تعالج مسألة الادراك التي كان غاسبار ذكياً وعارفاً بالفلسفة الانجليزية الا أن الحضور اصبح في حالة ملل من الشرح وفي الحصة الاخيرة بدأ العدد يتناقص شيئاً فشيئاً ،ثم حّل السيد غاسبار المدرسة الانانية واعطى قيمة المبلغ وسدد مستحقات واضرار المسرح وانصرف بصمت..!

بعد قراءة الكتاب والمخطوطات قرر أريك ان يسافر الى هولندا والذهاب الى امستردام ليواصل رحلته الاستكشافية حول غاسبار الفيلسوف ليتوصل الى مخطوطة شامباليون حصل عليها من بلدية لوهافر

ايظاً تتناول حياة السيد غاسبار كيف انتقل لـ..فرنسا وكيف انطلق بفلسفته وضل يعتقد نفسه هو الموجود فقط في العالم ..نظريته لا تزال في ذاتهِ قائمة لكن لم يكن في حسبان ذهنه ان يجرد من كلمة “أنا”

خرج غاسبار ليتفرج على فرقة موسيقية وراح يتفرج بعينيه على فتاة غجرية وسط الفرقة ترقص بدأت الانانية لديه تتزحزح من قاموس فلسفته وراحت عيناه تراقبها ليقع في حبها وبفضل تُلك الغجرية تغير العالم كُله وما عاد غاسبار سوى مجرد مشاهد يندهش لما يجري حوله في العالم ويعجب وينذهل ،لقد غدا غاسبار شيئاً فشيئاً يتعلم.

كل صرح فلسفته انهار بين احضان تُلك الغجرية ،ثم اختفت تلك الغجرية وبدأ يحس بالخيانة والحقد على كل الكائنات الحية وقرر ان يعتكف في القصر ولم يخرج من غرفتهُ ليعود الى الكتابة من جديد..!

جميع السبل التي قادت إريك في خطوات بحثه،تظل قصيرة وملغزة ،يا ترى؟ هل هي مؤامرة لعنة ام ماذا..! الباحث شرد بذهن القاري بعيداً عن واقعنا وركز في بحثه على المخطوطات والكتب القديمة واستطاع الكاتب ان ينقل القارئ معهُ في رحلته بين فرنسا وهولندا قديماً وفي صالوناتها الادبية أنذاك وبين المكتبات العلمية ،الذي كان الكاتب يقوم بعمليات بحث وتحرّ في اعماق نفسه هو بالذات ناقلاً معه القارئ ضمن دوامة من الشك والاسئلة الوجودية .

في الفصل الاخير من الرواية نكتشف أن القصة كلها كتبها خيال كاتب مريض،فالباحث ما هو إلا شخص مصاب بداء يعوقه عن الحركة ،نزيل في احدى المصحات منذ طفولته،يعاني الوحدة القاتلة والتوهمات والشكوك يكتشفها الطبيب الذي يعـــــــالجه في مجلد بعد وفاة البطل ليرسله الى أحد اصدقائه من المتخصصين في التاريخ والذي سمعه مرة يتحدث عن غاسبار.

هل الــ”أنا” والانانية وجدت في نفس غاسبار الفيلسوف المريض ام هي موجودة في نفس الباحث إيريك أو وجدت في جميع نفوسنا ؟ الرواية جميلة وممتعة اخذت بنا بتنقلات مكانية وزمانية ولغوية وحسية تركت الكثير من الاسئلة الوجودية كعلامات أستفهام لدى القارئ؟